الخميس, ديسمبر 1, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

“ملهمات” وسط العبث

هاشتاغ _ نضال الخضري

ينقل الإلهام تصورات خاصة وكأنها عالم آخر له “إرث” ذاتي في روايات “شيطان الشعر”.

في المقابل فإن هذا الإلهام لا يمكنه البقاء في تصورات هائمة، فهو يشعل حالة إبداع، ويقلب المقاييس ويجعل مدنا بذاتها تحمل رمزية ملهمة مثل باريس.

باريس التي أغرقت أجيالا بجاذبيتها، ورسمت ملامح خاصة على امتداد العقود الأولى للقرن العشرين، فكانت مقاهي الرصيف في حي سان جيرمان صورة محفورة في الذاكرة لفلاسفة وأدباء.

وما تزال باريس رغم كل التحولات الثقافية تحمل معها تلك “الشخصية الملهمة”.

لا تختلف المدن في مسألة الإلهام عن باقي أشكال الحياة، لكنها الأكثر ظهورا لأنها تصبح مع الزمن “تجمعا ملهما”، أو توهم زوارها بأنها ستقدمهم للعالم كشعراء ومفكرين، وتجعلهم كما فعلت بيروت “أسرى” أو ربما رهائن لحقب زمنية ولت وباتت ذاكرة يصعب تجسيدها.

في ستينيات القرن الماضي لم يكن هناك سوى بيروت لإنتاج الإعلام والثقافة وباقي الفنون، وبقيت تحمل تلك الهوية رغم الحرب الأهلية وانحسار القدرة على إنتاج الثقافة فيها وصولا إلى الزمن الحاضر، حيث باتت مدينة محشورة بالهم السياسي.

مفارقة الإلهام في مدننا أنها لا تظهر كصور فريدة تحمل معها شخصية تسم روادها بلون خاص، فهي تتشكل أحيانا مع “عبث” الرأسمال أو ضيق الأفق السياسي أو حتى التحول الدولي.

فالمساحات التي تضيق بالبعض تظهر ضمن بعض المدن، وتنفتح أزمنة لتدفع بالثقافة شرقا وغربا، ثم تعود لتنغلق وكأنها بوابات محكومة بقانون يصعب معرفة تفاصيله.

الإلهام ليس مجرد خيال يضرب المدن أو الأفراد، ولا يرتبط باحتفاليات خاصة فيها من الإبهار ما يقتل أي حالة إبداعية.

هو يقين بأن الحياة تحمل احتمالات لا تنتهي وتنوعا يدفع باتجاه حفة الجمال، والإلهام أيضا هو تصورنا خارج الواقع الذي يسعى لقهرنا، أو هذا على الأقل ما يمكن أن نراه من حالة استثنائية لـ”الإلهام”.

فالكثيرون ارتحلوا إلى مدن الإلهام لكن خيالهم بقي أسير رموز ضيقة، وربما بحثوا عن “المرأة الملهمة” في أشكال “الدعاية الثقافية” التي تلحقنا وتلاحقهم.

دمشق كانت ملهمة “نزار قباني” ورافقته إلى جهات الأرض الأربع، وربما بقيت معه كصورة ملهمة في ذروة عشقه لبيروت.

فألوان الإبداع يحرضها حالة لا ترتبط بأي تصور مسبق لأشكال التسكع في المقاهي، أو على ضفاف نهر السين في باريس.

إنها ظاهرة تسكُن من يستطيع تلمس حيوية ما يحيط به رغم كل ما يصادفه من قسوة، وربما علينا الاقتناع بأن “الإلهام” هو وجه الحياة الذي يظهر في كل ما يدفع للدهشة، فيغير من تصورنا للأشياء أو الأفكار أو حتى طبيعة القبح والجمال الذي يحيطنا.

وسط العبث يستطيع أي إنسان أن يعيد ترتيب ما يراه فيظهر الإلهام في حالة التبدل التي يشاهدها، أو في فهمه لتفاصيل وجه الأنثى وهي تحاول تطويع الحياة وتحويلها لبسمة.

المدن لا تفقد جمالها وقدرتها على الإلهام لكنها تغرق في الخديعة بينما تحتمل الحياة أشكالا أخرى وتفاصيل أكثر التصاقا بالجمال الملهم.

http://لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة