الإثنين, مايو 16, 2022
spot_imgspot_imgspot_img
More

    الاكثر تفعلا

    الأكثر قراءة

    العنف كبداية…

    هاشتاغ – رأي – نضال الخضري

    لا أذكر متى سمعت تلك العبارة الممزوجة بالصراخ وضوضاء العراك: “لا حدا يتدخل.. المسألة عائلية”.. لكن العنف يبقى صورة مختصرة لتفاصيل يصعب لملمتها، بينما تضع القوانين حدا فاصلا يصعب معه تمييز العدالة، فأن يظهر قانون للعنف الأسري في سورية لا يعني أننا نقف على عتبة جديدة، ولن يحمل معه تلك الصورة الذهنية التي انتهت مع اللحظات الأولى للحرب المستمرة، فالعنف في النهاية لا تختصره الجريمة، ولا تحيط به القوانين مهما كانت ضرورتها.

    عندما نبحث في مسألة جريمة هزت سوريا فإننا ننظر الى بانوراما ثقافية أولا، وإلى تفكير بمجتمع تهشمت في داخله كل ما تعنيه علوم البيانات بعد أن أصبح الموت جزءا من تفاصيله اليومية، ولكننا في نفس الوقت لا يمكننا الابتعاد عن تلك التصورات التي تقودنا للإحساس بالأمان، أو تفكير بأن مسألة العنف في حدها الأدنى لا ترتبط بجريمة بعينها، فهي جزء من العلاقات التي يرسمها المجتمع ويعيد صياغتها كلما استدعت المصلحة، فالجرائم لا يمكنها البقاء في مساحة الإحصاء أو تقديم الدلالات عن قصور القوانين، فهي فعل يخترق المشهد العام وربما يعري التفكير الذي نملكه وشكل العلاقات التي تجمعنا.

    في سورية ووفق الإحصاءات الرسمية لعام 2021 هناك 414 جريمة قتل، وبغض النظر عن تفاصيل توزعها على المحافظات أو المدن، فإن الرقم يستدعي البحث في عناوين ما نريده لخفض هذا الرقم، ولوضعه أيضا ضمن مسار أكثر اتساعا لأن الجريمة هي أيضا “علاقة” ضمن المجتمع، توضح طبيعة الثقافة الناشئة خلال الحرب، وترسم ديناميكية مختلفة عما كنا نعرفه سابقا لـ”سورية الحلم” الذي مايزال يداعب طيف تفكيرنا.

    الجريمة لم تكن ضد الأنثى حتى في قضية “آيات الرفاعي”، وردود الفعل التي أدت لفكرة قانون “العنف الأسري” تضع مسألة “الثقة” بالعلاقات الأسرية ضمن دائرة “العدالة من جديد، فالعدالة لا تنظر إلى الجندرة ولا حتى إلى الفئة الأكثر هشاشة حسب التعابير السائدة، لأنها تبدأ من تفكيرنا بهذا المفهوم وتنتهي بنوعية القوانين التي تنظر إلى العدالة على أنها عابرة لكل أشكال التقسيم الاجتماعي.

    جريمة “آيات الرفاعي” تطرح سؤالا أساسيا عن الشكل القديم للرعاية الأسرية كقيمة اجتماعية تضفي شرعية على الكثير من التصرفات، فنحن أمام جملة من الشكوك لا ترتبط بالقوانين بل بالعرف الاجتماعي الذي يراهن على “الأسرة”، ويحاول إضفاء شرعية مطلقة على القيم التي استطاعت لعقود طويلة ضمان الاستقرار الاجتماعي، فهذه القيم لم تكن تحمل بالضرورة “العدالة” لكنها أمنت الحد المطلوب لاستمرار “الأسرة” بحالتها التقليدية، ورغم انتهاء الكثير من الأشكال التقليدية للعلاقات الاجتماعية لكن سلم القيم الأسرية لم يتبدل.

    ظهرت الدولة الحديثة وبقيت “الأسرة” بتراتبية كلاسيكية لتوزيع “السلطة”، وتقدم جريمة “آيات” هذه التصور لـ”السلطة” الذي يفترض حق التصرف المطلق بـ”دائرة الأسرة”، وعبر عقود خرجت المرأة للعمل وتبدلت الأسرة إلى الشكل الأصغر والأكثر تعقيدا نتيجة تطور العلاقات ضمن الدولة الحديثة، وبقي التفكير بأن الأسرة شكل مطلق لا يمكن لمفهوم العدالة اختراقه، فجريمة آيات لم تحدث في الأرياف أو البادية بل في دمشق، واختصرت بتفاصيلها أزمة أوسع من “شكل ذكوري” مسيطر، فهي فضحت عجزا لمنظومة القيم السائدة عن حماية الشكل الاجتماعي الذي نستند إليه..الأسرة..

    العدالة التي نبحث عنها علاقة تتجاوز منطق اعتبار الأنثى الحلقة الأساسية في مسألة الظلم الاجتماعي، لأن تلك العدالة ترى التنوع حتى داخل “الأسرة” الواحدة، وتعترف بأن هذا التنوع لا يحميه العرف الاجتماعي ولا حتى النصوص القانونية فقط، بل الثقافة التي يمكن أن نؤسسها على أساس “التفرد” لكل شخص، وحماية هذا “التفرد” الذي لا تلغيه “الأسرة” بل تعزز تمايزه خارج السلطة الموجودة ضمن العائلة الواحدة.. هي منظومة عدالة إن صح التعبير.. وهي تصور لسورية ما بعد الحرب كي نحاصر العنف في داخلنا أولا قبل البحث في أي جريمة..

    مدونات ذات صلة