الرئيسية » رحلة القدود .. كل المشارب والروافد تقود إلى “درب حلب”
أخبار ثقافة خاص

رحلة القدود .. كل المشارب والروافد تقود إلى “درب حلب”

القدود
هاشتاغ _ إياد شاكر
كثرت الخلافات والأقاويل حول أصلها ومنشأها، منهم من ردها إلى جذر أندلسي، وآخرون قالوا أنها من نتاج الفرس، لكِنّا نعلم جميعاً أنَّ كلمة “قد” ارتبطت بأوثق العرى بمدينة حلب، فأصوات أهلها حاملٌ مطواعٌ لهذا اللون الغنائي المحبب، وهذه الأصوات هي من نشرت القدود في أرجاء المعمورة، حتى إذا ما ذكرت القدود كان لزاماً على الألسن أن تتبعها بـ حلب..
القدود منظومات غنائية أُنشئت على أوزانٍ وألحانٍ دينية أو غير دينية، بمعنى أنها بُنيت على قد، أي على قدر أغنية معروفة، فتستفيد بذلك من انتشارها لتحقق حضورها، ومن هنا جاء اسم القد.
إذن هي فكرة تسويقية بالدرجة الأولى، أكثر من كونها موسيقية أو بنيوية، ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بمنشئها الحقيقي، بل أن الأقرب إلى المنطق اعتبارها نتاجاً تراكمياً مشتركاً للمنطقة العربية، وتحديداً بلاد الشام، مع أن إحدى نتائج البحث عن الأصل تقودنا إلى الأندلس، ثم بلاد الشام، وتحديداً في حمص وحلب، إلى أن نالت حلب الشهرة الأوسع، فارتبط القد بها كما ارتبط الموشح والموال السبعاوي والقصيدة المغناة، نتيجة أصوات الحلبيين الجميلة، وحبهم للطرب.
أما من الناحية الموسيقية فالقد ليس قالباً موسيقياً بحدّ ذاته، لكنه يأخذ شكل القالب الأساسي الذى نشأ منه، فإن كان بالأصل موشحاً بقى كذلك، وإن كان طقطوقةً أو أغنيةً بقى على حاله أيضاً، ومن هنا نرى أنَّ القدود اشتهرت بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها المجهولين على الغالب، فالذين ألفوا القدود هم شعراء، لكنهم يمتلكون ذائقة موسيقية جيدة ومنهم من كان موسيقيا أيضاً.
وقد تتماثل في القد القافيتان وحرف الروي في المجمل، ويقال أن القد والموشح متجانسان ومتشابهان، لكن القد نوع موسيقى وغنائي يختلف عن الموشح، فالموشح أكثر تقصيداً وأمتن تأليفاً وأعلى صنعةً وأشد ترابطاً.
وقد برع عدد كبير من شعراء القدود في دمشق وحلب وبعض المدن والمناطق في سوريا، نذكر منهم:
محمد الدرويش، محمد خيري، شاكر الحمصي، الشيخ عيسى البيانوني، أبو أحمد اسكيف (توفى سنة 1371 هجري) صباح فخري، صبري مدلل، شادي جميل حمام خيري، جمال الدين ملص، حسن حساني، بكري رجب، رضا الأيوبي، خالد ترمانيني، ويعتبر الشيخ عمر البطش – 1885 – 1950 م من أهم من لحن الموشحات وكان من منشدي الزوايا الهلالية في حلب، وقد اجتمع وتعلم على يديه مشاهير المطربين والملحنين والموسيقيين مثل صبري مدلل وعبد القادر الحجار وبهجت حسان.
من القدود الحلبية الشهيرة: يا مال الشام، قدك المياس، تحت هودجها
وقد ورد في كتاب (القدود الدينية، بحث تاريخي وموسيقي في القدود الحلبية) لكاتبه الباحث محمد قدري دلّال:
«القد في اللغة: القامة، والقطع والمقدار، واصطلاحاً: أن تصنع شيئاً على مقدار شيءٍ آخر، ويعتبر القدُّ نمطاً غنائياً انفردت به حلب فسمي “القدود الحلبية” على اسمها»
أما عن الصلة بين القد الديني وغير الديني، فقد أتى “دلّال” على ما يثبت العلاقة التبادلية بين الوجهين، إذ يمكن أن يكون لدينا نصٌ شعبيٌ غير ديني يصاغ عليه قد ديني، وكما يمكن أن يحصل العكس أيضاً، فالحلبيون إن أحبوا نصاً غنوهُ بأكثرَ من لحن، وإن أحبوا لحناً ألبسوه ما يحلو لهم من كلام. وقد كان للمنتظمين الدائمين في حلقات الذكر، وشيوخ الطرق الصوفية والمنشدين المحيطين أكبر الفضل في قدِّ تلك الأناشيد والأغاني، ومن تبقى من هؤلاء اليوم يعلم تماماً أصل كل قدٍ واسم كاتبه وملحنه.
وقد ورد في ذات الكتاب أيضاً سردٌ لأبرز الشعراء الذين أسسوا لهذا الشكل الغنائي الفريد، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الغني النابلسي (الدمشقي) الذي توفيّ عام 1143هـ ـ 1720م، وقد ترك في عالم القدودِ بصمةً كبيرة كونه شاعرٌ متصوفٌ وملحنٌ عبقري، عالج كافة أشكال الإنشاد الديني، حتى أن كثيراً من ألحان المسجد الأموي في دمشق تنّسب إليه، ومنها لحن الأذان الجماعي، وأذان الإمساك المشهور والمسموع حتى يومنا هذا.
يليه بالذكر والإشادة اثنين هامين من الشعراء الذين كرسوا شعرهم لهذا الباب، وهما الشيخ عمر اليافي الذي توفي عام 1233هـ ـ 1817م، والشيخ يوسف القرلقلي وكانت وفاته عام 1251هـ ـ 1835م، والشيخ الحمصي أمين الجندي والشيخ أبو الهدى الصيادي المتوفى عام 1327هـ ـ 1909م، والذي تنسب إليه زاوية الصيادي في حلب. ومحمد النشار المتوفى 1328 ـ 1910م، وذكر الباحث مزيداً من أسماء الأعلام وصل إلى الشيخ عيسى البيانوني المتوفي عام 1363هـ ، 1943م.
حمص أم حلب؟
كما أسلفنا وكما هو معلوم، فقد استحوذت حلب على مختلف الألوان الغنائية التراثية، نتيجة براعة أهلها وميلهم الفطري نحو الطرب؛ إلا أن لأهل حمص رأي آخر يقول بأن أصل القدود حمصي، وتنسب إلى الشيخ أمين الجندي الحمصي، وإلى جيل من الموسيقيين الكبار الذين عرفتهم مدينة ابن الوليد، مثل أبي الخير الجندي والعلامة عبد الهادي الوفائي، والفنان محمد خالد الشلبي.
ويقول أتباع هذا الرأي من الباحثين أن أقدم وثيقة تاريخية لنشأة فن القدود هي ديوان الشاعر أمين الجندي ( المولود عام 1766م، والمتوفي عام 1840م) الذي قال عنه المؤرخ جرجي زيدان أنه شاعر القرن الثامن عشر بلا منازع، وقد سافر “الجندي” إلى حلب برفقة عدد من الشعراء، وأخذ معه القدود “القصائد” التي كتبها وغناها بعض أهل حمص في جلساتهم ورحلاتهم وأفراحهم، فتلقَّفها الحلبيون، وأسبغوا عليها مهاراهم وطيابة أصواتهم إلى أن وصلت القدود إلى ما هي عليه الآن. أي أن الأصل حمصي، والنشأة والتطور والانتشار هي أمور لا أحد ينكرها على حلب.
بينما يُختصر الرأي الوسطي في هذه القضية بتشبيه بسيط، فقد أسس الفارابي علم الخوارزميات، وهو العلم الذي يعتمد عليه الآن في الذكاء الصناعي والروبوتات ومحطات الفضاء والمواقع الإلكترونية، وعليه: هل يستطيع المسلمون أو الفرس اليوم أن يدّعوا أنهم من اخترع الكمبيوتر وطوّر مواقع الإنترنت؟
هم أسسوا وتركوا، وأتى من استفاد من علمهم فطوَّره واحتضنه وحافظ عليه.. هذا هو الحال بين الأصل الأندلسي والولادة الحمصية والتألق الحلبي، هذا التألق الذي لم يقتصر على القدود ذات المنشأ الحمصي فحسب، بل أخذ من تراث العراق ومصر وتركيا، وذلك لسبب بسيط، هو أن حلب كانت في يومٍ من الأيام حاضرةً متقدمة ودولة مستقلة، وممراً لقوافل التجارة ومستقراً للصناع، ومن الطبيعي أن يصقل كلّ ما يعبرها برائحة صابونها وعراقة حاراتها وأصوات أهلها..
وقد سمي على اسم حلب كلاً من القدِّ والموشح والدور والطقطوقة، منها ما هو حلبي فعلاً، ومنها المصري و الأندلسي والشامي والحمصي، وتلك حقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار، فليس من المعقول فنياً أن نسمي موشح “ملا الكاسات” لمحمد عثمان وموشح “يا شادي الألحان” لسيد درويش وطقطوقة “صيد العصاري” لداوود حسني وقدّ “هيمتني تيمتني” للشيخ أمين الجندي، ليس من المعقول تسميتها جميعها بالقدود الحلبية.

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك