الإثنين, ديسمبر 5, 2022
spot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةالواجهة الرئيسيةزواج الطوائف في سوريا.. النساء هن المضحيات

زواج الطوائف في سوريا.. النساء هن المضحيات

هاشتاغ _ إيفين دوبا

“أهلي ما رح يقبلوا فيكي بدون حجاب”. عندما سمعت نور (29 عاماً)، هذه الكلمات من خطيبها المستقبلي كادت أن تفقد أي أمل في الزواج به بعد قصة حب دامت أربعة أعوام.

ونور فتاة سورية من طرطوس الساحلية. ارتبطت بعلاقة حب بهدف الزواج، مع “عمر” المتحدر من أسرة محافظة تعيش في العاصمة دمشق.

تعرفا وأحبّا بعضهما في فترة الدراسة الجامعية. لكن بعد وصولهما لمرحلة الخطوبة والزواج اصطدما بواقع اجتماعي يصعب تجاوزه بسهولة.

تقول نور: “الحقيقة، لم أتوقّع يوماً أن يكون ارتداء الحجاب شرطاً للزواج من عمر. لم نتطرق للحديث في الموضوع خلال فترة ارتباطنا. كان يعلم أنّ الحجاب غير وارد في طائفتنا”.

وتستدرك: “لكني ارتديته وفق رغبته، ولم أخلعه من منذ ذلك اليوم. كان حلمي أن أتزوج به. بالنسبة لي لم تكن التفاصيل مهمة”.

قصة نور وعمر ليست الوحيدة في سوريا؛ ثمة العديد من القصص المشابهة، لا سيما بعد اندلاع الحرب في البلاد عام 2011 وما رافقها من تدفق موجات نزوح وتهجير أسفرت عن جوانب إيجابية رغم درامية المشاهد والظروف المريرة.

نزوح واختلاط

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه بحلول نهاية عام 2020 وصل عدد النازحين داخلياً في سوريا إلى 6.7 مليون شخص بزيادةٍ قدرها نحو 300,000 شخصٍ منذ بداية العام نفسه.

ويقدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن نحو 448,000 نازحٍ داخلياً قد عادوا إلى المناطق التي يتحدرون منها في عام 2020، وهو عدد أقل بشكلٍ طفيف من الـ 494,000 شخص الذين أفيد عن عودتهم في عام 2019.

وشكل هذا الوضع مع تغير مناطق السكن واقعاً جديداً زاد من اختلاط الناس واحتكاكهم ببعضهم البعض أكثر من ذي قبل، ونتجت جوانب اجتماعية مختلفة منها زواج الطوائف.

وبالرغم من أن هذا النوع من الزواج كان موجوداً في البلاد على نطاق ضيق، إلا أن الوضع الجديد فرض نوعاً من تجاوز محظورات اجتماعية ودينية على نطاق أوسع.

وحملت الروابط الجديدة بسبب “الزواج” تغيرات جديدة أيضاً، مثل ضرورة الاندماج في بيئة الطرف الآخر.

وكان لاختلاط النازحين السوريين مع المجتمعات المحلية المستضيفة دور في تبدد أفكار التشبث بالعادات والتقاليد، فيما يخص الزواج تحديداً، وأصبح معها من الممكن تقبّل المجتمع زيجات من أديان وطوائف مختلفة.

لكن هذه الزيجات بحسب تقاطع شهادات استلزمت تغييراً من قبل أحد الطرفين لعاداته. وكانت في الغالب من قبل النساء “المضحيات”.

ورغم ذلك منيت بعض الزيجات بالفشل وانتهت بطريقة درامية بسبب تجذر بعض العادات الاجتماعية والدينية، وصعوبة تجاوزها.

لكن ماذا حل بقصة نور وعمر؟

تزوجت نور من عمر منذ عامين، لكن قبل ذلك استغرقت عملية إقناع عائلتها بارتدائها الحجاب بهدف الزواج عاماً كاملاً، تخلله مشكلات تجاوزتها بصعوبة.

والآن تعمل نور وزوجها في مكتب للسياحة والسفر، ويقطنان في العاصمة دمشق. لكنها تتردد في الأعياد والمناسبات إلى قريتها دون مرافقة عمر.

تقول لـ”هاشتاغ”: “أنا من عائلة شيوخ، من علماء الطائفة العلوية. لم تمانع عائلتي فكرة حجابي. لكن لديهم تحفظات على حضور زوجي المناسبات والأعياد الدينية الخاصة بالطائفة”.

وعلى مدى عامين، استمرت نور بعد زواجها بحضور الأعياد الخاصة بطائفتها، لكن عدم تواجد زوجها أحزنها فبدأت مؤخراً بتخفيف زياراتها لأهلها وحضور مناسباتهم.

ومقابل ذلك تقول المرأة إنها لم تترك مناسبة خاصة أو عامة لعائلة زوجها إلّا وحضرتها، دون قيود: “أنا الآن محجبة ولا يميزونني عن البقية. أحضر كل المناسبات مع زوجي وابنتي”.

ومنذ زواجهما دارت بينهما العديد من النقاشات الدينية، تقول نور: “تمكنت من الاندماج فوراً، فأغلب الطقوس أعرفها من موالد دينية وطريقة حفلات الزفاف غير المختلطة، وعدم جواز استقبال أحد من أبناء عمومتي دون وجود زوجي في المنزل”.

زيجات بدون إحصاءات

لا تفصح الجهات الرسمية عن أعداد الزيجات من طوائف مختلفة. لكن المعطيات غير الرسمية تفيد بارتفاع ملحوظ في نسب هذا النوع من الزواج.

مقابل ذلك تفيد آخر إحصائية لوزارة الشؤون الاجتماعية السورية، بأن أكثر من ثلاثة ملايين فتاة عازبة تجاوزن سن الثلاثين. في حين تقول مصادر في الوزارة إن نسب “العنوسة” بلغت 70 بالمئة في البلاد.

وإضافة إلى أسباب هجرة الشبان ومن قضوا خلال الحرب فإن المحظورات الاجتماعية والدينية والقانونية ما تزال تحول دون القبول بزيجات الطوائف واختلاف المعتقدات بالرغم من ارتفاع نسبة المتجاوزين لها.

وبالرغم من نحاج تجربة نور وتمكنها من التأقلم مع وضعها الاجتماعي الجديد، إلا أنه ثمة العديد من التجارب التي منيت بالفشل مثل تجربة “هيام” (45 عاماً)، وهي سيدة تنحدر من مدينة جبلة الساحلية.

لكن فشل تجربة زواجها من طائفة مختلفة لم يكن بسبب اختلاف المعتقد فقط، بل أضافت إليها الحرب والموقف السياسي مشكلات مركبة انتهت بالانفصال.

تروي هيام لـ”هاشتاغ” تجربتها: “تزوجت منذ عشرين عاماً، أي قبل نشوب الحرب. حاولت الاندماج مع أهل زوجي الذين يعيشون في درعا، وانقطعت علاقتي كلياً بأهلي في مدينة جبلة”.

وتضيف: “رغم التفاهم الذي كان سائداً في علاقتي بزوجي إلا أن الأفكار السياسية التي عبر عنها مع اندلاع الاحتجاجات في درعا لم أستطع تقبلها”.

في هذه الأثناء اختارت “هيام” الفرار مع أودلاها إلى جبلة، حيث أهلها وهناك “خلعت الحجاب أنا وبناتي الأربعة”.

والآن تصر “هيام” على فكرة تزويج بناتها من أقاربها في قريتها: “أريد حمايتهن هنا معي من كل شيء. لا أرغب أن يتنازلن عن أي شيء مهما كان”.

حب وندم

في قصة شبيهة بسابقاتها مع اختلاف في جانب المعاناة أكثر، تقول آلاء (24 عاماً) إنها قوبلت بجفاء عائلتها بعد ارتباطها وزواجها بشاب مختلف عنها في الدين، تقول: “لم أر عائلتي، منذ سنوات. لقد تخلّوا عني. ذنبي أني هربت مع شاب مسيحي من حمص وتزوجته.”

عندما فرت آلاء مع الشاب إلى لبنان كانت تبلغ 18 عاماً، ورغم مرور نحو ست سنوات على زواجها إلا أنها لم تحظ بقبولها من عائلتها، وتضيف بحزن: “حرمت من رؤية أبي وأمي”.

وتقول إنها تفكر كثيراً بوضع ابنها (خمس سنوات) لأنها لا تستطيع تسجيله رسمياً في سوريا، وكثيراً ما ينتابها الشعور بالندم، “لو عاد بي الزمن لما فعلت. خسرت عائلتي وربما أخسر كل من أعرفهم في سوريا”.

ويمنع القانون السوري إبرام بعض أنواع عقود الزواج المختلط، وخاصة زواج المسلمة بغير المسلم كما في حالة آلاء. فتنصّ المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية السوري على أن زواج المسلمة بغير المسلم باطل ويعتبر الأطفال المولودون عن علاقة مماثلة غير شرعيين.

وكذلك يمنع زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية.. أمّا غير الكتابية كالمرأة من طائفة الموحدين الدروز فيُطلب منها وثيقة إشهار الإسلام لكي تستطيع عقد قرانها مع رجل مسلم.

المرأة أكثر تضحية

في حديثها حول هذه الزيجات ركزت الأخصائية الاجتماعية والنفسية، روان قطيفاني، على فكرة أنّ المرأة تضحّي أكثر من الرجل في العلاقة الزوجية.

وترى الأخصائية النفسية أنّ الرجال عموماً لديهم انتماء لأسرهم أكثر من المرأة التي تسعى إلى تغيير كبير في عاداتها والتخلي عنها في سبيل الاندماج مع بيئة أخرى مختلفة تماماً.

وتقول قطيفاني، إنه رغم تنازل معظم النساء عن الكثير من الموروثات الاجتماعية والثقافية في البيئة التي ولدن فيها، إلا أنّهن يعشن صراعاً كبيراً خلال “مرحلة التنازل”.

لكنها تصرّ على فكرة أنّ “الشريك في حال كان داعماً فإنّ التنازل يكون سلساً”.

ومن وجهة نظر قطيفاني، فإنّ الزواج بين بيئتين مختلفتين يحتاج أن يكون الشخص واعياً بعادات الطرف الآخر، وتقول: “يجب على الشريكين أن يكونا داعمين لبعضهما خلال العلاقة”.

هذه المرونة تحدثت عنها دلال ( 45 عاماً): “أنا من عائلة محافظة جداً بريف دمشق، وزوجي من ريف طرطوس، هذا ما أثار قلق أهلي، قالوا لي إنهم سيجبرونك على خلع الحجاب، وأن عاداتهم مختلفة عن عاداتنا، وبالتالي سأعاني”.

تقول المرأة: “لم يطلب زوجي مني خلع الحجاب أبداً، لا يتدخل في معتقداتي، كما أتجنب الدخول معه في نقاشاته الدينية”.

وتضيف: “سابقاً كان الزواج بين شخصين من طائفتين مختلفتين أكثر صعوبة من الآن. ومع ذلك لم أواجه ما تتحدث عنه كثيرات حول معاناتهن”.

http://لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة