الإثنين, ديسمبر 5, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

أسرى الذاكرة

هاشتاغ-نبيل صالح

1

الذاكرة مجموعة بيانات لغوية ورياضية وأنت مجمل المعلومات والتجارب المدونة في ذاكرتك مضافٌ إليها بياناتك الوراثية، والتذكر هو مجرد استرداد سلبي للمحتوى الذهني المغلف من الأرشيف، بينما يشكل الخيال مساحة إبداعك وارتقاءك، ذلك أن غالبية الحيوانات والطيور تمتلك ذاكرة أيضا ولكنها لاتتطور، فالتقدم والتطور يأتي من تدفقات الخيال بالدرجة الأولى بينما التكرار من مدونات الذاكرة التي لايعول عليها، وهذا هو الفرق بين العقل المجدد والنقل المجمد. وعندما يتكلم العلماء عن الإنسان الآلي فإنما يتحدثون عن ذاكرة وليس إنسان، لأن الروبوت غير قادر على التخيل والإبداع.. من هذا الباب أقترح تخصيص ربع الساعة الأخير من كل حصة درسية للتخيل ضمن حيز عنوان الدرس المقرر، ذلك أن المعلومات تتقادم بمرور الوقت وتهترئ كثيابنا وأحذيتنا القديمة، وفقراء العقل يقومون بترقيعها وإعادة استخدامها، بينما تحريض الخيال يعطي للعقل دفقة من التجدد والاختلاف والثراء، بدلا من الحصول على نسخ متشابهة من الطلاب ضمن نظام تعليم تلقيني ينتج مواطنين وقادة ورجال دين سلفيين.. ففي الوقت الذي تعمل فيه مناهجنا التعليمية على الحفظ والنقل فإنها تحجّب الخيال وتمنع الخوض في اللا مفكر فيه، حيث ندلف إلى المستقبل من دون خطة، فنرتجل اليوم بذاكرة الأمس، ونرتكب الكثير من الأخطاء والعثرات كأنما نراوح في مكاننا!؟

2

أذكر مرة أني قلت لوزير الدفاع العماد مصطفى طلاس على مائدة العشاء في بيته، أن حزب البعث بات حزباً سلفياً جامداً لايتجدد، مع أن مقدمة نظامه الداخلي تقول أنه حزب انقلابي! فابتسم وقال: “لايمكن لمجتمع منغلق أن ينتج حزبا تقدميا”، وهذا ينسحب على بقية أحزاب الجبهة التي كانوا يصفونها بالتقدمية ، لهذا كنا ومازلنا نقول أن الثورة تكون داخل الرؤوس وليس بين الأرجل..

أيضا تكرر مثل هذا الحديث مع اللواء ناجي جميل عضو القيادة القطرية لحزب البعث وقائد القوى الجوية في حرب تشرين، وكان حليفا وصديقا للرئيس حافظ الأسد رحمهما الله، حيث التقيته في بيته بحي المالكي بطلب منه، وحين دخلت إلى قاعة مكتبته الضخمة، تذكرت رواية ماركيز ” ليس لدى الجنرال من يكاتبه” بعدما رأيت صورته بالنياشين العسكرية تغطي كامل جدارالقاعة، كتعويض عن النسيان الذي تركته فيه القيادة بعد تقاعده.. خلال تفحصي لمكتبته وتأكيده بأنه قرأ الكثير منها، سألته: بعد قراءاتك هذه، لو عاد بك الزمن إلى أيام سلطتك، هل كنت لتغير في قراراتك وسياستك؟ أجاب بالتأكيد، فالزمن كفيل بكشف أخطاء الأمس، ولو كانت لدينا قدرة على تخيل المستقبل لما ارتكبناها..

وفي الواقع فإن العديد من مسؤولي حزب البعث، وزراء وجنرالات، كانوا يزوروني في مكتب جريدة “الجمل” بعد تقاعدهم، وكانت تجري حوارات مشابهة تدل على إدراكهم لحكمة الزمن بعد فوات فرصة التغيير، غير أن جملة ناجي العطري رئيس الوزراء الأسبق كانت الأبلغ إذ قال لي: السلطة حجاب.. والواقع أن كل القيادات البعثية والشيوعية والقومية السورية والناصرية كلاسيكية محافظة تنفر من مثقفي الحداثة ومفكريها، وقد فرّ الكثير من المفكرين السوريين من أحزابهم لأن خيالهم تجاوز محفوظاتها: فقد فر ياسين الحافظ صاحب المنطلقات النظرية من البعث، والياس مرقص من الشيوعي، وأدونيس من القومي السوري، وغيرهم الكثير، لأن هذه الأحزاب كانت قبعة ضيقة على خيالهم..

3

في هذه اللحظة وأنا أكتب مقالتي هذه أسمع من المدرسة المجاورة النشيد الوطني عند مقطع: “نفوس أباة وماض مجيد” ومقطع” ومنا الوليد ومنا الرشيد”، فأنتبه إلى أن كل ما نفخر به موجود الآن في المقبرة حيث ترقد عظام السلف الصالح، يقابله استخفاف عام بالحاضر وكائناته، رغم أنها تتفوق على أسلافها بالعلم والخبرة والإنتاج !؟ فنحن نعتمد نظام الاسترجاع والمراجعة، في نهج قادة الأوقاف، وأحزاب الجبهة، والمناهج التربوية التي تشكل حمولة زائدة تؤخر عبورنا إلى المستقبل، فهي مؤسسات نقلية تحتاج إلى تفعيل خيال جمهورها أكثر من استرجاع ذواكرهم، كأن نطلب من المشايخ أن يتخيلوا أن السلف الصالح يعيشون معنا اليوم ، ما هو حجم التغيير الذي سيقدمون عليه وهل سيستمرون بركوب الناقة وأكل التمر والثريد وقتل الكافرين أم أنهم سيقومون بمحو مالا يلائمهم من هذه الذاكرة ؟ ولو أن مؤسسي الأحزاب السورية الكلاسيكية قاموا من مراقدهم وتبينوا أسباب فشل الأحزاب اليسارية والشوفينية التي استنسخوها، فما هو التغيير الذي سيقومون فيه داخل أحزابهم؟ فنحن نعيش في وطن يشبه المتحف: كل شيء فيه قديم وغال ونفيس وجامد ولكن أحدا لايرغب بالسكن والعيش فيه ..

4

كل اختراع اليوم كان تخيلاً بالأمس: السيارة والطيارة والقمر الصناعي والفياغرا والأثداء التي لاتترهل ومكتبة “غوغل” المجانية، فالله هو الزمن وعبادته تعني التدفق معه، وعندما لاتفعل فإنك تكفر بنعمة عمرك الذي وهبه لك.. وأنا أرى أن من لايملك مخيلة فاعلة ومتجددة ليس أكثر من روبوت يحمل شهادة تعليم ولاتنطبق عليه صفة إنسان.. وكم نلتقي بروبوتات في الحكومة والحزب والأوقاف والمعامل والمزارع والأسواق، وهم جيدون للإنتاج فقط مثل الدجاجة والبقرة والنحلة ، ذلك أن السلطات السياسية العربية كما الدينية تفضل الروبوتات المبرمجة على المبدعين، حسب تاريخ المداجن الوطنية غير المدون !؟

هامش 1: قبل ثلاثة عقود كنت شابا منتفخا بانتماءاتي العائلية والدينية والقومية، ثم صدف أن أطلق بعض المغفلين الرصاص عليّ وجهاً لوجه، ولم أُصب ولكن في تلك اللحظة انفتح في رأسي ثقب للمخيلة حررني من كل أورام ذاكرتي، فكانت هذه الرصاصات أفضل ما حصل لي في حياتي، فقد حولتني إلى كاتب ووجب عليّ شكر قاتلي!

هامش 2 : قبل الحرب وتحديداً في العام 2008 نشرت على موقعي “الجمل” مقالة ساخرة لم أعد أذكر عنوانها، تخيلت فيها أن أنجيلينا جولي قائدة حزبية ذهبت في جولة اطلاعية إلى الرقة، وفي نهاية الجولة ألقت كلمة في قاعة فرع الحزب بالمدينة، وكنت قد جمعتُ في كلمتها النضالية كل الجمل الجاهزة التي كان يكررها الرفاق في خطاباتهم المملة وتنشرها صحفنا الرسمية ولايقرؤها أحد، أي أني جمعت الذاكرة الخطابية بشكل كوميدي، وعندما استغرب أمين الشعبة من صمت القاعة فتح الباب وسأل الرفاق: ليش ماعم تصفقوا للرفيقة أنجيلينا !؟ فأجابوه: إيد وحدة مابتصفق يارفيق… طبعا كان قصدي من المقالة أن يتوقف قادة الحزب عن التكرار ويستخدموا مخيلتهم، فكانت النتيجة أن أوصلتني مخيلتي إلى مضافة فرع المعلومات بأمن الدولة، بعد حذف المقالة طبعا..

مراجع تم الاستئناس بها:
ـ التخيل : جان بول سارتر ـ ترجمة: لطفي خير الله
ـ الذاكرة في الفلسفة والأدب: ميري ورنوك ـ ترجمة: فلاح رحيم

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة