هاشتاغ - ترجمة
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في بيروت ودمشق الشهر الماضي، سلّمت السلطات السورية لنظيرتها اللبنانية قائمة تضم أسماء نحو 300 ضابط وعسكري من النظام السوري السابق، طالبة نقلهم إلى سوريا.
تضمّنت القائمة معلومات دقيقة عن أماكن إقامة الضباط، وتحركاتهم، وأرقام هواتفهم، ما وضعهم تحت مراقبة مشدّدة من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه لبنان اختباراً سياسياً وقانونياً بالغ الحساسية، يجمع بين الالتزامات القانونية الداخلية والضغوط السورية والمصالح الدولية في ملاحقة شخصيات من النظام السوري السابق.
وقد أثار هذا تساؤلات حول ما إذا كانت بيروت ستستجيب للطلب السوري أم ستترك مصير الضباط معلّقاً في ظلّ التوازنات السياسية والأمنية الدقيقة.
يقول الخبراء إن هذه القضية أصبحت من أكثر القضايا تعقيداً، حيث تخضع لمراقبة أمنية واستخباراتية دقيقة لمنع أي تداعيات أمنية أو سياسية داخل لبنان، لا سيما وأن بعض الضباط يحملون إقامة قانونية، مما يزيد من تعقيد أي قرار بشأن تسليمهم.
"حزب الله" بنى مخيماً سكنياً كبيراً محاطاً بجدار خرساني عال في منطقة الهرمل لإيواء ضباط وأفراد سوريين
المشاكل الرئيسية الثلاث
في هذا السياق، قال نبيل الحلبي، المحامي اللبناني والرئيس التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط للسياسات ودراسات المستقبل في إسطنبول، لـ موقع "ذا ميديا لاين" الأمريكي، إن قضية الضباط السوريين في لبنان لا تنفصل عن المشاكل الرئيسية الثلاث التي تعيق تطور العلاقات بين بيروت ودمشق في مرحلة ما بعد الأسد.
وأشار إلى أن الجانب اللبناني يُصرّ على الحصول على تفويض قانوني وموافقة قضائية لتنظيم عمليات التسليم - باستثناء حالات السجناء المتهمين بالقتال ضد الجيش اللبناني - على الرغم من أن السلطات اللبنانية، على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، سلّمت أعضاء من المعارضة السورية إلى نظام الأسد السابق رغم اعتراضات منظمات حقوق الإنسان الدولية.
وأضاف أن المؤسسة العسكرية اللبنانية، بما فيها المحكمة العسكرية وبعض الأجهزة الأمنية، كانت خاضعة لنفوذ "حزب الله" خلال تلك الفترة، مما أضفى "طابعاً سياسياً وانتقامياً على بعض الأحكام الصادرة ضد المعارضين السوريين"، وفق تعبيره.
أما القضية الثانية، التي وصفها الحلبي بأنها الأخطر، فهي فرار مئات القادة والضباط والعسكريين وأفراد الأمن السوريين إلى لبنان عقب سقوط النظام السابق.
وأكد أن بعضهم مدرجون على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية ومطلوبون لدى الإنتربول، وأنهم، إلى جانب ممولين من فلول النظام، استخدموا الأراضي اللبنانية "قاعدة لزعزعة استقرار سوريا"، لا سيما على الساحل السوري وفي محافظة حمص، على حد زعمه.
وأضاف الحلبي أن السلطات اللبنانية على علم بوجودهم، وأن بعض رجال الأمن اللبنانيين سهّلوا دخولهم ووفروا لهم الحماية مقابل المال، بينما لجأ المقاتلون إلى مناطق خاضعة لنفوذ "حزب الله".
في هذا السياق، أشار مصدر أمني سوري، تحدث إلى "ذا ميديا لاين" شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إلى تقارير تفيد بأن "حزب الله" بنى مخيماً سكنياً كبيراً محاطاً بجدار خرساني عال في منطقة الهرمل لإيواء ضباط وأفراد سوريين سابقين مع عائلاتهم.
وأوضح المصدر أن النفي اللبناني المتكرر لوجود أفراد مطلوبين دولياً على أراضيه يتناقض مع الأدلة الإعلامية والقضائية، بما في ذلك مقابلة صحفي أمريكي مع بسام الحسن، المدرج على قائمة العقوبات الأمريكية والمتورط في اختطاف الصحفي الأمريكي أوستن تايس، من شقته في ضاحية بيروت، وفقاً لما نقله الموقع الأمريكي، أول أمس الثلاثاء.
كما أشار المصدر إلى طلب فرنسا الأخير بتسليم اللواء جميل الحسن، المدير السابق لمديرية المخابرات الجوية السورية. ونفت السلطات اللبنانية معرفة مكانه.
وحظيت قضية عودة الضباط السوريين من لبنان باهتمام دولي في 3 تشرين الثاني /نوفمبر 2025، عندما تلقت السلطات اللبنانية طلباً قضائياً رسمياً من فرنسا للتحقق من وجود مسؤولين سابقين في النظام السوري على الأراضي اللبنانية، واعتقالهم، وتسليمهم إلى المحاكم الفرنسية في إطار تحقيقات في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وتشمل هذه القضايا وفاة مواطنين فرنسيين أثناء احتجازهم في سوريا. وأكدت مصادر مطلعة أن التحقيقات تضمنت تتبع أماكن إقامة المسؤولين وتحركاتهم واتصالاتهم، مما يُبرز الطبيعة الدولية المعقدة لهذه القضية.
ولا يزال مصير الضباط السوريين السابقين في لبنان معلقاً بين اعتبارات قانونية وسياسية، وضغوط سورية، ورقابة دولية، مما يجعل هذه القضية من أكثر القضايا حساسية واستراتيجية في العلاقات اللبنانية السورية اليوم، ويضع بيروت أمام خيارات مصيرية ستحدد شكل علاقتها المستقبلية مع دمشق.


