الرئيسية » “الفوتو سيشن” وهوس التصوير يغزو مجتمعنا: رغبة بتصدير صورة غير حقيقية عن حياتنا
أخبار تحقيقات

“الفوتو سيشن” وهوس التصوير يغزو مجتمعنا: رغبة بتصدير صورة غير حقيقية عن حياتنا

التصوير
هاشتاغ_زينا صقر
لم يكتفِ أفراد مجتمعنا بتوثيق أدق لحظات حياتهم من خلال التقاط صور ال”سيلفي” و نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، و إنما انتشرت ظاهرة “الفوتوسيشن” أو جلسات التصوير في السنتين الماضيتين بشكل كبير في المجتمع السوري، فلا تلبث أن تفتح أي متصفح إلا و تشاهد جلسة تصوير لأناسٍ عاديين جدا؛ ليسوا ممثلين و لا مطربين و حتى لا يمتون لمهنة عرض الأزياء “المودلينغ” بصلة؛ المهنة التي تتطلب أكثر عدد من جلسات التصوير في الوسط الفني ككل.
في الواقع؛ تتفاجأ بأنهم أصدقاء عاديين على صفحتك في “فيسبوك”، خضعوا لجلسة تصوير دون أية مناسبة، أو بمناسبة و لكن بالعرف العام كانت سابقاً لا تستدعي جلسة تصوير عن طريق مصور محترف.
الباحثة الاجتماعية بشرى عوض ترى أن الصورة هي ذاكرة جميلة لدى الأشخاص، ولكن المشكلة أن تتحول الى هوس حقيقي؛ والذي أصبح يرافق الأغلبية لتوثيق المناسبات واللحظات التي يعيشها الشخص، هذا الأمر عززته شبكات التواصل الاجتماعي وجعلت من المناسبات وسيلة للاستعراض من خلال الصور التي يقوم بنشرها هؤلاء من الأماكن التي يزورونها”.
و تضيف عوض في حديثها ل “هاشتاغ” أنه بات هناك رغبة عارمة لتصدير صورة غير حقيقية في معظم الأحيان باستخدام الصور “مفلترة” لخلق “بريستيج” اجتماعي معين “وهو زائف بالعموم” وذلك من خلال نقل الحياة إلى الآخر ومشاركته تفصيل حياتنا اليومية ومناسبتنا الاجتماعية.
و تعتبر عوض أن البعض أصبح يقوم باستخدام المناسبات والصور ل”إغاظة” الآخرين الموجودين على “السوشل ميديا”، فقد سمعنا عن الكثيرين الذين يقومون باللجوء إلى “الدَين” من الآخرين ومنهم من يلجأ إلى القروض لحضور مناسباتهم بطريقة فيها الكثير من “الأوفرة” كما يقال بالعامية، ولاتتماشى مع وضعهم الاقتصادي، فقط لإرضاء بريستيجهم الاجتماعي. مضيفة، أن تلك المبالغ كان من الممكن استخدامها بطريقة أكثر فائدة؛ وخاصة أنها مبالغ كبيرة، في أشياء مفيدة و نافعة لحياتهم الشخصية.
الجانب النفسي و دوره في التوثيق..
عوض تشير الى أن الجانب النفسي لدى البعض يساهم كثيرا في تلك العملية، فهذه الصور تساعدهم على رسم صور غير حقيقية في الواقع وتعزز ثقتهم بنفسهم من خلال التعليقات الإيجابية على صورهم، هذا بالإضافة إلى العديد من برامج الفوتوشوب التي تمكنهم من تغيير أشكالهم وجعلهم يبدون أجمل.
وتشرح عوض: “بمعنى أننا نحمل الصورة وزر حياة كاملة قد تكون في أغلب الأحيان غير حقيقية وفيها الكثير من النواقص لكنها مرضية للبريستيج الاجتماعي وان كانت زائفة، وهذا الأمر كما سبق وأشرنا عززته بشكل كبير “السوشل ميديا” التي غزت حياتنا على كافة الأصعدة وخلقت مجتمع افتراضي وعلاقات افتراضية أيضا.
ومن وجهة نظر الباحثة الاجتماعية، “على الأشخاص أن يبتعدوا عن منحدرات السوشل ميديا، وأن نكون مستخدمين إيجابيين وانتقائيين، ويجب تخصيص وقت للأسرة والأصدقاء في العالم الواقعي، ويجب الاهتمام بالطفل أكثر من الاهتمام بصوره وان نتشارك الحياة لا نتشارك الصورة.”
جلسات التصوير مستحدثة في مجتمعاتنا فقط..
بدوره، يقول المصور الفوتوغرافي عمر العبد “إن ظاهرة التصوير هي شيء مستحدث في مجتمعنا، مقارنةً مع الغرب، فهناك نراهم لأي سبب يلتقطون الصور؛ حتى أن أغلبهم يمتلكون كاميرات احترافية، حتى أن كل شركة تمتلك مصورها الخاص بها”. معتبرا أن جلسات التصوير تعكس الجانب الإيجابي من حياة الأشخاص” .
ويشير العبد الى أن انتشار هذه الظاهرة حاليا في مجتمعنا بطريقة خاطئة لا يقع اللوم فيه على جلسات التصوير، و إنما على مدى تعامل الأشخاص معها بالطريقة المثلى، و ذلك يعود الى الجهل بأهمية حرفية التصوير و المصور و حب التقليد بأبخس الأثمان.
وعن صعوبات المهنة، يقول العبد:”على الرغم من انتشار الظاهرة، إلا أن القيود الاجتماعية ما زالت تلعب دورا سلبيا بنتيجة التصوير؛ فأنا أواجه الكثير من الصعوبات مع غالبية الأشخاص الذين لديهم تحفظات على أماكن التصوير، أو ربما وضعيات التصوير، فما زال لديهم تخوف من ردة الفعل العامة”.
“ما جايبة همها”..
ويصف العبد مهنة التصوير بالمهنة الصعبة، والتي لا يتناسب دخلها مع كمية الصعوبات المتمثلة بعدم رضا بعض الزبائن على النتيجة، و خاصة الفتيات اللواتي يأتين و في مخيلتهن صورة لفتاة ما و لكن القيود التي تحيط بالمصور تمنعه من تنفيذ ما يردن بحرفية.
ويرجع العبد تدهور المهنة إلى كثرة الدخلاء عليها، والذين أثروا بشكل كبيرعلى هبوط مستوى التصوير في سورية، فلا نجد الا أسماء قليلة ترد إلى الأذهان و تتمتع بشهرة في الوسط. مبينا أن اعتماد هؤلاء الأشخاص على الدخل الكثير و السعر الرخيص أدى الى لجوء زبائن كثر إليهم على حساب المصورين المحترفين.
والأهم من وجهة نظر العبد، أن مدخول المهنة أقل بكثير من متطلباتها، لأن أدوات المهنة أصبح الحصول عليها يتطلب مبالغ هائلة، وبالتالي على المصور أن يكون متعاقد مع شركات إعلانية كبيرة لتغطية حملاتهم، أما جلسات التصوير فهي شيئ ثانوي؛ لذلك و بما أننا لا نملك ثقافة “الإعلان” فنحن نعتبر شبه عاطلين عن العمل في سورية.
الرجال هم الفئة المتطلبة
يلفت العبد الى أن كل جلسة تختلف بحسب الزبون، فهناك أشخاص يتمتعون بثقة بالنفس، هؤلاء يريحون المصور، و يلبون متطلبات العمل بسرعة و عدم إعادة، و هذا شيئ مهم جدا في مهنتنا ” أكثر جلسات تصوير أحس فيها بالتعب هي مع الرجال الذين لا يتمتعون عادة بليونة معينة تطلبها جلسة التصوير عكس الفتيات، إضافة الى الأشخاص المتطلبين من الطرفين؛ هؤلاء لا يقتنعوا بانعكاسهم مهما بلغت جمالية الصور و بالتالي عليّ أن أعيد و أعيد حتى يشعر الزبون بالرضى التام عن النتيجة”.
وعن أغرب جلسات التصوير التي طلبت منه، يقول العبد:” جاءني زبون يريد تصوير الأحذية، وعندما أذهب أصدم بشيئ آخر؛ كممارسة بعض أنواع (الشذوذ) و التصرفات الغريبة و التي لم نعتد عليها و لا نتقبلها في مجتمعنا”. مضيفا أنه لا نص قانوني نلجأ إليه للتشكي على هؤلاء.
تحقق مافي مخيلتنا:
تصف خريجة علم الاجتماع هبة العاتكي التصوير بالفن الراقي و الجميل، والذي يعبر عن حالة الإنسان “اختيار الشخص أن يلتقط صورة ما، هو اختيار لشيئ يشبهه و يحبه و يعبر عن شخصيته، و بالتالي يعبر عن طريقة تفكيره و أسلوب حياته، والصورة تنقل حالة الإنسان بشكل عام؛ لذلك نجد كل شخص يرغب بالتقاط صورة بالنسبة له مثالية، قد لا تعجب الآخرين، و لكنها تحقق له حالة من الرضا عن الذات”.
وعن هدفها من إجرائها جلسة تصوير قالت عاتكي: “أحببت التصوير والتقاط الصور منذ أن كنت صغيرة، ولم يشعرني بالملل انتظار تحميض الفيلم، إنما كنت أتلقف الصور بلهفة لأرى النتيجة، و الأهم هو توثيقي للذكريات مع من أحب، وبلباس معين كلباس العيد مثلا”.
و تتابع: “الآن و بعد تطور الكاميرات وأدوات التصوير، أصبح بإمكاننا تحقيق الأشياء التي كنا نحلم بها، و بالتالي هي انعكاس لحياة أنت ترغب بعيشها، جلسة التصوير حققت هذا الموضوع للبعض و لي أيضا؛ فهي انعكاس لمخيلاتنا و كيف نحلم أن نرى أنفسنا، بابتسامة دائمة، وأحيانا بوضعية معينة تعكس جانب من شخصيتنا لا نظهره في حياتنا اليومية”.
وتؤكد عاتكي، أنه وضمن مجال عملها كمرشدة إجتماعية ” أحيانا نلجأ للصور في العلاج النفسي؛ فعندما يرى الشخص صورة له و هو سعيد و ما تعكسه هذه السعادة على وجهه، ممكن أن يحسن من نفسيته؛ أو ربما عندما يرى صورة له أثناء حالة عصبية أصابته، ربما يخلق لديه ردة فعل بعدم الانفعال ثانية”.
وتبين، أن انعكاس صورنا و نحن بأبهى حلة؛ إن كان ابتسامة أو لباس، أو مناسبة معينة، سوف ينعكس بالإيجاب على حياتنا و يساعد بالتغلب على الأوضاع النفسية السيئة التي نمر بها.
توثيق لحظاتي السعيدة..
تعتبر غادة ناصر، أنه من المهم جدا توثيق كل اللحظات السعيدة في حياة الأشخاص “أحببت توثيق اللحظات في خطبتي و عرسي و حتى عندما حملت بابنتي تالا، لجأت لعمل جلسة تصوير توثق لها كم كنا سعداء بانتظارها أنا و زوجي”.
وترى ناصر أن استرجاع الذكريات ربما تجعلنا بحال أفضل عندما تدركنا الشيخوخة، و تشعرنا أن السعادة كانت في حياتنا و من المفروض أن تبقى معنا في أي عمر” .
وتتابع: ” أتخيل أولادي عندما يشاهدون صور مراحل حياتنا أنا ووالدهم، أعتقد أنهم سوف يشكروني لتوثيقي ولادتهم و مراحل نموهم؛ وحاليا أنا أجهز ألبوم صور لابنتي تالا من الشهر الأول و حتى تكبر و أجزم أنها سوف تكون سعيدة جدا بما خبأته لها من ذكريات”.

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك