الرئيسية » عن هذه البلاد.. نهرب منها ونحملها في قلوبنا!
خطوط حمر

عن هذه البلاد.. نهرب منها ونحملها في قلوبنا!

انتهت عطلة العيد الوطني في الصين، وعاد كل طالب من مدينته أو قريته إلى مدينة “تشونشنغ” مكان الإقامة الدراسية، مصطحبا معه أكلة شهيرة من منطقته، فالصين دولة مترامية الأطراف، ويحبّ فيها كل شخص أن يتفاخر بما لدى مدينته الأم من تراث.

دُعيتُ وصديق سوري يحمل الجنسية الأمريكية إلى مأدبة عشاء ضمت أصناف المأكولات، نُظمت احتفالاً بالمناسبة. هذا الصديق الذي يقدم نفسه دائماً بإسمه الأمريكي، لأنه لا يريد أن يرتبط بسورية ما بعد الحرب، وينظر الى الأمور من وجهة نظر عملية كما قال، ولإثارة حنقه كنت أتعمّد دائماً عند انتهائه من لفظ حروف اسمه بالإنكيزية، بكشف سره “إنه سوري واسمه (وضاح) لا تصدقوه”.

اجتمعنا كلّنا على مائدة عشاء واحدة، جمعت مالذّ وطاب من أصناف تقليدية مختلفة : الدجاج المطهو على طريقة “جيانسو”، البط الشهير من بكين، وبهارات القدر الساخن في تشونشينغ، و دجاج جوز الهند”. وبدأ كل فرد يمدح طعام مدينته، ويتباهى بما يأكلونه من نكهات مميزة.

بعد مرور نصف ساعة قدّم فيها كل فرد وجبته بمزاياها ومافيها من نكهات، لم أستطع إلا أن أشارك في حفلة التباهي بأطباقنا الشهيرة في سورية، فقلت:” ليتكم تعرفون كيف نتبادل في سورية أطباق الطعام في الأعياد؛ الكلجية من دير الزور، والكبة من حلب، والزيتون من إدلب، والثرود من الرقة، والهريسة من طرطوس، والمجدرة من اللاذقية” وعلى الرغم من عدم إلمامي بالطبخ، حاولت أن أشرح لهم قدر المستطاع وضمن معرفتي طريقة طهو كل وجبة، والتي في الغالب لم تكن الطريقة الصحيحة، ولكن لا بأس، فالمهم هو النتيجة .

كما أنني مازحتُ “وضاح” بالقول : “أتذكر عندما كان وضاح يأتي من إدلب وفي يديه الزيتون الإدلبي الشهير، فنأكل من زيتونه لعدة أيام”، ثم أنظر بطرف عيني لأرى امتعاضه من كذبتي البيضاء!

استوقف حديثي هذ زملاءنا الصينيين الذين أعربوا عن حبّهم للتعرف على الحضارة العربية مبدين رغبتهم في مشاهدة أحد الأفلام السورية، وذلك لمعرفة المزيد عن سورية، فنظرت ثانيةً إلى صديقي السوري وسألته “ما رأيك أن نعرض عليهم فيلم دمشق مع حبي، لنعرّفهم بالتعايش بين جميع المكونات في سورية؟” .

لم يمانع وضّاح الفكرة بل سُرّ بها، بدا وكأنّه نسي موقفه المسبق وإخفائه لهويته السورية، وأصرّ على دعوتهم لحضور هذا الفيلم، مندمجاً في الأجواء، ناسياً أنه كان قد عرّف عن نفسه على أنه أمريكي، لم أرد أن أذكّره بتنكّره لأي شيء، فسايرته بالحماس ذاته.

انتهت الجلسة وحان وقت المغادرة، ففي الصين يأخذ كل حدثٍ وقته، فلا إضاعة للوقت، غادرنا ولكني لم أستطع إلا أن أختمها بالمسك، فذكّرتُ صديقي “وضاح” بأنه عرّف عن نفسه على أنه أمريكي، ولكن عندما جدّ الجد استعاد هويته السورية، فقلت ضاحكة “لم تستطع أبداً أن تتخلّى عن أصلك”. خجل من تذبذبه، وحاول تبرير الأمر مراراً، ولكن أومأت له بأنه لا تراجع، فالأمور باتت واضحة، حاول تفنيد عدد من الأسباب ولكني وطمعاً في مزيد من الاستفزاز وكي أترك بصمتي الأخيرة من الغضب على وجهه، قلت له “لا مجال، لا تعاود الهروب مجدداً، هذه البلاد هي قدر، فكما يوجد الله في قلب كل ملحد، في قلب كل منا يوجد هذا الوطن، فلا فائدة من الهروب”.

هذه الحال هي حال معظمنا، نهرب كي لانواجه ذلك المسمّى وطناً، فلا نلبث أن نلتقي به مجدداً في أرواحنا، ولكن هذي هي الأوطان، تنبض في قلوب محبيها، فيحملونها معهم أينما رحلوا.

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك