الرئيسية » عقدة “الناجي”.. و “الخراب الكبير”
خطوط حمر

عقدة “الناجي”.. و “الخراب الكبير”

منذ وصولي إلى الصين، داومت جارتي المسنّة على دعوتي في الخامس عشر من شهر آب. كل عام إلى الاحتفال بمهرجان منتصف الخريف، وتناول “كعكة” العيد الشهيرة في منزلها.

هاشتاغ-رأي-لجين سليمان

وبينما كنا نمارس طقوس الاحتفال بتأمّل القمر وتناول الكعكة مع الشاي الصيني، أخبرتني بأنها سمعت تقريرا إخباريا عن سوريا يوم أمس، ما جعلها في غاية الأسف والحزن.

وبحسب ما جاء في  التقرير فإن الوضع  الاقتصادي في سوريا سيء جدا. بلعتُ ريقي عدة مرات لأخفي ارتباكي وقلت لها “لماذا تزعجين نفسك وتسمعين أخبارا عن سوريا، أنا أستطيع أن أخبرك بكل شيء”.

أجابتني: “استمتعت صدفة، فعندما سمعت اسم “سوريا” قررت أن أركّز على ما يقوله التقرير، لأنه يعينيك، ولأعرف وضع بلدكم، وقد شعرت أنك تخفين سوء الوضع كي لا أقلق عليك عندما تعودين”.

قلت في نفسي: الحمدلله أنها اعتقدت بأني أراعي مشاعرها ولا أجمّل الوضع وأكذب عليها طمعا في مزيد من الكبرياء الوطني.

سألتها “ماذا جاء في التقرير؟”

فقالت: “60% من الناس تحت خط الفقر، والوضع الاقتصادي سيء للغاية، وإن وضع أفغانستان أفضل بكثير من وضع بلدكم، كونها بلد زراعي وقادر على النهوض بشكل سريع، فهم يأكلون مما يزرعون، أما أنتم فلأنكم أكثر تطورا قد يكون شفاؤكم أصعب”.

 

واستطردت قائلةً : “ورد في التقرير أيضا أن الحكومة الصينية تساعدكم على مختلف الأصعدة، ومع هذا أعتقد أن عليكم أن تعتمدوا على أنفسكم أكثر مما تعتمدون على الحلفاء، وقد ذُكر هذا الأمر في التقرير أيضا، إذ قالو أنه على الحكومة أن تنهض بنفسها”.

واستشهدت بقولٍ للزعيم الصيني الشهير “ماوتسي تونغ” إنه (مهما ساعدك الآخرون فلهم غاية في ذلك، وبالتالي اعتمد على نفسك).

أجبتها بحسرة “نعم جميعنا يعلم هذا الأمر.. سننهض يوما ما”.

لتؤكد على كلامي، قالت لي جارتي: “في عام 1988 ذهبتُ إلى إنكلترا، ودخلت يومها إلى أحد المولات التجارية الضخمة، ذُهلت مما رأيت، فحتى تلك اللحظة لم أكن قد رأيت حتى سوبر ماركت واحدة في حياتي عندما كنت في الصين، وها نحن اليوم كما ترين، لذلك لا تيأسي ، سوريا ستصبح كالصين يوما”.

تابعت قائلةً “لا تفكري في العودة أبدا إلى سوريا اليوم، إنه وضع كارثي حسبما سمعت، ولذلك فكري في البقاء في الصين، حتى تتمكني من  مساعدة الناس في سوريا أكثر”.

أجبتها بوجهٍ كالح أني سأفكر بالأمر.

وجلستُ أفكر بيني وبين نفسي في “عقدة الناجي” عندما تثقل عليّ  الحياة برفاهية أني نجوت من الظلام وارتفاع الأسعار والخوف من القرارات السيئة التي لا تصيب إلا فقراء السوريين، فهل سأستطيع البقاء خارج هذا المحيط الذي طالما انتميت إليه بكل عواطفي، لأبقى ذلك الناجي المقيم في الخارج، والذي يشاهد كيف تُدمّر البلاد على رؤوس ساكنيها، على أمل أن يستطيع أن يساعد يوما”.

عادت جارتي تسألني: “بماذا تفكرين”؟

فأجبتُها: “لا شيء، ربما التقرير الذي سمعتِه مبالغ به إلى حد ما، لا تقلقي ستصبح الأمور أفضل”.

عادت وقالت: “لا تكابري، فأنا أعلم أن الوضع سيء، إذ إنهم قالوا في التقرير، في ظل الحرب الحقيقية وعندما كانت القذائف تهطل على المدن الكبرى من كل حدبٍ وصوب، لم يكن وضعكم في مثل هذا السوء”.

لعنت هذا التقرير في داخلي وأخبرتها عن حجم التضليل الإعلامي الذي تتعرّض له سوريا منذ بداية الحرب، تقمّصت دور قناة الدنيا في فقرة “التضليل الإعلامي”.

ولكنّ كل ذلك لم يجدِ نفعاً، فجارتي كانت مؤمنة بالتقرير لا سيما أنه قد بُثّ من تلفزيون صيني، حيث لا مجال للتشكيك، و”حبل الكذب قصير”.

استمريت بتجميل الصورة قدر الإمكان وأخبرتها ضاحكةً أنه لا داعٍ لمشاهدة المزيد من الأخبار، فهي مضرّة بالصحة، ونحن في سوريا لا نستمع إلى نشرات الأخبار، فقالت لي “لا داعي أن تشاهدونها، أنتم تعيشونها عملياً على أرض الواقع”.

أجبتها بسخرية “وهل هذا ما سمعته في التقرير أيضا؟”.. قالت “لا هذا ما استنتجته بنفسي”.

فعلا حتى ذلك “الكبرياء” في هذا الوطن البعيد بات رفاهيةً عليّ أنا التي نجوت “جغرافياً” ولم أنجُ “نفسياً” ..

يا الله ارحمنا وارحم تلك البلاد، واترك بعضنا من الناجين يكابرون بوجع، علّنا ننجو فقط بما نملك من أمل.

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك