السبت, فبراير 4, 2023
spot_imgspot_imgspot_img

إنها الحرب..

هاشتاغ- نضال الخضري

تعبر أحاديث الانفراجات في سورية كبقعة ضوء ضائعة، وتبقى الأنظار تائهة وراء تصورات لأمل لا نملك منه سوى التحليلات، أو صور من الأخبار للقاءات وتكهنات تنسى بأن زمن الحرب عندما ينتهي يبدأ معه عالم مختلف، وحياة لا يمكنها السير مع “الانفراجات” إنما مع الواقعية التي تفرضها الحرب، فتكسر آمال الماضي وتترك للأجيال بناء آمال حديدة.

ربما نتأسف على أزمنة رحلت أو وجوه كنا نأمل أن تبقى معنا، لكن الحياة القاسية التي تحيط بنا لا يمكن العيش فيها مع الأسف، أو توهم أن صمت المدافع سيعيد عقارب الساعة إلى ما قبل آذار 2011، فالحرب ومهما اختلفنا حول نوعها تصبح في النهاية قدرا للتحول، ومساحة على بشاعتها تسمح لنا بخلق التجربة التي لم نخوضها بعد، بينما يصبح الركض وراء “الانفراجات” محاولة لتحميل السياسة فوق طاقتها.

في كل التفاصيل التي نعيشها تلاحقنا لعنة الماضي، وأوهام الفردوس المفقود الذي يحمل في ثقافتنا عمقا، وتصبح “الانفراجات” مخلصا يشكل مقاربة مع المرويات القديمة التي تنتظر نهوضا لا يملك أي ركيزة سوى القناعة بأنه قادم، ويظهر المستقبل تكرارا للزمن البدئي ولكن بسيناريو معاصر، فهل غلفت الحرب العقول وتركتنا أمام كل ما علق بنا من تراث قديم؟

“الانفراجات” هي حدث ضمن زمن ما بعد الحرب، وهي لا يمكنها أن تصبح مستقبلا مطلقا يرمم الأحلام أو يعيد كتابتنا بعد حذف زمن الحرب، فـ”الانفراج” هو محاولة لخلق نقطة بداية ولا يمكنه أن يصبح “استراتيجية نهوض”، والأزمة السورية لا تحتاج لتعافي بل لكسر كل احتمالات بقاء التفكير القديم، فما سيحدث مستقبلا لا يرتبط بعودة السفارات العربية والأجنبية، أو بالرهان على لون قادم من المجهول ينقذ الاقتصاد المتعثر، القادم هو عودتنا لذاتنا كمجتمع يستطيع وسط التعثر إيجاد سبل إنتاج، ويبني على أكوام الفقر المزروعة في كل شارع بوابة لعمل لا ينهي الفقر لكنه يجعله أقل قسوة، ويحرره من زيف التعلق بالانفراجات.

“التعافي المبكر” ليس مصطلحا اقتصاديا بل طريقة تفكير لاختراق العجز الذي تفرضه “منظومة” ما بعد الحرب، وهذه المنظومة ليست “فسادا” أو “تجار أزمة” فقط بل أيضا هي وهم الوصول إلى حلول عبر قرارات رسمية، أو تكهنات منشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعية، فحجم الكلام بأزمتنا تجاوز كل الحدود، وعناية “المنظمات الدولية” بها أوجدت أكواما من الحلول تضاهي الفقر المزروع على طول سوريا.

هناك غلاء سيستمر، ومساحة تحرك محدود لتجاوز الفقر، وسيبقى الكثير من المحللين الاقتصاديين، وربما رجال الأعمال” يظهرون ليرسموا أملا يحاكي طموحهم، و “الانفراج” الوحيد سيظهر فقط في التفكير بأننا سنفهم بأن الحرب تترك أثرا مؤلما لكنه يحتاج لتجاوز الأوهام التي رسمتها الحرب، والتفكير بأن أي واقع يمكن أن يصبح مكانا لبناء جديد، ولأحلام للمستقبل إذا استطعنا التحرر من سطوة ما خلفته الحرب في عقولنا.

لتصلك أحدث الأخبار يمكنك متابعة قناتنا على التلغرام
مدونات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر قراءة