الخميس, أكتوبر 6, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

طوق نجاة

هاشتاغ-نضال الخضري

كلما تعمقت الأزمة تزداد معها الشكوك بأساليبنا في الحياة، فالمسألة ليست في نسب التضخم فقط، ولا بالبيانات الحكومية والسياسات العامة، لأن عقدتنا المزمنة تتشبث بنا كي يبقى حلمنا في مكان آخر وواقع الحياة في دائرة مختلفة.

في بداية الحرب السورية كان من الطبيعي التفكير بأن طوق النجاة هو سلامة الوطن، لكن السلامة لا تعني أننا سنبقى على نفس تصوراتنا وسلوكنا العام، فانتهاء الحرب هي تشوهات اجتماعية وتناقضات تشكل “حربا” أخرى على جبهة جديدة.

في الحرب مهما كانت الانتصارات كبيرة فإنها تعني هزيمة سلوك سابق لبدء المعارك، وطوق النجاة الفردي في الهجرة أو الانفصال عن الوطن هو تعبير عن رفض تبديل الثقافة لما قبل الحرب، ومن حق أي شخص أن يفكر بخلاص فردي، وبأفق يعفيه من دفع ضريبة التشوهات الاجتماعية لمراحل ما بعد الحرب.

لكن المجتمع لا يستطيع الهجرة والنزوح، فهناك كتلة بشرية ستبقى عالقة في التحدي برغبة منها، أو لانعدام أفق الهروب.

نواجه في سوريا اليوم ما تسميه أدبيات الأمم المتحدة بـ”مرحلة التعافي”، وهي في الواقع فترة مراجعة الحسابات لمعرفة عملية الخروج من “تاريخ الأزمة”.

وبعيدا عن مصطلح “التعافي” الذي يبدو كمواساة لمعاناة أكثر عمقا من الحرب، فإن المواجهة مع العوز والفقر وقلة الموارد هي إبداع لأدوات جديدة، وربما سلوك استهلاكي وإنتاج مازال بعيدا عما يمكن ملاحظته في الحياة السورية، فالمجتمع لم يواجه “عقدة” ما بعد الأزمة، إنما ينظر إليها بأسى ويتابع التحول الدراماتيكي لانهيار أحلامه القديمة.

التحول للمواجهة مع النمط القديم للحياة السورية مازال ممكنا، ورغم عدم المبالاة العامة لانتخابات الإدارة المحلية على الأقل على مستوى السلوك العام لا تعني أن هذه الإدارة حالة عابرة، ففيها الكثير من التحدي المختلف عن كل سنوات ما قبل الحرب، لأنها تلوين مختلف للنظر إلى الاحتياجات المجتمعية، ولنوعية المسؤولية على المستوى الأكثر التصاقا بتفاصيل الحياة اليومية، فهذه التجربة القديمة بشكلها والمتجددة بضروراتها هي مواجهة فيما يسمى مرحلة التعافي.

قبل الحرب كانت الإدارة المحلية “حلقة” ضمن المركزية الإدارية، بينما اليوم يمكن أن تصبح دائرة التحول لتحدي كل ما أنتجته السنوات السابقة من تناقضات وتشوهات على المستوى الاجتماعي.

كما أنها يمكن أن تشكل “طوق النجاة” لتحويل السلوك الاجتماعي والسياسي من البحث عن دور في الأزمة إلى رسم تشابك المصالح بين المجتمعات المحلية والسياسات العامة، فالخلاص الفردي الذي أصبح أكثر تعقيدا لن يتيح للشرائح الاجتماعية المختلفة أي إمكانية لتجاوز “عقدة الحرب”، وما تركته داخل العلاقات في مختلف المستويات.

رحلة الإدارة المحلية ليست دخولا إلى مجال سياسي تقليدي، فهي تجربة معرفية للمجتمعات المحلية والعلاقات التي تجمعها بمصالح شوهتها الحرب، ويمكن أن تصبح خروجا عن المألوف في السلوك الاجتماعي إذا قررنا بالفعل أن نواجه معضلة رسم المستقبل.

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام
مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة