الأحد, أكتوبر 2, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

انتبه أيها المغفل

هاشتاغ-نبيل صالح

1

“ماأغبى هذا العالم وما أغباني”: جملة صدَّرتُ بها كتابي الأدبيَّ الأولَ الذي أجاز نصوصَهُ نخبةٌ من الأدباء العرب، وطوَّبوني كاتبا قبل ثلاثين عاماً، ورأيتُ وقتها أنني لست الأذكى، وإنما الأقل غباءً بين الكتاب المتنافسين على جائزة الإبداع العربي في القاهرة، وذلك في جواب لي على سؤال محررة جريدة “الجمهورية” المصرية آنذاك.

وقد اشتريتُ بقيمة الجائزة بقرةً هولنديةً بيضاءَ وسوداءَ لم تسرَّ سيرتُها الساخرةُ المسؤولين عندنا، حيث كتبتُ باسمها بعضاً من سيرة الوطن بعد الاستقلال تحت عنوان “يوميات الآنسة عدلا”، قبل أن أقدِّمَ لها طلبَ انتساب إلى اتحاد الكتاب العرب، رشَّحها ثلاثةٌ من أعضائه في حادثة شهيرة كتبتْ عنها الصُّحُفُ آنذاك واختلفَ الناسُ حولها كما اختلف بنو إسرائيل في سورة البقرة.

ذلك أني كنتُ أعمل على السخرية من الأنساق السياسية والاجتماعية والدينية المتوارثة فينا عملاً بحكمتي المفضلة: إن أفضل طريقة لإصلاح العالم هي السُّخرية من أخطائه.

وبسبب ذلك كنت ضيفاً دائماً على المحاكم وهدفا مميزا لرقابة وزارة الإعلام، حتى وصل بي الأمر إلى أن أسخرَ من نفسي ومن العالم في نص هجائي طويل بعنوان: “أنفي الذي أتبَعُهُ” بعدما قالت لي امرأتي أنَّ أنفي الكبير يدخل من الباب قبلي !؟

2

ولكن كيف يمكننا تقويم الذكاء حتى نعرف ماهية الغباء؟ هل يمكننا قياسُ الذكاء بشهادات التعليم أم بالمال أو الشهرة أو المنصب ؟ في الواقع إن الكثير من المشاهير وحاملي الشهادات والسياسيين والأغنياء شبه أغبياء ومغفلين، وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك عربياً وعالمياً، حيث يمثلون مادة لسخرية الأذكياء الذين لم يحصِّلوا ولو جزءاً يسيراً مما حصله قليلو الذكاء هؤلاء، ذلك أن السخرية تشكل إحدى أهم دلائل الذكاء حيث تفترض فهم ماهية الموضوع واستخلاص نقاط الضعف فيه وتركيب السخرية عليها، لهذا يخشى السياسيون والمستبدون من الساخرين ويقيدون نشاطهم، بينما تستقطبهم القوى المعارضة وتنشر نتاجهم إلى أن تصل إلى السلطة فتقيدهم بدورها كما لو أن شيئاً لن يتغير، والأمثلة على ذلك كثيرة في البلدان العربية، منذ أيام ابنِ المقفع، وصولاً إلى محمد الماغوط أستاذنا، ثم صديقنا بعد إعجابه بأمثولة بقرتي عدلا.

وبالطبع هناك مقاييس عديدة أخرى للذكاء تجدونها على غوغل ولكنها لا تذكر السخرية من بينها!

3

عندما تسأل المرأة: لماذا يعجبك فلان وتميلين لمجالسته؟ تجيبك: “لأنو بيضحكني”! ذلك أن الذكاء الساخر هو أكثر مايجذب المرأة في الرجل، ولكنها في النهاية تتزوج الغني بالطبع، لأنها ذكية وتدرك أن الأسرة تبنى بالدُّموع وليس بالضحك، ولطالما قلتُ أن المرأة أذكى عاطفياً من الرجل، وأن المرأة الغبية فقط هي التي تظن أن زوجها أذكى منها، ولطالما قال أجدادنا قبلنا: “كيد الرجال هد الجبال وكيد النساء هد الرجال”.

ماعلينا، فالنساء يستخدمن ذكاءهن في اصطياد الرجال وتدجينهم، والرجال يستخدمون ذكاءهم في البناء والتدمير والتسرب إلى أحضان نساء أخريات يعملن على استغلالهم عاطفياً ومادياً! ومازال الرجال مستمرين في بناء إمبراطورياتهم السياسية والمالية والدينية والفنية والعلمية والإجرامية، في الوقت الذي يعملون فيه على تدمير منافسيهم، أصدقاء كانوا أم أعداء، لهذا فإن العالم المثالي الذي نطمح إليه لايكتمل، منذ أن خالف آدم ربه من أجل امرأة تلاعبت بعقله بينما هي مازالت تلوي بوزها من كل مايصنعه لها غير راضية عنه، وقد تكون أكثر تسامحاً مع كلبها أو قطها الذي لايقدم لها شيئا سوى أن يجلس عند قدميها!

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على

4

للسخرية أساليب متنوعة بتنوع مبدعيها، وغالبا ما يتنافر الساخرون من بعضهم بعد أن يتقاربوا، لأن الساخر كالمهرج الذي يُضحك الناس: وحيد وحزين وحساس ولا يشبه أحداً غيرَهُ، وهذا أحد أسباب صداقة ثم اختلاف الكبيرين محمد الماغوط ودريد لحام، إذ أنَّ الماغوط كان يكتب سخرية مُرَّةً فيضيف إليها دريد رشة سكر لتتحول إلى كوميديا شعبية، ذلك أن جمهور دريد يختلف عن جمهور الماغوط المثقف والمسيَّس.

وقد تكرر الأمر بيني وبين الأستاذ دريد على نطاق ضيق وغير معروف عبر تعاوني معه في كتابة مقدمات ساخرة لبرنامجين تلفزيونيين كان يقدمهما على mbc وطلبتُ عدمَ وضع اسمي على الشارة بسبب أني كنت أقدم سخرية إصلاحية فيحولها الأستاذ دريد إلى كوميديا جماهيرية ضاحكة.

أما سبب موافقتي على العمل من دون إعلان اسمي فمردُّهُ إلى إقناع زوجتي لي بأن مكافأة 500 دولار أسبوعياً مقابل صفحتين أمرٌ جيد للأسرة! وبسبب قناعتي آنذاك أنَّ زوجتي أفهم مني فقد وافقت على أنها مجرد أعمال، على طريقة عصابات المافيا الإيطالية عندما يعتذر رجل العصابات من صديقه بالقول “إنها مجرد أعمال” ثم يطلق الرصاص عليه.

ذلك أن السخرية في مواجهة الموت أو الخسارة أمرٌ ما زالت تستخدمه هوليود في تقديم أبطال أفلام الأكشن كي نستهلكها نحن المغفلين الذين نعطي مالنا للقتلة ونحن نضحك!

ما زلت أذكرُ: خلال العام الأخير من حياته في إحدى زياراتي للأستاذ محمد الماغوط ، رأيته فرِحاً كطفل، وحين استفسرت عن السبب قال لي: اليوم زارني دريد وتصالحنا… فتذكرت أني كنت منحازاً للماغوط في خصومته وكتبت في جريدة “تشرين” أشياء ساخرة عن الأستاذ دريد الذي تجاوز ذلك حين دعاني للتعاون معه، وتعلمت حينها بعض دروسي من معلمينا الكبار.

5

السعادة والفرح أمر ضروري لتوازن حياة الناس، وعندما تسوء حياة المجتمعات بسبب الحروب أو الفقر والظلم والاستبداد يزداد منسوب النكات والسخرية بين الناس من أجل التوازن النفسي والاستمرار بالحياة.. وبعد توفر منصات التواصل الاجتماعي بات الساخرون نجوم الصفحات العامة وأعضاء الحكومات ضحاياهم؛ فأوجدت بعض الحكومات العربية قوانين حق تستخدم لأجل الباطل، حيث باتت محاكم الجرائم الإلكترونية جادة في ملاحقتهم دون غيرهم، خوفاً من التلاعب بالجمهور وتحريضه عليها.

فتحول غالبية الناس عن السخرية السياسية الإصلاحية إلى قضايا فنية واجتماعية، وباتت الحكومات مرتاحة أكثر في ظل العصا الإلكترونية كما هو حال العميان اليوم .

لهذا فإن الاحتقان الشعبي قد يعود بالناس إلى مقدمات التمرد الذي رمى المتمردين في أحضان الأعداء فتم تمويلهم وتسليحهم لتخريب بلدانهم بوهم إسقاط حكوماتهم المستبدة والمجيء بحكومات إسلامية عادلة، في سورية وليبيا واليمن ومصر وغيرها، غير أن حياة المواطنين العرب في القرن الواحد والعشرين باتت أسوأ بكثير مما كانت عليه في القرن العشرين، لأن فاقد الشيء لايعطيه، والمتمرد المستبد في أسرته ومؤسسته وديانته لن ينتج ثورة ديمقراطية، لهذا مازلنا نؤكد أن الثورات التقدمية تبدأ داخل عقول الناس والتنويريون يقودونها، وأن توفر النقد الساخر دليل صحتها وعافيتها… فالرجل القوي هو الضاحك الساخر الذي يفهم روح النكتة ويقدرها ولايخشاها.

6

منذ بداية الحرب الإخونجية على الجمهوريات العربية جند الإخونج جيشاً لتزوير المعلومات التاريخية والسياسية بما يخدم أهدافهم وأيديولوجتهم، بعدما نجحوا باستخدام الفيسبوك لتأجيج مشاعر الحقد ضد الأنظمة شبه العلمانية بزعم أنها كافرة! فأنتجوا كماً هائلاً من المعلومات المغلوطة على الويكيبيديا ومازالوا.

ومنذ عامين استلموا اسم محمد الماغوط وبدؤوا يزوّرون نصوصاً وينسبونها للماغوط وأدونيس والإمام علي للتحريض على الأنظمة المعادية لهم، وتلفيق روايات على أتباع المذاهب التي كفروها، محاولين مقاربة أساليبهم الكتابية اعتماداً على جهل جزء كبير من جمهور الفيسبوك.

ورغم تنبيهنا إلى الكثير من هذه النصوص المزورة والمنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي فإن جمهور المغفلين مازال يتداولها، مع أن الأمر لايستدعي الكثير من الذكاء لمعرفة أن السخرية التي تحمل قدراً من الحقد والبذاءة والكفر ليست من شيم المبدعين الكبار.

لهذا نرى أن التنمية الثقافية تشكل الخط الأول للدفاع عن الأمن الوطني، وأنه من واجب المؤسسات الثقافية العربية التعاون على إطلاق منصة معرفية شاملة تكون مرجعاً موثوقاً وحصناً آمنا للأفراد يقيهم من التلاعب بوعيهم واستخدامهم ضد مواطنيهم ومؤسساتهم، وبالتأكيد سيتوفر لهذه المنصة جيشٌ من الكتاب والمفكرين العرب شبه العاطلين عن العمل، لأن ثقافة النقل مازالت هي الغالبة على العقل في سياساتنا العربية غير الحكيمة.

*كاتب وصحفي سوري

 

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة