الرئيسية » صيغة “أستانا” كمأزق إقليمي
خطوط حمر

صيغة “أستانا” كمأزق إقليمي

هاشتاغ – رأي – مازن بلال

كان لمباحثات أستانا دورا أساسيا في تخفيض حدة العنف، وفي دفع خطوط المواجهة مع المجموعات المسلحة لحدودها الدنيا، وهو ما عجزت عنه الكثير من المؤتمرات والمبادرات، لكن “أستانا” في النهاية مثلت صيغة إدارة الاشتباك المختلط بين الدول الضامنة على الأرض السورية، فنجاح أستانا كان من واقعية التعامل مع الملف العسكري، فهو لم يخلق توافقات بشأن الأزمة بل تحديد طبيعة توازن القوى لـ “الدول الضامنة” في مسار الأزمة السورية.

عمليا كسبت دمشق مرونة نتيجة مباحثات أستانا منذ جولتها الأولى في حسم الكثير من المعارك، ولكنها في نفس الوقت وقعت ضمن دائرة توازن إقليمي ضيق وهو ما شهدناه خلال تشكيل اللجنة الدستورية؛ فجاءت على قياس هذا التوازن، وانعكست المصالح الإقليمية للدول الضامنة على مسار عمل اللجنة وقدرتها على إنتاج توافقات سورية.

المفارقة في كل مسار أستانا هو في الاعتراف بواقع اختلاف المصالح للدول الضامنة، والبحث في نفس الوقت عن حل سياسي للسوريين يضمن وحدة الأراضي السورية واستقلالها، فهناك من جهة أولى قدرة على إدارة ملفات الأزمة لمنع التصادم، خصوصا أن الدول الضامنة لديها مشاكلها مع الولايات المتحدة بخصوص سورية، فهي قامت عمليا بخلق مسار يحاول خلق واقع إقليمي أمام الموقف الأمريكي والأوروبي حيال الأزمة، أما الجانب الآخر فهو في كون الأطراف الثلاث الضامنة لا تستطيع فرض حل إقليمي لسببين:
الأول أن تصوراتها للحل متضاربة سواء حيال الموقف من دمشق، أو لطبيعة المنظومة السياسية التي يمكن أن تظهر مع بداية الحل السياسي، فموسكو وأنقرة وطهران تنظران إلى شرقي لمتوسط كبوابة لتعزيز أدوارهم إقليميا ودوليا، وهي أدوار ليست متناسقة ومجالاتها مختلفة.

هناك الكثير من التعقيد في التوازن ما بين روسيا كدولة كبرى وتركيا كعضو في الناتو وصراع إيران الإقليمي، وإيجاد شركاء في هذا التوازن يبدو صعبا سواء على المستوى الدولي أو ضمن مجالات أضيق رغم محاولات روسيا إدخال دول كمراقبين، لكن الأزمة السورية بذاتها تجعل من الصعب إدخال توازن وفق صيغة إقليمية بسبب التواجد الدولي في شرقي المتوسط.

الثاني أن الموقع الإقليمي السوري وفق التشكيلة العامة لشرقي المتوسط هو مرجح التوازن، فسورية على مستوى تاريخها المعاصر كانت بوابة التوازن الأساسية وذلك نظرا لجغرافيتها على وجه التحديد.

ربما تملك تركيا نوافذ بحرية أساسية على شرقي المتوسط، ولكن الساحل السوري يصبح أكثر أهمية عند إضافة أي عامل استراتيجي، مثل وجود القوات الروسية في طرطوس، أو بقاء الصراع مع إسرائيل، أو حتى إنشاء تحالف اقتصادي مرتبط بالطاقة مع دول الخليج.

في أستانا وبعد عملية طويلة من التفاوض يظهر اليوم أن التوازن السوري الداخلي أساسي، لكنه غير قابل التحقق في ظل عوامل مرتبطة بمحاولات تبديل الدور السوري بشكل جذري، فمن المؤكد أن العالم المعاصر يحمل احتمالات غير تقليدية على مستوى أدوار الدول، وفي المقابل فإن الخرائط التي رسمتها معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى رسمت حالة معقدة، يصعب العبث فيها دون نتائج كارثية كما يحدث اليوم، ورغم أن أستانا لا تسعى لتغيير الخرائط لكنها في نفس الوقت تنقل صعوبة التوازنات ضمن نظام دولي غير مستقر، وعدم البحث عن خيار سوري مستقل عن توزع القوى في المنطقة.

تصنيفات

تابعونا على فيسبوك