هاشتاغ
بحث

"الصندوق الأسود" … كيف أصبحت هيئة المنافذ البرية والبحرية أقوى من الدولة؟

24/11/2025

هيئة-المنافذ-البرية

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص



أصدر الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، مراسيم رئاسية بإحداث الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، وتعيين رئيسها ومعاونيه، لتصبح هيئة مستقلة مالياً وإدارياً.


وجاء في المرسوم رقم (244) لعام 2025، أن الهيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، ويكون مقرها مدينة دمشق، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا).


وفي أعقاب صدور المرسوم، أصدر الشرع المراسيم المكملة لتعيين قيادة الهيئة، حيث تم تعيين قتيبة أحمد بدوي رئيساً للهيئة العامة للمنافذ والجمارك بمرتبة وزير، وعُين خالد محمد البراد معاوناً لرئيس الهيئة لشؤون الجمارك، وأحمد علي مصطفى معاونًا لرئيس الهيئة للشؤون البحرية.

فوق الوزارات والقوانين..


في الأيام الأخيرة لحكومة ما بعد سقوط نظام الأسد (حكومة الجلالي) وتحديداً بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2024، أُنشئت "الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية" بقرار إداري سريع هو القرار رقم 4، قبل أن تُلحق مباشرة برئاسة الجمهورية بعد صدور الإعلان الدستوري في آذار/مارس 2025. ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت الهيئة عملياً إلى أعلى سلطة اقتصادية – مالية داخل سوريا الجديدة، متجاوزة الوزارات، والقوانين، وهياكل الرقابة التقليدية.


لم تكن الهيئة مجرد جهة تشرف على المعابر؛ بل تم سحب مؤسسات كاملة من وزارات النقل والاقتصاد والصناعة والمالية ووضعها تحت إدارتها المباشرة، بدءا بشركة مرفأ طرطوس، شركة مرفأ اللاذقية، المديرية العامة للموانئ، المؤسسة العامة للنقل البحري، شركة التوكيلات الملاحية، مرورا


بالمؤسسة العامة للمناطق الحرة، وصولا إلى مديرية الجمارك العامة – الشريان المالي الأهم للدولة.


بهذا الحجم من الصلاحيات، أصبحت الهيئة دولة داخل الدولة، تتحكم بالحدود، المرافئ، والجمارك، وبعشرات المليارات من الليرات والدولارات، من دون أي سقف رقابي فعلي، ومن دون قانون خاص ينظم توسّعها السريع والمريب.

ثمة رسالة خرجت للسوق، مفادها أن الليرة غير موثوقة، وأن الدولة نفسها لم تعد تعتمدها

نظام تعرفة جمركية بالدولار… بلا قانون ولا شفافية


في 11 كانون الثاني/يناير 2025، أصدرت الهيئة تعرفة جمركية جديدة شملت 6 آلاف سلعة. لكن الصدمة كانت في قرار استيفاء الرسوم بالدولار حصراً، دون أي تعديل قانوني، ودون العودة إلى قانون النقد الأساسي، أو الجمارك، أو التجارة الداخلية، وجميعها تؤكد أن العملة الوحيدة المسموح التعامل بها داخل الحدود هي الليرة السورية.


وبهذا القرار، أصبحت هيئة المنافذ أوّل مؤسسة حكومية في سوريا تشرعن التعامل بالدولار من خارج أي إطار دستوري أو تشريعي، فاتحة الباب أمام ظاهرة “الدولرة” التي ستتوسع لاحقاً في السوق، وفي القطاعات الخدمية، وفي السياسات الحكومية نفسها.


ثمة رسالة خرجت للسوق، مفادها أن الليرة غير موثوقة، وأن الدولة نفسها لم تعد تعتمدها، وأن الدولار أصبح عملة التعامل الحقيقيّة في المنافذ والمعابر والمرافئ.


ومع أن القوانين النافذة واضحة مئة بالمئة، ولا تتضمن حرفاً واحداً يسمح بالتعامل بغير الليرة، واصلت الهيئة استيفاء الرسوم بالدولار، بل واحتفظت بالمال بعيداً عن وزارة المالية.

ما يجري هو "إدارة صندوق مغلق" خارج الخزينة العامة، يُحوِّل ما يشاء ويحتفظ بما يشاء

صندوق بلا أبواب.. أين تذهب الأموال؟


منذ إصدار التعرفة الجمركية الجديدة، لم تُفصح الهيئة في أي تقرير أو بيان رسمي عن، حجم الإيرادات الشهرية أو السنوية،


أو حجم الأموال المحوّلة لوزارة المالية (إن حُوّلت أصلاً)، أو الحسابات المصرفية التي تُودَع فيها هذه الأموال، أو طبيعة صرفها.


مصادر اقتصادية مطلعة تؤكد لهاشتاغ، أن ما يجري هو "إدارة صندوق مغلق" خارج الخزينة العامة، يُحوِّل ما يشاء ويحتفظ بما يشاء، فيما وزارة المالية نفسها باتت بلا سيطرة على أهم إيراد سيادي في الدولة.


وتقول المصادر الاقتصادية، إن المشكلة ليست فقط في الغموض، بل في الرقم نفسه.


فقبل سقوط النظام، كانت إيرادات الجمارك تتجاوز 250 مليار ليرة في 2017، وتريليون ليرة في 2021، وأكثر من 500 مليار في النصف الأول من 2022، وتريليون في نهاية 2022، وأكثر من تريليون ليرة من معبر نصيب وحده في 2024.


هذه الأرقام كانت تدخل إلى وزارة المالية بشكل مباشر، أما اليوم فلا أحد يعرف أين تذهب.


وهنا يظهر السؤال الأخطر: هل تتحول الجمارك إلى مصدر تمويل موازٍ لجهة غير خاضعة للمساءلة؟

تغوّل على الوزارات والقوانين


الباحثة الاقتصادية رشا سيروب تُحذّر من "تعديات متكررة" تمارسها هيئة المنافذ، كإصدار قرارات المنع أو السماح بالاستيراد والتصدير، وتعطيل دور وزارة الاقتصاد والصناعة، وتجاوز قانون الجمارك 38 لعام 2006، وفرض رسوم وسياسات لا تمتلك أي سند تشريعي.


وتعتبر سيروب أن هذا "التخبط الخطير" يرسل رسالة سلبية للمستثمرين والمؤسسات الدولية، ويكشف غياب الشفافية في أخطر ملف اقتصادي بعد الحرب: (الحدود – التجارة – الموارد السيادية) .

شبكة "بنش".. اقتصاد ظل فوق الدولة


الباحث عزت بغدادي يكشف جانباً أكثر خطورة. ويقول إن شبكة مقربة من الرئاسة، يقودها شخص يُعرف باسم "بنش"، تهيمن على المنافذ وتتحكم بدخول البضائع، وتحصل رسوماً تصل إلى 300 دولار للطن الواحد، وتدير حواجز "جمارك داخلية" على الطرق.


ويضيف: لا سجلات، لا بيانات، لا رقابة،

ولا أحد يعرف حجم الجمارك الحقيقية التي تُجبى يومياً.


الأخطر، وفقا لبغدادي، أن شبكة "بنش" هي نفسها التي تتحكم بإدخال صهاريج المازوت، وتبيعها بأسعار ضخمة (من 100 دولار في دير الزور إلى 220 دولار في دمشق قبل تخفيضها إلى 160)، ويُدير الحواجز عناصر جرى تدويرهم من "جبهة النصرة" السابقة.

رسوم على الوزن القائم… تجارة تُعاقَب بدل أن تُحمى


تجار ورجال أعمال، بينهم محمد الحلاق، نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقا، يكشفون آلية عبثية تُطبّقها الهيئة، ومنها احتساب الرسوم على الوزن القائم لا الصافي.


يقول الحلاق: وزن شحنة الشاي الصافي مثلا 7 أطنان، والوزن القائم11 طنا، بينما يدفع التاجر رسوما على 11 طناً!


هذا يرفع التكلفة 60% أو أكثر، وفقا للحلاق، ويزيد الأسعار على المستهلك، ويُضعف التجارة الداخلية والخارجية في وقت يعاني فيه السوق من انهيار القوة الشرائية.

هكذا بدأت عملية إنهاك الليرة السورية من داخل الدولة نفسها لا من مضاربات السوق

الدولرة… النتيجة الأخطر لسلطة بلا سقف


يقول خبراء اقتصاديون إن الدولرة التي اجتاحت السوق ليست سببا، بل نتيجة قرارات هيئة جمركية تستوفي بالدولار.


وحكومة تسعّر الطاقة بالدولار، وغرامات ورسوم بالدولار، وغياب كامل لقنوات تحويل الأموال إلى الخزينة، وشبكة نفوذ تسيطر على الحدود والمنافذ.


ومع الوقت، لم يعد المواطن يتعامل بالليرة، ولا التاجر يثق بها، ولا الحكومة نفسها تعتمدها. وهكذا بدأت عملية إنهاك الليرة السورية من داخل الدولة نفسها، لا من مضاربات السوق.

سوريا تتجه نحو نموذج خطير يقوم على اقتصاد موازٍ فوق الدولة تتحكم به شبكة صغيرة

إلى أين؟


يرى قانونيون واقتصاديون أنه إذا استمرت هيئة المنافذ بوضع يدها على الجمارك والمرافئ والتهريب والطاقة، وعلى إيرادات الدولار، والقرارات الاقتصادية، فإن سوريا تتجه نحو نموذج خطير يقوم على اقتصاد موازٍ فوق الدولة تتحكم به شبكة صغيرة، بينما تتآكل السيادة النقدية، وتغرق الليرة، وتفقد الحكومة السيطرة على أهم مواردها.


ويوضح هؤلاء أن الحل يبدأ من قاعدة بسيطة لكنها شديدة الوضوح، وهي إعادة الجمارك إلى وزارة المالية، وقف استيفاء الرسوم بغير الليرة، نشر بيانات شهرية عن الإيرادات، إخضاع الهيئة للرقابة والمساءلة، وتفكيك شبكة النفوذ التي تصادر الدولة عبر المنافذ.


وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى "حاجز" جمارك داخل سوريا أشبه بمحطة جباية خاصة، وستبقى الليرة ضحية، والمواطن هو من يدفع الثمن مرتين، مرة عند الحدود، ومرة في انهيار ما تبقّى من دولته.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025