الرئيسية » أول رسالة دكتوراه منذ 6 سنوات : لا أحد يكترث للنزيف “القاتل” في الهيئات التدريسية للجامعات السورية!
تحقيقات

أول رسالة دكتوراه منذ 6 سنوات : لا أحد يكترث للنزيف “القاتل” في الهيئات التدريسية للجامعات السورية!

هاشتاغ سوريا – عتاب حسن

ليست الحرب فقط، هي من دفعت بالكفاءات العلمية إلى مغادرة البلاد، بل هو ذاك الإحساس بالعجز والهروب من واقع مغلق الآفاق، لا جدوى منه، إنها الحرب التي تسللت إلى مفاصل المجتمع بأكمله، وأظهرت تبايناً في الموقف، بين من خرج غير آسف، وباقين فضلوا الصمود آملين بتغير الحال، فبات معظمهم في عداد النادمين على خيارهم في البقاء، بعد أن عصفت بهم القوانين البيروقراطية، والإجراءات التنفيذية، وأطرت عقولهم، لتتجدد رغبتهم بالهجرة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ميزانية البحث والحصار..

صنفت منظمة ” اليونسكو” في تقرير سابق سورية بالبلد الراكد والمهمش علمياً، علماً أنها رافدة للكفاءات العلمية بشكل كبير، كما توضح بعض التقارير أن ميزانية البحث العلمي في البلاد، لا ترقى إلى صياغة أبحاث علمية متطورة تواكب الحداثة وما توصلت إليه العلوم، وبعض الأبحاث المنجزة والمتميزة، اعتمدت على الجهد الشخصي لا على ما رُصد لها من ميزانية فقط.

وتعاني الجامعات السورية، لاسيما الكليات الطبية منها، ندرة في رسائل الدكتوراه، على الرغم من تأكيد مختصين في وزارة التعليم العالي، وجود ميزانية سنوية للبحث العلمي ضمن مخطط الوزارة، تُوزع وفق الاحتياج المحدد لكل كلية على حدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حصل الدكتور عبد الله السمان على دكتوراه في أمراض القلب من جامعة حلب منذ أيام عدة، واللافت أنها الرسالة الأولى في هذا الاختصاص منذ ست سنوات، كما نُشر البحث في مجلتين عالميتين بريطانية وفرنسية نظراً لأهميته العلمية.
وفي تصريح خاص لـ”هاشتاغ سوريا” قال السمان: “رافقت ظروف البحث الذي أجريته معوقات كثيرة منها، صعوبة التواصل مع المرضى بفعل الظروف التي تعيشها البلاد، وبالتالي كانت عملية البحث التطبيقي على أرض الواقع متعبة، بدءاً من تحاليل المرضى غير الموثوقة بين مخبر وآخر، وصولاً إلى صعوبة تأمين الأجهزة، التي في حال تعطل جزء منها، فهي مكلفة للغاية جراء العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية”.
في السياق ذاته، تحدث الدكتور “نبوغ العوا” عميد كلية الطب البشري بدمشق سابقاً لـ”هاشتاغ سوريا” عن الأبحاث العلمية في الجامعة قائلاً:” كانت جامعة دمشق سباقة في البحث العلمي، غير أن الحرب أثرت في هذا المنحى، ولم يعد هناك إمكانية للتواصل العلمي مع البلدان الأخرى، أو نشر الأبحاث العلمية، أضف إلى ذلك وجود صعوبات تتعلق بنوع البحث العلمي، وما يتطلبه، وأحياناً عدم توفر بعض الأجهزة جراء الحصار، ما يعيق البحث ويؤخره”.

ويشير العوا إلى أنه قبل ترك منصبه كعميد لكلية الطب البشري، كان هناك رسالتي دكتوراه بانتظار المناقشة وأخذ الموافقة، “وهما موضوعيتان وهامتان على الصعيد العلمي” كما يقول.

بدوره، مدير البحث العلمي في وزارة التعليم العالي، الدكتور “شادي العظمة” أكد في اتصال مع “هاشتاغ سوريا” وجود ميزانية للبحث العلمي في الوزارة، معتبراً أن “موضوع متابعة رسائل الماجستير والدكتوراه هو من اختصاص الجامعة كونها تحصل على التمويل اللازم لذلك، ولدينا في الوزارة صندوق لدعم البحث العلمي ونعلن دائماً لأصحاب رسائل الماجستير والدكتوراه ليستفيدوا منه، ونحن الآن بصدد تحديد مجموعة من الرسائل لتمويلها” .

موفدون لم يعودوا

نظراً لأهمية الرسالة العلمية التي قدمها الدكتور “عبد الله السمان” طلبت اللجنة من عميد كلية الطب البشري بحلب الدكتورة “سيلوا اشخانيان” تقديم طلب إلى الوزارة ليكون “السمان” ضمن أعضاء الهيئة التدريسية في الكلية، ذلك أن الكادر التدريسي قليل جداً ولا يغطي الأعداد الهائلة من الطلاب.

ولاستيضاح النتيجة، تواصل “هاشتاغ سوريا” مع الدكتورة “اشخانيان” التي أكدت وجود نقص شديد في أعداد الكادر التدريسي مقارنة بعدد الطلاب، مضيفةً ” ثمّة نقص كبير في أعضاء الهيئة التدريسية، وهناك أكثر من 50% من الموفدين الذين خرجوا من البلاد، ولم يعد أحد منهم، وبالتالي نحن بحاجة إلى ترميم 50% أولاً ومن ثم زيادة هذه النسبة بتعيين أعضاء هيئة تدريسية، لاستيعاب أعداد الطلاب التي تقدر حالياً في كلية الطب البشري بحلب بين 400-500 طالب”.

وتلفت عميد كلية الطب البشري في جامعة حلب إلى تأثير جائحة كورونا التي غيّبت العديد من الأطباء، من أعضاء الهيئة التدريسية في كلية الطب البشري، غير أن الهجرة كانت العامل الأبرز في النقص الحاد بأعداد الكوادر التدريسية” .

يقدّر الدكتور “عبد الله السمان” نسبة أعضاء الكادر التدريسي المغادرين بين عامي 2011-2013 بنحو 60%، فيما بقي منهم ما بين عامي 2013 و2019 نحو 30% أو أقل فقط، “الأمر الذي أثر على النشاط العلمي ضمن الجامعة، لاسيما مع غياب التواصل علمياً مع الخارج، وقلة التدريب، وتوقف الندوات العلمية بسبب الحرب، وفعلياً يقع على عاتق الكادر التدريسي عبء كبير فمعظمهم يعمل فوق طاقته” بحسب السمان.

الكادر التدريسي هرِم

يتفق الدكتور “نبوغ العوا” مع المقولة الرائجة عن أن الكادر التدريسي في الجامعات السورية قد أصابه الهرم حيث يعترف بأن ” الكادر التدريسي هرم للأسف، بسبب هجرة الأطباء الشباب إلى الخارج مرغمين، فبعضهم دمرت منشآتهم ومنازلهم وباتوا غير قادرين على الاستمرار ضمن هذه الظروف، واالقسم الآخر منهم تعرض إلى التهديد المباشر من قبل عصابات مسلحة، أضف إليها الظروف الاقتصادية الخانقة التي دفعت بجيل الشباب من الكادر التدريسي إلى الهجرة، وتوفي العشرات جراء إصابتهم بفيروس كورونا، أو أحداث أخرى” .

وعن نسبة الكادر التدريسي الذي هاجر أو توفي بسبب الوباء يوضح “العوا” قائلاً:” يوجد نسبة كبيرة لا يمكن الاستهانة بها وهي أكثر من 35 % من الأساتذة الذين غادروا البلاد ونسبة 20 % تقريباً ممن توفوا بسبب كورونا، وبالتالي الأداء العلمي ضمن الجامعات تأثر كثيراً، ومعظم القائمين على العملية التعليمية هم من كبار السن، أو الممدد لهم بقرار من الوزير، ويقومون بجهود جبارة لتعويض الفاقد، إلا أننا بحاجة إلى جيل الشباب”.

القانون يمنع الاستثناءات:

ما توضح من التصريحات السابقة أنَّ الجامعات السورية تعاني فعلياً من فاقد تعليمي كبير لا يمكن الاستهانة به إطلاقاً، والمؤشرات تدل على أنَّ الأداء العلمي هو المتأثر أولاً وأخيراً بكل ذلك، وحسب القانون الصادر في عام 2006 رقم /6/ الذي ينظم عمل الجامعات في سورية، وتحديداً المادة /68/ منه، فإن التعيين في وظائف الهيئة التدريسية يتم بناءً على إعلان يصدره الوزير، لذا فإن استثناءات التعيين ضمن الهيئة التدريسية غير موجودة أو لم نسمع بها.

عميد كلية الطب البشري الدكتورة “سيلوا اشخانيان” قالت إن “الحاصلين على شهادة الدكتوراه ينتظرون عادةً المسابقة التي تعلنها وزارة التعليم العالي، وهو إجراء طويل الأمد بعض الشيء، لأن المسابقات تخضع للروتين من حيث المدة التي يتقدم بها المرشحون، وتحديد موعد المقابلة أو الامتحان، ومن ثم معاملة تحصيل الأوراق بعد قبولهم، الأمر الذي قد يستغرق أشهراً عدة”.

مدير البحث العلمي في وزارة التعليم العالي الدكتور “شادي العظمة” أوضح لـ”هاشتاغ سوريا” أنه لا يمكن الحديث عن الفاقد التعليمي ضمن الجامعات دون الرجوع إلى الأرقام والإحصائيات، وهذا يتضح من خلال المسابقة التي تعلنها الوزارة، حيث يرسل كل قسم حاجته، وحسب النقص يتم الترميم، أما عن إحصائيات الفاقد التدريسي أكد العظمة أنه “لا يعلم إن كانت هناك أرقام موثقة لدى الوزارة بخصوص ذلك”، مشيراً إلى أن الوزارة أعلنت مؤخراً عن مسابقة لأعضاء الهيئة التدريسية، في الوقت الذي تساءلت فيه الدكتورة “اشخانيان” باستغراب أين ومتى أعلنت هذه المسابقة؟
من جهة أخرى، يعتقد العظمة أن “الحديث عن استثناءات في التعيين أمر قانوني بحت، فقانون تنظيم الجامعات لا يعين أعضاء الهيئة التدريسية إلا بموجب مسابقة، ذلك أن التعيين يخضع لاعتبارات كثيرة، ومما لا شك فيه أن الحاصلين على شهادة الدكتوراه هم فخر لنا، ولكن قد يكون هناك خيارات أخرى، مثل انتظار الإعلان عن مسابقة، لتكون الأمور قانونية، والاستثناءات بالتالي خاضعة لسلطة أعلى هي من تقرر وجوب ذلك من عدمه”.

دراسة:

يذكر الدكتور “كريم أبوحلاوة” في دراسة بعنوان سلسلة قضايا التنمية البشرية في سورية، صدرت في العام /2018/ أنه لا يمكن الحصول بشكل دقيق على أرقام وبيانات موثقة بعد بدء الحرب في سورية، عن أعداد المهاجرين من ذوي الكفاءات العلمية؛ لاسيما الأطباء منهم، غير أنه استند إلى معلومات متوفرة لدى وزارة التعليم العالي تشير إلى أن نسبة المعتبرين بحكم المفصولين أو المستقيلين من الخدمة من أعضاء الهيئة التدريسية لا يتجاوز 16,3% مع ملاحظة اختلاف هذه النسبة من جامعة إلى أخرى، وبين كلية وأخرى في ذات الجامعة.

أياً تكن الأرقام لأعداد الكوادر التدريسية التي غادرت سوريا ، فإن الثابت هو أنه في ظل الصراع الذي يعيشه كثيرون، وبين مبدأ البقاء أو اللا بقاء، يواصل المغادرون من ذوي الكفاءات العلمية نشاطهم خارج البلاد، ويحقق بعضهم إنجازات علمية تعتبر كنزاً للدول المقيمين بها، فيما تعاني الجامعات السورية من الندرة، وهو ما يدفع ثمنه الطلاب والبلاد التي تفقد اليوم من يداوي جروحها النازفة منذ قرابة عقد!.

About the author

admin

Add Comment

Click here to post a comment

تصنيفات