الرئيسية » هذه البطاقة من ذاك “الفيوز”
أخبار خطوط حمر

هذه البطاقة من ذاك “الفيوز”

البطاقة
كيان جمعة
في نهاية التسعينات، وقعنا بأزمة مادية اضطرت أبي إلى بيع التلفزيون وكان نوعه “سيرونكس” 21 بوصة، مازالت لحظة رحيل التلفزيون عالقة في ذاكرتي ولاسيما أن مونديال فرنسا على الأبواب ولن أتمكن من متابعة المباريات إلا بالذهاب إلى منزل أقربائنا على بعد 500 متر وما في ذلك من حرج وموقف اضطراري غير معتاد عليه.
لكن قلب أبي رقّ على حالي وقام باستعارة تلفزيون قديم كان لدى صديقه، وهو أيضا “سيرونكس” لكن (أبو صندوق خشب)، ورغم قدمه وألوانه الباهته وأزراره الحساسة كان يفي بالغرض لإرواء عطش المراهق المتابع لزين الدين زيدان ورونالدو نازاريو داليما والمؤامرة المقيتة لخروج المغرب من المنافسات.
وكي تكتمل الحكاية، ولسوء الأقدار وسوداويتها، تعطل التلفزيون المستعار، ولم يكن من السهل العثور على مصلّح لهذا النوع من التلفزيونات في ذاك الوقت، ولكن الله لا يقطع أحداً، فبعد نحو عدة أيام وقبل المباراة النهائية، سمعت صوتا لشخص ينادي: مصلح تلفزيونات!
لم أفكر لدقيقة، وقادتني قدماي غريزيا نحو ذلك الصوت “الملائكي”، وسألته بلهفة: “بتصلح سيرونيكس أبو صندوق خشب؟” فأجابني على الفور أنا اللي بصلحه.
طبعا لم يكن لدي أي مجال للشك في قدرته لعدة عوامل: أهمها الندرة، وعامل آخر لا يقل أهمية هي “شنطة السامسونايت” التي يحملها، والتي أظهرته كطبيب عام في قرية نائية يستطيع تشخيص وعلاج أي مرض.
قدته إلى مكان التلفزيون ونشوة الانتصار على وجهي، فقد اخضرّت مخيلتي بعشب ملاعب كرة القدم، إضافة إلى مسلسل السهرة، حتى أن حنينا شاذا إلى برامج التلفزيون الأخرى مثل (أرضنا الخضراء) كان يخطر على بالي مع كل حركة من حركات يد المصلح المنقذ.
لم يكن هذا المصلّح ممن يترددون قط، فقد عرف فورا مصدر العطل: “الفيوز” قالها بلهجة المتيقن العارف… ففتح الحقيبة وأخرج منها فيوزا، واستبدله بفيوز التلفزيون، وأمرني: شغل التلفزيون، ما أن وضعت الفيش حتى سمعت صوت انفجار صغير: “طق الفيوز”….هز رأسه ثم وبسرعة أخرج فيوزا آخر واستبدله بالفيوز التالف، فانفجر هو الآخر! ولم يتردد فمد يده لكي يخرج الثالث، فأمسكتُ بيده وقلت له: هل ستضعه أيضا؟ قال: نعم، قلت له: “خذ سعر الفيوزين واذهب واسمع مني التصليح مو شغلتك”، فاستغرب حديثي و أخبرني بأنه مصلح “بروفيشنال” تعلم المهنة من أعرق مراكز الصيانة العالمية وليس بحاجة إلى نصائح مراهق مثلي. فقلت له مستعيرا قول إنشتاين، ولكن بصيغة سؤال: “هل تتوقع نتائج مختلفة من نفس المقدمات؟ العطل ليس بالفيوزات، العطل في الداخل، العطل بنيوي.”
طبعا ذهب وهو يهز رأسه مستنكرا لنصيحتي له بترك هذه المهنة والبحث عن غيرها، فمن الصعب على شخص قد قرر اقتناء سامسونايت، أن يتخلى عن هذه المهنة، طالما أن لديه الكثير من الفيوزات الجاهزة لتكون حلولا لكل الأعطال.
كثيرا ما أتذكر هذا المصلح حين أرى صاحب العقل المكتشف لفكرة البطاقة الذكية؛ فكل المشكلات لها حل واحد: البطاقة الذكية، وكل ذلك الخلل البنيوي في الاقتصاد والمال وعواقب الحرب يُحل بكبسة زر: البطاقة الذكية.
رغم مرور نحو 23 عاما على حادثة مصلّح التلفزيون، لم نبرح للحظة من ذهنيته: هذه البطاقة الذكية من ذاك الفيوز!
لنكن صريحين: أين المشكلة؟ هل هي في ذهنية الفيوز والفوز كيفما كان وبأي ثمن، أم في إصراري على إصلاح جهاز تلفزيون هجين لا نعرف رأس أبيه، أم في حنينٍ بائس لبرامج تلفزيونية تشي بانحرافي الذوقي المبكر؟

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك