Site icon هاشتاغ

ما يصل منها إلى سوريا بالعملة الصعبة لا يتجاوز 30%: تراجع كبير في تحويلات السوريين بعد الحرب الأوكرانية

هاشتاغ-يسرى ديب

يضطر أحمد لتقديم الكثير من المبررات لولديه اللذين بقيا في سوريا، عن صعوبة الاستمرار بتحويل مساعدات شهرية لهما من ألمانيا، ويتحدث عن الكثير من تفاصيل الحياة التي تغيرت نتيجة ارتفاع الأسعار بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

فيما تروي رغد سليمان المهاجرة إلى ألمانيا أيضا، أن ارتفاع الأسعار وصل إلى نسبة فاقت 30%، وهذا أثر كثيراً على إمكانية إرسال حوالات إلى الأهل والأقارب في سوريا.

وبينت سليمان في حديث مع هاشتاغ أن حال أهلها في سوريا في ظل الوضع الاقتصادي الضاغط يجعلها تقتطع حصة لهم أولاً رغم كل ارتفاع الأسعار الذي يجعلها تعيش بمستوى اقتصادي أقل حسب قولها، لأن مردودها المادي لم يرتفع مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

تضيف سليمان أن الأمر لا يتوقف عند المبلغ الشهري المخصص لأهلها، بل عليها أن تتصرف وتنقذهم عند حصول أي طارئ كالمرض أو الحاجة لإصلاح أي من الأدوات الكهربائية في البيت، لأن كل هذه الأحداث الطارئة بمثابة الكارثة لأهلها بسبب الوضع الاقتصادي المتدهور.

وتشير إلى أن ما يسهل الأمر هو الفرق الكبير في قيمة العملة، حيث أن تحويل 10 أو 20 يورو يحدث فرقاً لدى أهلها.

وبينت رغد أن الوضع بالنسبة للسوريين المقيمين في أوروبا يختلف مع الأسر التي لديها أطفال، فبعد ارتفاع الأسعار في ألمانيا بدأت تحصل الكثير من المشاكل بين الأزواج بسبب موضوع التحويلات التي قلصتها أغلب الأسر.

تراجع كبير

الخبير المصرفي عامر شهدا قدر نسبة تراجع تحويلات السوريين إلى 80% حتى نهاية كانون الأول من هذا العام.
يقول لـ”هاشتاغ” إن قيمة التحويلات ستتراجع من 5 مليون يورو شهرياً إلى 2 مليون فقط. مشيرا إلى أن وضع العمالة في أوروبا تأثر كثيراً بارتفاع الأسعار ونسبة التضخم التي وصلت إلى نحو 9%.

ويرى أن العمال السوريين أكثر المتضررين في تلك الدول، فالمعامل بدأت بالإغلاق بسبب تراجع التزود بالطاقة الكهربائية بعد انقطاع ضخ الغاز الروسي، وأول المرشحين للتسريح في هذه المعامل هم العمال الأجانب، وبالتالي العمالة السورية.

وقال شهدا إنه بعد زيارة قام بها لألمانيا مؤخراً تبين له أن تكاليف التدفئة ارتفعت من 400 يورو شهريا كبدل تدفئة إلى 1000 يورو وذلك لأسرة مؤلفة من 4 أشخاص داخل المنزل، ولحرارة 20 درجة مئوية.

وأشار شهدا إلى أن آثار النقص ليست على الغاز فقط، بل طالت الكهرباء أيضاً، حيث ارتفعت تكاليفها على الأسرة من 200 إلى 350 يورو شهرياً.

هذه التكاليف المستجدة ستمنع العمال السوريين في أوروبا من التحويل إلى بلدهم كما كانوا يفعلون، وفقا لشهدا، خاصةً أن دخل أغلبهم يتراوح بين 1000-1500 يورو، لأن الغالبية من أصحاب الحرف.

حتى الأطباء..

ويضيف: حتى الأطباء تقلصت قيم تحويلاتهم من 300 إلى 100 يورو، فتكاليف الحصول على الطاقة تحتاج إلى نصف الدخل، وأسعار إيجار المنزل لا تقل عن 600 يورو لمنزل لا تتجاوز مساحته 40 متراً.

يلفت شهدا إلى أن الحوالات تراجعت منذ بداية 2022 بنسبة 45%، ويتوقع أن تصل نسبة التراجع نهاية شهر 11 إلى نحو 80% رغم تأكيده أنه لا يوجد أرقام دقيقة للحوالات..

دولارات السوريين للجوار

يؤكد الخبير المصرفي أنه بدراسة صغيرة أجراها على التحويلات من ثلاثة دول أوربية تبين أن قيمة التحويلات وصلت إلى 20 مليون يورو في الشهر، “لكن للأسف هذا المبلغ لم يصل منه إلى سوريا إلا القليل، لأن 30% منها تذهب لدول الخليج، وتدفع في سوريا بالليرة السورية، و40% تذهب إلى تركيا وتدفع في سوريا بالليرة أيضاً”.

ويشير شهدا إلى أن حصة سوريا من تحويلات أبنائها تقتصر على 30% فقط ويقدر هذه النسبة بمبلغ 5 ملايين يورو، ويلفت إلى أن هذا المبلغ قد ينخفض إلى 2 مليون يورو.

ويتوقع شهدا أن تظهر المؤشرات من خلال تراجع أعداد رواد المطاعم، وتراجع الاستهلاك وعجز في سداد ايجارات العقارات .

اقتصاد مأزوم

الخبير شهدا ربط تراجع التحويل وموارد القطع بتصريح وزير التجارة الداخلية عمرو سالم الذي قال فيه إنه قد يحصل شح في المواد الأساسية بسبب القطع، متحدثا عن خطة لتوريد الأهم، وهذا مؤشر لتراجع القطع وقطع التصدير وفقا لشهدا.

وأشار إلى انخفاض الاستهلاك في العالم، مبيّنا أن هذا سيؤثر على التصدير والاستيراد وتراجع الاقتصاد، والآثار أكبر على الاقتصاد السوري لأنه مأزوم أصلاً.

وذكر شهدا أن سوريا ستخسر تحويلات العائدين من لبنان والتي تبلغ عدة ملايين من الدولارات سنويا إذا كانت كل أسرة تحول 100 دولار شهرياً.

روايات من ألمانيا

وعن مؤشرات التراجع، يشير الصحفي المهاجر أيضاً إلى ألمانيا ثامر قرقوط إلى تناقص حجم تحويلات السوريين المقيمين في أوروبا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

ويقدر نسبة هذا التراجع بنحو 25 بالمئة مقارنة مع مرحلة ما قبل الحرب.

ويرى قرقوط المختص بالشأن الاقتصادي، في حديث مع هاشتاغ أن هذا يعود للانعكاسات السلبية لتلك الحرب على مجمل مناحي الحياة في دول الاتحاد الأوروبي، والتي بات يشكل السوريون جزءا منها، ويتأثرون بها.

ويستند قرقوط إلى عدد من المؤشرات أبرزها، ارتفاع نسب التضخم في كل دول الاتحاد الأوروبي وما رافق ذلك من ارتفاع أسعار كل المواد الاستهلاكية بنسب وصلت لدى بعض المواد الغذائية إلى 50 بالمئة ( أسعار الزيوت النباتية مثلا زادت ثلاثة أضعاف) والزيادة المهولة في أسعار المحروقات وكلف الطاقة، فضلا عن زيادة أجور النقل والترانزيت.

تخفيض اضطراري

وأشار قرقوط إلى أن هذه الأعباء المعيشية الضاغطة في أوروبا، انعكست بشكل كبير على السوريين المقيمين هناك، لاسيما أن نسبة كبيرة منهم لم تنخرط في سوق العمل بعد، أي مازالت تحصل فقط على المساعدات الاجتماعية، وهي المعادل الموضوعي لما نسميه الحد الأدنى للحياة الكريمة.

ويشرح بأن “سوريي أوروبا، زادت تكاليف حياتهم المعيشية، ولم تزداد مداخيلهم بالمقابل، وبالتالي فائض المبالغ التي كانت تصلهم شهرياً، ويقومون بتحويلها لذويهم في سوريا، لم تسد الفجوة المتسعة تباعا بين الدخول ومتطلبات الحياة المعيشية”.

هذا الأمر دفع السوريين في أوروبا مرغمين إلى تخفيض قيمة الحوالات، وإعادة هيكلة نفقاتهم، بما يتناسب مع الوضع الطارئ في دول إقامتهم، مثلهم مثل بقية مواطني تلك الدول والمقيمين فيها، وفقا للصحفي السوري.

طرق متعثرة

من جهة أخرى، يشير قرقوط إلى الدور السلبي الذي يلعبه سماسرة التحويل، من خلال اقتطاعهم نسب تتجاوز أحيانا 20 إلى 30% كأجور تحويل عن كل يورو يتم تحويله، والتسليم يكون بالدولار الذي قيمته السوقية كانت أقل بنحو 20 % مقارنة باليورو.

إضافة إلى ذلك جاء انخفاض اليورو مقابل الدولار ليزيد الطين بلة ( تقريبا اليورو كان نحو 1,20 دولارا، حاليا الدولار يوازي 95 سنتا مقابل اليورو ، أي قيمة اليورو السوقية حاليا أقل)، مما رتب أعباء إضافية على كل سوري يعتزم التحويل لذويه في سوريا، كون التحويلات لا تمر بالطرق القانونية، وتديرها شبكات وسماسرة يفرضون شروطا غير عادلة، كما يقول قرقوط.

للاستهلاك..

ويضيف قرقوط سببا آخر لقلة التحويلات، يتعلق بردة فعل السوريين المقيمين في أوروبا تجاه من يحولون إليهم المال من أسرهم، لأن تلك الأموال لم يتم إنفاقها بالشكل المرتجى عموما، والذي من أجله تم التحويل، بل ذهبت غالبا للإنفاق الاستهلاكي وأحيانا للرفاهية، دون تأسيس مشروعات متناهية الصغر تقي الناس شر السؤال مستقبلا، مع الإشارة إلى أن نسبة منهم كانت تنتظر هذه التحويلات شهريا من أجل تأمين متطلبات الحياة الكريمة.

ويرى قرقوط أن هذا خلق حالة يأس لدى السوريين في أوربا، من أن مساهماتهم المالية لم تذهب إلى المكان الصحيح من حيث الإنفاق، فضلا عن أن مستقبلي هذه الحوالات اعتبروها من قبيل الشرط اللازم، وليس من باب التضامن والتكافل الأسري.

ظروف سيئة

الخبير الاقتصادي والصناعي السوري الدكتور شادي دهام، يشير هو أيضا إلى انخفاض معدل الحوالات الخارجية اليومي خلال الفترة الأخيرة مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة كورونا، وذلك بسبب “تردي الأوضاع الاقتصادية عالمياً وانخفاض دخل معظم المغتربين السوريين في الخارج”.

ويضيف دهام في تصريحات لـ”هاشتاغ” أن السوريين في أوروبا يعيشون حاليا في ظروف ليست سهلة، أمام ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية، حتى الذين يعملون بأجر يعانون كغيرهم من مواطني تلك الدول، ويحبسون أنفاسهم بسبب الارتفاع المستمر للأسعار، ما انعكس سلباً على مقدرتهم لتحويل جزء من دخولهم لأسرهم المقيمة في سوريا، حيث شظف العيش وصل إلى حدود غير معقولة.

تداعيات مفجعة

أضاف دهام أن عواقب الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا لم تقتصر على مجرد اهتزاز الأوضاع بالفعل في هذين البلدين وحسب، بل كان لها تداعيات مفجعة وآثار ملموسة -وإن كانت بدرجات متفاوتة- على اقتصادات المنطقة والعالم بأسره، بينما كانت البلدان تتعافى تدريجياً من جائحة كورونا، جاءت أزمة الحرب لتهدد ذلك التقدم الذي حققته، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء، خاصة أسعار القمح والحبوب وزيت عباد الشمس، وزيادة أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية.

كل ذلك – بحسب دهام – دفع التضخم نحو مزيد من الارتفاع، مما يؤدي بدوره إلى تآكل قيمة الدخول وإضعاف الطلب، وكل ذلك سيؤدي لتراجع تحويلات المغتربين العرب في الخارج، والتي شهدت مستويات قياسية قبل جائحة كورونا.

طوق النجاة

يرى دهام أن حوالات المغتربين السوريين تشكل حاليا طوق النجاة الوحيد لمئات الآلاف من الأسر في سوريا، خاصة خلال موجة الغلاء الفاحش، والارتفاع غير المسبوق في الأسعار، مما جعل الكثير من الأسر في كافة مناطق سورية يعتمدون على تحويلات أبنائهم، من أجل الصمود بوجه الأزمة الاقتصادية.

ويبين أنه من الصعب جداً تقدير حجم حوالات السوريين من الخارج رغم أن “التقديرات شبه الرسمية كانت دوماً تشير إلى أن المتوسط اليومي للحوالات ما بين 5-7 ملايين دولار، لكن اتساع عدد وتوزع السوريين في الخارج وإرسال كثير من الحوالات خارج القنوات الرسمية يجعل من الصعب وضع تقديرات حول إجمالي الحوالات”.

ومن المرجح، وفقا لدهام، أن يكون ثلث السوريين يعتمدون في معيشتهم على الحوالات الخارجية بشكل رئيسي، وعادة ما ترتفع (قيم الحوالات) مع الأعياد والمناسبات الأخرى مثل بداية العام الدراسي ومواسم المؤونة وغيرها.

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام
Exit mobile version