الأربعاء, أكتوبر 5, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

بقر الرب وفئرانه

هاشتاغ-نبيل صالح

1

تزول الإمبراطوريات ولا يبقى منها سوى ثقافتها ولغتها، وبالتالي فإن اللغة والثقافة هما ما يميز أمة عن أخرى، إذ لا يمكن لأي فرد أن يزعم أنه من عرق صاف بعدما أظهرت اختبارات البصمة الوراثية اختلاط الأعراق، وفي سورية قلب العالم القديم يمكننا أن نحصي في الحمض النووي للمواطن السوري الكثير من السلالات المختلطة، إذ حكم الحثيون بلادنا والمصريون وشعوب البحر والآشوريون واليهود والبابليون والفرس والأنباط والأرمن والهيلينيون والبيزنطينيون والمسلمون العرب والصليبيون والسلاجقة والطولونيون والإخشيديون والزنكيون والأيوبيون فالمماليك فالمغول والعثمانيون، حيث اختلطت شيفرتنا بشيفرة المحتلين، واحتضن الرحم السوري عدداً كبيرا من حيوانات الأمم المنوية على مر القرون، ولا يمكن لأحد أن يزعم أنه عربي أو كردي أو تركماني أو شركسي أو أرمني بالكامل، كما لا يمكن لمسلم أن ينكر أصوله الوثنية فاليهودية فالمسيحية، بينما توحدنا اللغة العربية وثقافاتها المتنوعة بتنوع قومياتها الناطقة بالعربية.

2

العصبية هي بقايا إرث القطيع في الإنسان العاقل، وتتألف العصبيّة عند ابن خلدون من ثلاث عتبات: العتبة الأولى تبدأ بالنعير، وهو صوت البقر عندما يخور ويزفر من أنفه في حالة الخوف أو الغضب؛ وفي العتبة الثانية هناك التذامر، أي تجمّع القطيع والاستنفار الذي تنتقل فيه العدوى من الفرد إلى الجماعة؛ وفي المرتبة الثالثة هناك الاستماتة، أي الانتقال من السكون الداخلي إلى الاستشهاد من أجل القطيع، علماً أن من يعطي إشارة النعير فالتذامر فالاستماتة، هو صاحب الشوكة في العُصبة، أي قائد القطيع.

وكما نلاحظ فإن العصبية القبلية والعشائرية والإثنية والدينية والمذهبية هي إرث القطيع في شيفرتنا الوراثية، وكانت شبه ساكنة قبل أن يقوم الأعداء بإيقاظها ضمن برنامج (المناطحة الخلاقة) باستخدام تكتيك “صدام العصبيات” بدلا من “صراع الحضارات” على حد تعبير عالم الاجتماع اللبناني فريدريك معتوق الذي يستشهد على ذلك بما حصل في (الربيع العربي) حيث تناطحت القطعان الإثنية والدينية والمذهبية في بلدان هجينة، وتحولت ثورات الثيران إلى حروب أهلية دمرت إرث الاستقلال وأعادت مسيرة بناء المواطنة إلى البداية، وأظهرت نكتة الهوية القومية التي تتحدث عن الإرث المشترك، وجدلية العروبة والإسلام، حيث لم يبق من الإسلام سوى اسمه ومن العروبة سوى رسمها، فصدق فينا الوصف بأننا ظاهرة صوتية تشبه النعير وقت النفير!

في ضيعتنا يقال للشخص الذي يصرخ ويجعجع من دون فعل: (أيلي.. شو حالك مَتنعِّر متل الفدان) وهي بقايا مفردات آرامية في لغتنا العربية، والفدان هو الثور المكتمل والنعير صوته وأيلي للتعجب وهي بمعنى يا إلهي..

3

إذاً كيف سيواجه المثقف النوعي هذا العصبيات المتوارثة ويفكك خرافاتها دون أن يتعرض للعزل أو التصفية؟

عندما خالف عيسى بن مريم محفوظات كهنة اليهود صلبوه، وعندما اعترض محمد بن عبد الله محفوظات العقل القرشي الجمعي تعرض للعزل أولاً ثم محاولة اغتياله، وكذا حصل للمعري والحلاج والسهروردي ومهدي عامل والشيخ حسين مروة ونجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبوزيد وكثيرون كان آخرهم سلمان رشدي! إذ يشعر أفراد القطيع وقادته بالخطر من الصوت المختلف غير المألوف عند سماعهم أصواتاً غير صوتهم المعتاد، فيستخدمون قرونهم لإسكاته وحماية عزيمة القطيع من الوهن والتضليل!

4

قبل اشتعال الحرب السورية رأيت في منامي قطيعاً من البقر الأسود يركض في سوق المدينة محطماً كل ما يمر به والبشر يفرون من أمامه، وبينما الناس هاربة بروحها يظهر في الجهة المعاكسة قطيع آخر من الثيران الصفراء الهائجة ليصطدم الجمعان ويقضي الناس تحت أظلافهم ! فشككت أنها الحرب رغم عدم إيماني بالمنامات ولكن عقلنا الباطن هو الذي يعمل، وبدأت أفكر في مقدماتها ومسبباتها ونتائجها، ورأيت أن النظام أي نظام سياسي يعمل ضمن قوانين الهندسة، وأن نظامنا يشبه المثلث وأن ضلع قاعدته قد تحدد افتراضيا بخروج الجيش العربي السوري من لبنان سنة 2005 ، وأن حركة الناس محصورة بين ضلعي المثلث، وكلما تقدم الزمن بهم ضاقت أضلاع المثلث عليهم وفي الوقت نفسه تشكل كتلتهم ضغطاً متزايداً على أضلاع المثلث من الداخل، يضاف إليه ضغطا دوليا من الخارج، ورأيت أن أضلاع المثلث ستتحطم عندما يتجاوز الضغط حدود استطاعتها، وأن على مهندسي النظام أن يفتحوا منافذ وأبواباً لتخفيف قوة الضغط عليه.

وبالطبع أرسلتها في رسالة مع شخصية رفيعة ومقربة، ولما لم يأت أي جواب ظننت أن الرسول لم يوصلها (انشق فيما بعد)، فكتبتها في أمثولة أبطالها فئران وقطط ونشرتها على موقعي (الجمل)، ورغم انزعاج أحد رؤساء الفروع الأمنية منها، كما وصلني عبر زميلة صحفية، لم أستدعَ، ولم يسائلني أحد، كما جرت العادة، بل أنهم قالوا للقيادة بأن (ثورات الربيع) لن تصل إلى دمشق!

5

نشرت أمثولة الفئران في 2 شباط 2011 تحت عنوان “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”: كان القط يركض بحماسة والفئران تفرّ مذعورة منه.. الجميع كان يجري، وكلما اقتربت الفئران من رأس المثلث ضاقت الجدران عن جانبيها.

قال الفأر عباس لرفيقه حكيم وهو يلهث: قل لي يا حكيم، إلى متى سوف نركض أمام الخوف؟ قال حكيم: سوف نبقى خائفين وهاربين ما دمنا نعتقد بأننا مجرد فئران!

قال الفأر عباس: وهل نحن إلا كذلك؟ قال الحكيم: ولكن تقدير معنى كلمة فأر يختلف بيننا وبين القط، فنحن بالنسبة له مجرد طعام واستثمار، بينما في نظر أنفسنا فإن الفأر أكثر ذكاء من الفهد والنمر، وأكثر إنسانية من الذئب والدب. ومع نطقه كلمة دب تعثّر الفأر حكيم وأصدرت دحرجته واصطدامه بالجدار صوت دب دب دب دج، آي يا أمي. غير أن يد الفأر عباس تلقفته من عثرته فأنهضته وأخذ يجرّه خلفه لاهثاً.

قال حكيم: اتركني ياعباس، اتركني لعلّي أكون فداء لكم. قال عباس: لن تكون سوى وجبة تؤخر وجبة قادمة؛ لقد صلبوا المخلّص يوماً، ورغم تقديسهم له فيما بعد عبر رمز الصليب فإنهم لم يتوقفوا عن القتل والصلب إلى الآن. هيا اجرِ بسرعة يا صاحبي.. وكان القط يتقدم والمسافة تقصر إلى درجة أن ظلاله أدركت الرتل الأخير من الفئران المذعورة أمامه والجدران الشاهقة تضيق عن جانبيها دون أن تترك لها منفذاً تتسرّب من خلاله، وكان الفأر حكيم يقصّر في جريه، الأمر الذي دفع صاحبه عباس لأن يردفه على ظهره ويتابع الجري به. قال عباس مخاطباً حكيم: لطالما سخرتَ من أهمية العضلات يا صاحبي مفضلاً الحكمة عليها. قال حكيم وذيله بين ساقيه: الحكمة لا تنفع أصحابها، وهي ليست شيئاً إذا لم يتلقفها الشعب، الحكمة بحاجة إلى جمهور والجمهور يحتاجها ولطالما أكلت الحكمة أصحابها. ‏

نظرة بانورامية من الأعلى إلى أسفل: كانت الحياة تجري، والفئران تجري، والقط يجري، كل منها لهدف مختلف، ولم يكن القط يبذل كثير جهد في جريه لعلمه أن رأس المثلث مغلق بينما الفئران تجهد نفسها بأمل أن تجد منفذاً في النهاية. ‏

قال حكيم لصاحبه: أنزلني يا عباس فقد صار باستطاعتي أن أجري. قال عباس: نعم فالسرعة أهم من الحكمة في وضعنا الحالي، ثم راحا يجريان مع الجموع المتدفقة نحو المجهول بينما قهقهات القط المرعبة تلطم شغاف الفئران وتضاعف من سرعتها. ‏

أخيراً عندما انحشرت الفئران في الزاوية ووصلت القصة إلى ختامها ورفع القط كفّه وأبرز مخالبه وانداحت ظلالها فوق أرواح الفئران العزيزة عليها، نظرت الفئران عن يمينها ويسارها وخلفها فلم تجد سوى الجدران وجموعها المحاصرة، لحظتذاك صرخ الفأر حكيم: أيتها الفئران يا إخوتي، انظروا إلى أعدادكم الهائلة مقابل قط وحيد! وفجأة أدركت الفئران قوتها فهجمت على القط ومزقته وأكلته حتى لم تترك منه سوى ذيله يتلوى لكي تتذكر سائر القطط أن تترك منفذاً عندما تحاصر الفئران..

6

صهرت الدولة العلمانية الحديثة كل أنواع العصبيات ضمن عصبية واحدة اسمها الوطن والمواطنة، حيث ساوت بين الجميع في الحقوق والواجبات ضمن نظام ديمقراطي تحل فيه المؤسسة محل العشيرة والقبيلة والطائفة في حماية ورعاية الفرد، غير أن مؤسسات الدول العربية منذ الاستقلال لم تتمكن من تحقيق العدالة والحماية الكاملة للفرد، واختارت ديمقراطية المحاصصة الدينية والإثنية التي أعادت إنتاج الاستبداد، فلم تساعد الفرد على التحرر من نير عصبياته، كما لم يوفر الأعداء نقاط ضعفنا فتلاعبوا بنسيجنا الوطني، وساهموا بتقسيم العراق والسودان واليمن وليبيا وسورية بإيقاظ العصبيات التاريخية التي حللها ابن خلدون في مقدمته قبل سبعة قرون ولم يتوفر لنا بعد من يكتب الفصل الجديد منها لكي يتوقف تدفق القطيع التاريخي نحو المسلخ !؟

ويبقى السؤال: لماذا ينجح مواطننا عندما ينتقل إلى بلدان الغرب أكثر مما كا في بلاده؟! قد يكمن الجواب في تخففه من حمولة عصبياته التي كانت تبطئ تقدمه ونجاحه في بلاده، إلا الإسلاميين المتشددين الذين يقيمون في غيتوات منعزلة اجتماعيا بحجة الحفاظ على دينهم في بلاد الكفر!!

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة