الإثنين, نوفمبر 28, 2022
spot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةتقارير وملفاتأسواق عاصمة سورية الاقتصادية شبه "ميتة".. وأهلها يكتوون بالغلاء

أسواق عاصمة سورية الاقتصادية شبه “ميتة”.. وأهلها يكتوون بالغلاء

هاشتاغ_رحاب الإبراهيم

يجلس أغلب أصحاب المحال التجارية في أسواق حلب الرئيسية أمام المحال المكدسة بالبضائع، فالجمود والركود يسيطران، ولا حول ولا قوة أمام واقع اقتصادي صعب لم تعشه العاصمة الاقتصادية في أشد أوقات الحرب ضراوة.

ارتفاع أسعار السلع في أسواق حلب وخاصة الغذائية جعلت الحلبيين يعرضون عن الشراء ويكتفون بشراء السلع الضرورية فقط، وخاصة خلال الأيام القليلة الماضية بعد ما شهدت أسعار الحبوب والزيوت والسمون زيادات غير كبيرة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ما زاد الركود ركوداً، الأمر الذي جعل الكثيرين ممن التقاهم “هاشتاغ” يترحمون على أيام العز الصناعي والتجاري ويطالبون بحل لهذا الوضع المأساوي.

“ما معنا” نأكل…؟!

الستينية “أم مصطفى تقاوم دموعها وهي تسأل كيف نأكل إذا كانت أقل طبخة تكلف 30 ألف ليرة، وراتبها لا يتجاوز مئة ألف ليرة؟! وتتساءل “شو دخل حرب روسيا وأوكرانيا حتى ترتفع أسعار السلع إلى هذا الحد؟”

وتقول نهى المصري بصوت مقهور وغاضب: “رح نموت من الجوع، هل يعقل أن يصل كيلو السمنة إلى 28 ألف ليرة، والزيت إلى 13 ألف ليرة واللحمة ما عاد نقدر ندخلها على بيوتنا، وشو رح نعمل برمضان، الوضع ما عاد محمول، لازم يلتقى حل، لتتساءل بضحكة مقهورة، دخلك في أمل من هاد الحكي، يعني ممكن يخفضوا الأسعار، يالله هي فشة خلق..ما رح يطلع معنا أكثر من هيك”.

وتشاركهم الشكوى ذاتها غزالة محمد توقفت حينما كنا نجري لقاءات في الشارع ظناً منها أننا قد نحل مشكلتها التي تمثل مشاكل غالبية السوريين في هذه الأيام تقول: “أنا أرملة ولا مصدر دخل لي وأسعار السلع كل يوم بطلوع، ما عندي شيء دبر أمري فيه، وأولادي جوعانيين، والغلاء “سليمانية”.

يدخل الرجل الأربعيني على الخط فيشكو معاناته اليومية بتأكيده أنه يدفع كل يوم 20 ألف ليرة ثمن حفوضات لأبنه، أما مستلزمات المعيشة الأخرى فشيء يكسر الظهر، فكيف يمكن أن نعيش بهذا الوضع المعيشي القاسي.

ضرب مستودعات الكبار

غلاء أسعار السلع الغذائية بعد أيام قليلة على بدء الحرب الروسية الأوكرانية أرجعه باعة المفرق إلى احتكار تجار الجملة لهذه السلع وخاصة السمون والزيوت، وهنا طالب أحد باعة سوق باب الجنين الجهات المعنية ضرب مستودعات التجار الكبار في أسواق الجملة كونهم يعملون على تخزين البضائع واحتكارها ورفعها حسب مصالحهم.

“هاشتاغ” توجه بناء على هذه المعطيات إلى سوق “جب القبة”، سوق البيع بالجملة، وقد رصد امتلاء المستودعات بمادتي الزيوت والسمون وأغلبها إنتاج محلي تقريباً، وهذا طبعاً لم يمنع تجارها من زيادة أسعارها إلى مستويات قياسية مع أن الحجة الأساسية هي الحرب الروسية الأوكرانية، وهنا لا ينكر أحد باعتها الذي عرف عن نفسه باسم أبو جميل، أنهم رفعوا أسعار الزيوت والسمون بمقدار 30 %، رافضاً تصنيفه ضمن تجار الجملة مع أن المستودع الذي يعمل به معبأ بمختلف أنواع الزيوت والسمون، مرجعاً سبب الغلاء إلى تجار الجملة الوكلاء الذين يربحون بحدود 90%، لافتاً إلى أن الهلع والخوف كان السبب الرئيسي لغلاء هذه السلع، حيث أقبل المقتدرون على شراء الزيوت والسمون بالتنكة مع أنهم لا يبيعون كميات كبيرة من هذه المنتجات خوفاً من زيادة أسعارها من قبل تجار الجملة.

التاجر الشاب بكري قبلاوي في السوق ذاته حمل معامل الزيوت مسؤولية غلاء هذه المنتجات مع أن الانتاج محلي وليس مستورد في معظمه، مشيراً إلى أن دوريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك تزور بشكل دائم مستودعه ولا غبار على التسعيرة المحددة، في حين أقر تاجر أخر عرف عن نفسه باسم زكريا من نبل أن سعر لتر الزيت في روسيا يبلغ 2750 ليرة تقريباً، لكن التاجر يدفع تكاليف الشحن والنقل والاتاوات على نحو يصل سعرها إلى هذا السعر المباع في السوق، مؤكدا أن الربح مشروع للتاجر حتى يستمر في تجارته.

بحاجة إلى إعانة..؟!

موجة الغلاء المنهكة التي أضعفت القوة الشرائية للمواطنين لا يبدو أن “السورية للتجارة” في حلب قادرة على مواجهتها وخاصة أنها واكبت ارتفاع الأسعار وأن كان بنسب أقل، ما ينفي صفة التدخل الإيجابي عنها، وهذا يرده مدير صالة في منطقة الجميلية التي “ورد” إليها زيت من إنتاج محلي بكميات قليلة من منطقة حسياء لكن رغم ذلك ُرفع سعر هذا المنتج، فالسورية للتجارة تشتري من الأسواق، مؤكداً أن الأسعار في الصالة زادت بنسبة 13% وخاصة السمون والزيوت في حين ارتفعت الأسعار في الأسواق بمقدار 90%.

شبه “ميت”..؟!

ويبرز الركود في أبرز صوره في سوق “العبارة” المختص ببيع الألبسة والأحذية الرجالية والأدوات الكهربائية، فأعداد أصحاب المحال و”الشغيلة” يفوق الزبائن المعدودين على الأصابع، إذا يؤكد التاجر بسام أعرج أن سوق “العبارة” شبه ميت، فالحركة الشرائية ضعيفة جداً بحيث تمضي ساعات النهار كاملة بلا بيع، مرجعاً السبب إلى ضعف القوة الشرائية وتحكم التجار الكبار في الأسعار، مشيراً إلى أنه في حال ظفر الباعة ببيع بعض المنتجات سيضطرون إلى شرائها بأسعار مرتفعة من تجار الجملة، ووصف بعض التجار “بالوحوش” وأنهم السبب وراء هذا الوضع، حيث يخزنون البضائع في مستودعاتهم ويضعون التسعيرة على هواهم مستغلين الظروف الصعبة.

نأكل من رأسمالنا..؟!

ولا يختلف الحال كثيراً في سوق العزيزية، الذي تعد أسعاره أغلى من غيره وخاصة أن قاصديه هم من ميسوري الحال وأصحاب الدخول الجيدة، فالسوق الأنيق خالي من الزبائن وبالكاد يتواجد عدد من الزبائن رغم التنزيلات، التي لا ترضى “الحلبيين” على ما يبدو في ظل غلاء أسعار الألبسة الكبير في مدينة تعد صناعية بامتياز، وهنا نسأل بعض باعته عن أسباب قلة البيع في هذا السوق، ليرفض أغلبهم ذكر أسمائهم، حيث قال تاجر قد قارب السبعين من عمره كان يجلس أمام محله بلهجة حلبية “مكسرة” “بنتي لا تورطيني أنا موظف متقاعد واسترزق من تجارتي” الراكدة حالياً، في حين برر باعة أحد المحال الكبيرة في السوق عدم ذكر اسمه بالخوف على رزقه أيضاً، موكداً أن المالية وجهات أخرى لا ترحم، ليفضي ما بجعته بالقول: “الناس بدها تأكل وتنام مستورة ما بدها تلبس، وإذا فكرت بشراء اللباس للضرورة تذهب للبالة، لذا الحركة الشرائية في سوق العزيزية صفر، وأغلب التجار لا يستفتحون طوال النهار، اليوم عم نأكل من رأسمالنا.”

مشيراً إلى أن وضع التجار في هذا السوق سيء للغاية، وأن وضع أصحاب البسطات أفضل منهم.

تأقلم مع الغلاء..

وعلى مقربة من سوق العزيزية يشهد سوق التلل واقعاً أفضل لناحية الحركة الشرائية لكنها تبقى محدودة وخاصة أن موسم التنزيلات في آخره، وسط تخوف تجاره كغيرهم من الحديث بشكل صريح عن واقع الركود الحاصل، ليكتفي أحد تجاره بإرجاع السبب إلى الانتقال من الموسم الشتوي إلى الصيف، معتبراً أن الوضع مقبول في محاولة منه للتهرب من الإجابة عن أي استفسار عن حال السوق الراكد، بينما أرجع تاجر آخر السبب إلى قلة الطلب على الألبسة في ظل ضعف القوة الشرائية للمواطنين، الذين اعتادوا برأيه على الغلاء وتأقلموا معه كالتجار تماماً، وأكد أن الركود قديم لا علاقة للحرب الأوكرانية به, رغم ازدياد الوضع سوءاً مؤخراً.

عجز رقابي..؟!

وسط هذا الواقع الاقتصادي الصعب, تغيب المؤسسات المعنية وخاصة مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بحلب عن الأسواق, باستثناء إعلانها تنظيم ضبوط هنا وهناك, لا تبدو أنها كافية لضبط أسعار تحلق كل يوم خارج قدرة المواطنين الشرائية.

حاولنا الاتصال عدة مرات بعدد من المسؤولين في المديرية دون استجابة مع أنهم بالعادة لا يتأخرون عن الرد، وهو ما يبرر عجزهم عن اتخاذ إجراء يوقف الغلاء الحاصل ويضع التجار الكبار عند حدهم, لكن يبدو هنالك حسابات أخرى!

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة