السبت, يونيو 25, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

ذوو الدخل المعدوم

هاشتاغ _ أيمن علوش

 

يردّد المواطنون عبارة ” كلشي غالي”، والحقيقة أنّ المشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل وبشكل أساسي في انخفاض الدخل، حيث تراجعت القيمة الشرائيّة لراتب الموظف في سورية أكثر من ١٥ مرة خلال سنوات الحرب على سورية، وظهرت دراسات كثيرة حول احتياجات المواطن السوري الشهريّة من أجل تأمين ضروريات المعيشة، وجميعها تتّفق على أن المواطن بحاجة إلى عشرة أمثال راتبه الشهري الحالي، كحدّ أدنى، دون أن يعني ذلك إطلاقاً اكثر من تلبية المتطلّبات الأساسيّة اليوميّة للحياة.

لا يمكن بالطبع الاستئناس بتصريحات بعض المسؤولين السوريّين حول تكاليف المعيشة الشهريّة، فمنهم من تحدّث عن إمكانيّة الاكتفاء بالدخل الشهري مع بعض الإدارة الجيّدة، ومنهم من وجد أن المواطن قد يجد بعض الصعوبة في ذلك، ومنهم من هرب إلى توجيه الأنظار إلى تلاعب التجّار بالأسعار وإلى أهمبة ضبطها، وهو يدرك جيداً أن المشكلة ليست في أصحاب المحلّات الصغيرة التي لا تضع التسعيرة، بل في كبار التجّار الذين يحتكرون تجارة المواد الاستهلاكيّة وغير الاستهلاكيّة ويفرضون أسعار سلعهم غير مكترثين بكافة الجهات الرقابية.

لكنّ الغريب وغير المفهوم وغير المقبول أنّ أسعار بعض السلع، ومنها موادّ غذائيّة، قد ارتفعت أكثر من معدل تضخّم الليرة السورية، وباتت أغلى منها في مدن عربيّة تصنّف الأغلى، ومردّ ذلك أن الحكومة رفعت الدعم و زادت الضرائب والرسوم والخدمات بما يغطّي العجز في الميزانيّة، والتجّار رفعوا أسعارهم بما لا يقلّل من نسبة أرباحهم، مع هامش إضافي جيد لتسديد ما تفرضه عليهم الدولة من دفوعات، وأصحاب المهن الحرّة رفعوا أجورهم بما يواكب ارتفاع الأسعار، والفاسدون رفعوا من ثمنهم لتعزيز مواقعهم، أمّا بقيّة شرائح المجتمع فوقعوا في مستنقع الـ “لا أمل”.

ما نمرّ به اليوم يختلف عن سنوات الحرب الماضية، حيث كان معظم المواطنين يحتفظون ببعض الوفر، سواءً مصوغات أو مبالغ نقدية أو عقارات أو ما يمكن بيعه، أما اليوم فقد نفد كلّ شيء، وليس مبالغة القول بأن شريحة كبيرة من الشعب السوري باتت تعيش على المساعدات التي تردها من أبنائها الذي غادروا الوطن، وشريحة أخرى تعتمد بشكل جزئي على المساعدات التي تقدمها بعض الجهات المانحة، وشرائح أخرى كثيرة تعاني اكتواء الفقر والجوع.

أعتقد أن نظام الدعم الذي تستفيد منه شريحة معيّنة اليوم يجب أن يتجاوز المواد التي يتمّ دعمها حالياً لتشمل كلّ أساسيّات المعيشة وأن تُقدّم للمواطنين دون المرور على التجار وأن تكون معفيّة من الجمارك والرسوم والضرائب والعمولات والرشاوى والخوّات التي جعلت أسواقنا من أغلى الأسواق، ويجب ان يترافق ذلك مع إجراءات رقابيّة وقانونيّة لردع من تسّول له نفسه الاعتداء على كرامات المواطنين.

بعد الحرب الروسيّة على أوكرانيا أصبحت الحرب الشمّاعة التي تُعلّق عليها كلّ أسباب الغلاء لكافّة السلع في الأسواق السوريّة، فأصبحت أسعار الخضار والفواكة في مزارعنا ترتبط بالوضع في أوكرانيا، ولكّن هذا العامل يسقط فوراً إذا قارنّا أسعار السلع التي نستورها فعلاً من روسيا وأوكرانيا، مثل زيت الذرة على سبيل المثال، حيث أن أسعاره في بلدين مجاورين أقل بـ ٥٠٪؜ من مثيله في سورية، والأمر نفسه يندرج أيضاً على أسعار الدجاج التي ترتفع بشكل يوميّ بحجّة ارتفاع أسعار العلف الذي يتمّ استيراده من أوكرانيا.

لقد حوّل بعض التجار الفاسدين والمحتكرين سورية فوراً إلى دولة لا تمتلك أيّ من مقوّمات الاكتفاء الذاتي فأصبحت أسعار كل السلع في السوق السوريّة مرتبطة بالدولار والأزمات في العالم والحصار والعقوبات، في حين بقي الموظف مرمياً في حفرة راتبه.

لا شكّ بأن ما تعرّضنا ونتعرّض له من دول العدوان على سورية صعب جداً، ولا شك بأن ما نعانيه من حصار وعقوبات يدفع ثمنه المواطن السوري أكثر من المسؤول، ومن يطبّق هذه العقوبات يدرك ذلك جيداً، ولكن اعتقد في نفس الوقت أن هناك بيرقراطيّة وفساد واحتكار وقوانين تزيد من معاناة المواطنين، وبالأخصّ ذوي الدخل المعدوم.

 

 

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة