الخميس, ديسمبر 8, 2022
spot_imgspot_imgspot_img

جزئيات غير مرتبة

هاشتاغ-رأي- نضال الخضري

هناك ما يجعلنا في دوامة فوضى فنحاول عبثا إعادة صياغة بعض الجزئيات التي تبدو أكثر عمقا، فتذهب بنا نحو مسارات من العبث وسط حدث لا يبدو في الوهلة الأولى سوى فرح لطفلة استطاعت كسر دائرة الحرب.

 

لكن في نفس الوقت ينقلنا هذا الحدث باتجاهات تقدم صورا لتناقضات ومفارقات نخلقها بأنفسنا، ونجعلها ضمن السرديات التي تدفعنا إلى مزيد من العبث، فالحدث العادي يبدو دائرة لخلق الافتراضات أو لجعل الألوان متضاربة وصارخة؛ تعيد إعادة رسم المساحات حولنا بشكل متناقض.

 

في سردية الطفلة شام بكور ونجاحها في مسابقة القراءة مجال آخر أمام السوريين، فالترميز الذي حملته ينقل صور الحرب وربما شكل العائلة وسط الحرب واقتسام المدن والأفكار وحتى العواطف.

 

اجتاحت الحرب كل ألوان المسؤولية التي كان من المفترض أن تشكل “مركزية الأسرة” التي كانت جزءا من الاهتمام الرسمي، وفوز شام الذي يعود لوالدتها يطرح صورة العلاقات التي أوجدتها المعارك، فتبدو سردية الطفلة ضمن التناقض الذي يريد الجميع الغوص فيه، ويحاولون ترتيب ما يحدث وفق رواية الحرب التي انتهكت كل الأحلام القديمة.

 

وكما فتحت “شام” كل مفارقات الحرب على مستوى العلاقات، فإنها وضعتنا أمام تصورات متباينة لتكوينات سورية في أصغر مكون لها، فنحن أمام النهايات لحرب ربما لا تشبه السوريين الذين أشعلوها، ونحتوا أقسى حالة تاريخية في كسر العلاقات الاجتماعية التي مهما كانت مهترئة لكنها أفضل من عدم الوصول إلى سلام داخلي.

 

التصورات المتباينة التي رافقت فوز شام ووصولها لسورية، والاحتفاء الذي خلق زوبعة أحاديث وإشاعات، نقلت لنا حجم عدم القدرة على خلق بداية لما بعد الحرب، ولاعتبار أن أي فوز يمكن أن يجعلنا قادرين على التفكير من جديد.

 

العائلة السورية اليوم تشبه “الثرثرة” التي رافقت الطفلة التي حملت الفوز بمسابقة القراءة، فهي عائلة روايات لا تنتهي تخفي في تفاصيلها الهروب من مسؤوليات متراكمة على حساب التفسيرات الهوائية، التي دفعت الكثيرين إلى نسيان أي حالة اجتماعية لصالح الهجرة أو الافتراق أو حتى التسيب من الشأن العام، فنحن على ما يبدو قادرين على كتابة تهويمات مختلفة تذهب بنا خارج النتائج التي نعيشها، وتنسينا أن الحياة ليست سفرا مستمرا خارج المجتمعات، بل هي مسارات بناء ذاتي ينتج في النهاية السردية الجامعة.

 

هل علينا تقديم شكر جديد يُضاف إلى همروجة الاحتفاء بالطفلة شام؟

شكر لأنها ذكرتنا بحجم الفوضى التي تحيط علاقاتنا الأسرية التي انعكست سرديات حول فوزها فظهرت خلفيات لحياتها وقصص عن جيل الحرب، ولكنها في النهاية تطرح مقاربة العلاقات الاجتماعية التي فقدناها ربما قبل الحرب، وجعلتنا نرسم كل المواجهات خلال الأزمة وفق ما نتخيله أو ما نتوهم أنه الحقيقة التي يجب أن تتحقق.

 

ما بعد الحرب حالة لا يمكن اختصارها لأنها مست حالة “التماس العائلي”، فكونت علاقات متبدلة وغير قادرة على كتابة حالة أمان عامة، فنحن أمام جيل يسبح في السرديات التي تتناول جذور الأزمة كما تتناول أي حدث يخترقنا فجأة، ورغم عدم ضرورة ظهور سردية واحدة لكن المهم أن لا تصبح الرواية مهما كانت أهم من قدرتنا على تكريس وجودنا.

 

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام

مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة