الرئيسية » مساحة الاشتباك في سورية
خطوط حمر

مساحة الاشتباك في سورية

هاشتاغ – رأي – مازن بلال

يبقى الاشتباك السياسي جوهريا في أي اعتداء إسرائيلي على سورية، فمهما كانت نوعية الأهداف العسكرية التي تطالها الاعتداءات فإنها تقدم صورة للمواجهة القائمة، وإذا كانت التحليلات تربط الاعتداء الأخير بتفاهم “روسي – إسرائيلي”، فإن المسألة الأساسية تبدو في بعد إقليمي لا يحتاج لتفاهمات أو اتفاقات، فهناك مساحة سياسية باهتة لم تستطع الأطراف الدولية والإقليمية على خلق تفاهمات حولها، وتبدو الحروب السياسية والاقتصادية في لبنان وسورية والعراق التعبير الأكثر وضوحاً لفوضى النظام الإقليمي.

عملياً فإن العناوين الرئيسة لكل ما يحدث في شرقي المتوسط تصب نحو إيران، وبشكل يؤشر إلى أن سياسية طهران مسؤولة بشكل مباشر عن كل عمليات التصعيد بما فيها العسكري، لكن الأمر أكثر تعقيدا من استراتيجيات إيران، أو حتى رسم حدود القوة لها وتحييدها إقليميا، فأي تفاهمات بشأن إيران يتطلب تحديد نظام إقليمي كامل يتضمن رسم علاقات تطال تركيا و “إسرائيل” والسعودية، ويتطلب أيضا خلق توازن إقليمي يضمن إغلاق أي مساحة سياسية يمكن أن تتيح لإيران النفاذ منها، وهذا يعني بالضرورة فض الاشتباك بين “إسرائيل” ومعظم الدول العربية، سواء عبر تفاهمات ثنائية ومن خلال إنهاء المواجهة بين الفلسطينيين و “إسرائيل”.

تحييد إيران عن المشهد الإقليمي لن يكون أمرا اعتياديا لأنه يعني ترتيبا أبعد بكثير من معارك اليمن، أو حتى الاتهامات بتدخلها بسورية وبلبنان عبر حزب الله، فالخلل في التوازن الذي ظهر منذ الثورة الإسلامية لا يمكن طيه فقط بإجراءات مرتبطة بسياسات طهران فقط، فهناك واقع موضوعي ظهر خلال العقود الأربع الماضية، ويلاحظ هنا وجود أمرين ضمن هذا الواقع:

– الأول تحول سياسات الكتلتين الأكبر (إيران وتركيا) نحو تعميق دوريهما الإقليمي على الأخص منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، فهذا الاحتلال غير نوعية الأمن الإقليمي بالنسبة للدولتين، وبشكل دفعهما نحو سياق للأمن يتجاوز ما كان سائدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

– الثاني تحول مفهوم الأمن الإقليمي بالنسبة لكافة الدول في شرقي المتوسط، وعلى الأخص بعد حرب 2006 في لبنان التي أدت لتبدل الردع الاستراتيجي، فالمواجهة العسكرية المباشرة انتقلت إلى اشتباك حول العلاقات الإقليمية.

في آخر اعتداء إسرائيلي على سورية لا تظهر مسألة القوة في العملية العسكرية بذاتها، إنما في اندراجها ضمن الاشتباك الإقليمي ككل، وهو مساحة تستهدف العلاقات بين الدول ووضعها في مساحة الصراع، فما كان يسمى “محور المقاومة” هو شبكة علاقات في النهاية وليس محورا سياسيا بالمعنى الكلاسيكي، فهو لم يقدم نموذجا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا منسجم داخليا، فقوامه دولتين (سورية وإيران) مختلفتان في الكثير من المفاهيم؛ الأمر الذي جعله يستند إلى تعزيز الأمن الإقليمي في مواجهة “إسرائيل” عبر المقاومة كمفهوم يتجاوز سياسات الدولتين.

تلجأ “إسرائيل” إلى لجم احتمالات التطورات الداخلية في علاقات الدول في شرق المتوسط، واعتداءاتها المتكررة تصور أزمة غير مسبوقة يضطرب فيها مفهوم الأمن الإقليمي مع انهيار السيادة الصلبة للدول، فـ”إسرائيل” تقوم في النهاية باعتداءات لا تندرج ضمن الاستنزاف، إنما لتصعيد التناقض في العلاقات الإقليمية، وهو أمر يؤدي في النهاية إلى كسر احتمالات ظهور نظام إقليمي بأدوار واضحة يمكن أن تؤدي لاستقرار طويل الأمد.

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك