Site icon هاشتاغ

ماذا بعد عقد ونصف من الصراع؟

الأزمة السورية

ماذا بعد عقد ونصف من الصراع؟

نضال الخضري

دخول الأزمة السورية عاما جديدا لن يكون مجرد ذكرى، أو استرجاع لدروس ومحطات من تاريخ هذه الحرب، فهو نظرة لحجم التحول الذي اجتاحنا وكسر أشكال العلاقات التي كانت تمثل هوية سورية بامتياز، فالأزمة بأحد جوانبها كانت جريمة موصوفة بحق عقد اجتماعي غير مكتوب بدأ مع المؤتمر السوري بداية القرن، وتبلور في رفض الصورة التي رسمتها فرنسا لتقسيم البلاد.

قبل قرن من الزمان بدأت الثورة السورية الكبرى ورسمت تفاهمات السوريين حول العلاقات داخل وطن سمته التنوع، لكن عقدا ونصف ربما غير من التفكير والأهم أنه أعاد رسم سورية ضمن مناطق نفوذ، وإذا كانت شرعية التقسيم ماتزال بعيدة إلى أنها تشتت التاريخ القريب الذي رسم سورية، وجعلها مجتمعا منفتحا على كل الاحتمالات المرتبطة بمرونة العلاقات داخلها، ورسمها في تفكير أي سوري على أنها بلد ربما تعاني من مشاكل سياسية كثيرة، لكنها المكان القادر على منح الجميع أحقية التواجد فوقه.

سردية الأزمة السورية لم تبدأ بشعار “الحرية” بل بكسر معادلة التنوع، ورمزية التصور في ذهن كل سوري بأنه ربما يسافر أو يهاجر لكنه يملك رسما متداخل الألوان لبلده، وعندما تطورت الأزمة وبدأ الحديث عن “عقد اجتماعي” جديد كان واضحا أن العلاقة التي رسمها الرواد منذ عام 1916 لم تهتز فقط، بل هي هدف رئيس لكل ما حدث، فالشكل السوري كان حالة نشاز بعد حربي لبنان في السبعينات والعراق بعد عام 2000.

أن نفهم الأزمة لا يعني أي رغبة للعودة إلى زمن السابق لها، فهذا الأمر ليس مستحيلا فقط بل محاولة كئيبة لتجاوز التفكير بالمستقبل، فحجم الضحايا يفرض تصورا آخر لحماية علاقة التنوع التي ظهرت مع أول جمهورية واستمرت رغم كافة الانتقادات التي يمكن أن توجه لكل أشكال الحكم بعد الاستقلال، وتاريخ سورية السياسي لم يبدأ بانهيار السلطنة العثمانية، لأن التجربة السياسية المتراكمة أطول وربما أعمق، فهناك تاريخ سوري موغل في القدم رافقته “السياسة” في كافة مراحله.

معرفة الأزمة أيضا تشكل نقلة أخرى تتجاوز إسقاط التهم عن كافة الأطراف، فالسوريون إذا تحاوروا يوما فإنهم لا ينقذون رمزية بلدهم فقط، بل يخلقون مستقبلا لامتداد وجودهم السياسي، فالمسألة لا ترتبط بشروط بناء السلام وفق مصطلح المنظمات غير الحكومية، إنما بالتفاهم مع تناقضات موجودة لكتها لم تكن عبر التاريخ السوري حاجزا يقف دون إبداعهم في خلق مساحات خلاقة، أو رؤى يمكن أن يمنحوها للأجيال القادمة.

الأزمة السورية رواية لأحلام مكسرة لم يستطع السوريون عبر عقد ونصف من الزمن بناؤها، أو استبدالها بتصورات أكثر تجاوبا مع عصر مختلف، فرغم المآسي التي مازالت ترافق السوريين نتيجة الحرب، لكن المستقبل هو بالضرورة الهدف الرئيس لكل التجربة المريرة للسوريين.

Exit mobile version