الثلاثاء, نوفمبر 29, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

المعضلة التركية

هاشتاغ-مازن بلال

لم تترك تركيا خلال سنوات الحرب السورية هامشا واضحا لأي ترتيبات إقليمية مشتركة، فالهدف الواضح لها منذ أن توسعت رقعة المعارك كان في إيجاد حزام أمني في مواجهة الأكراد، ويبدو أن كل الحديث عن التقارب بين دمشق وأنقرة هو ضحية انعدام الهامش السياسي بين الطرفين، فالمسألة لم تعد بإيجاد عوامل الثقة بقدر كونه البحث عن مخاطر بقاء العلاقات بين البلدين وفق صيغ الحرب التي كانت قائمة.

عمليا هناك ترتيبات تشير إليها التقارير الإعلامية توضح بإمكانية ظهور مسار سلمي بين البلدين، وهذا الأمر هو احتياج روسي – تركي بالدرجة الأولى بدأ منذ ظهور مسار استانة وتعمق مع نشوب الحرب في أوكرانية، فالضرورات الروسية في تطويق التحركات الأمريكية في سورية اقتضت ظهور علاقة بين روسيا وتركيا، ورسم مسار إقليمي في مواجه المسار الدولي في جنيف الذي يخضع لتوازن القوة مع أوروبا والولايات المتحدة، وبالفعل استطاعت لقاءات أستانه المتكررة من تقليص رقعة الحرب في سورية، وتجميد الجبهات التي انحسرت نحو بقع جغرافية يمكن لتركيا التحكم بها.

ما يحدث اليوم يطرح سؤالا أساسيا عن تزامن النفي السوري – التركي لأي لقاءات أو محاولات لتطبيع العلاقات، فالتسريبات الإعلامية هي مؤشر فقط عن وصول الاشتباك بين أنقرة ودمشق إلى نقطة حرجة؛ حيث لا يمكن لموسكو التحرك بفاعلية دون إنهاء بعض الملفات ومنها التوتر في سورية.

وفي المقابل فإن أنقرة التي تنتظر انتخابات خلال العام القادم تحتاج إلى ملف أساسي ضمن برنامج حزب العدالة والتنمية، ويظهر هنا ملف اللاجئين السوريين كورقة رابحة بدأتها بالتحديد بغزو جديد للشمال، ثم تطور الأمر إلى محاولة فتح هامش سياسي في مواجهة الأكراد كنقطة تلاق للمصالح مع دمشق.

ما تطمح إليه تركيا في محاولة فتح الهامش السياسي تبدده حاليا الصعوبات العسكرية في إدلب، وأشكال الميليشيات المنتشرة في الشمال السوري، والأهم قدرة أنقرة على خلق تصور جديد تجاه سورية يتجاوز طروحات “الحديقة الخلفية” التي أدت لسياسة “الوصاية التركية” وأنهت كل الهوامش السياسية بين البلدين، وما يحدث حاليا يشبه إلى حد بعيد “اتفاقيات الصلح” التي تعقب الحروب، وعلى الأخص الحروب الأهلية رغم أن العلاقة بين سورية وتركية إقليمية بامتياز، لكن التفكير بصيغة عدم وجود منتصر يحيل أي محاولة سياسية إلى صياغة اتفاقات تشبه نهايات الحروب الأهلية، حيث الملفات الأساسية “إنسانية” بالدرجة الأولى تتضمن أوضاع اللاجئين، ثم أمنية مرتبطة بالمليشيات التي نتجت عن الحرب سواء “قسد” أو جبهة النصرة أو غيرها.

ورغم اختلاف الأجندات السياسية والهوية الثقافية لهذه الميليشيات، لكن التعامل معها هو ملف واحد في مصالحة ممكنة بين دمشق وأنقرة.
بالنسبة لسورية فإن شكل السيادة على أراضيها هو المهم وهو ما يجعل الملفين السابقين ضمن تصور آخر، فحل الميلشيات على صعوبته لا ينهي مشكلة السيادة، وتجربة محافظة درعا تؤشر إلى أن الأمر يتطلب أكثر من مسألة تصفية الميليشيات، لأن هناك ضرورة لوجود مؤسسات قوية قادرة على حفظ الأمن والتنمية في آن.

التفكير بالهامش السياسي عند أنقرة هو اختراق بحد ذاته لكنه لا يشكل حلا حتى الآن، وهو يفترض مراجعة وقراءة لتفاصيل كثيرة في الأزمة لإيجاد تصورات جديدة للسلام الإقليمي والداخلي في سورية، فالمنطقة تحتاج لخفض التوتر إلى أقصاه في ظل احتمالات توسع الحرب الأوكرانية، وتتطلب أيضا توازنا جديدا بين دمشق وأنقرة يُمكن الحكومة السورية من بناء استراتيجيات على كامل الأراضي السورية.

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة