هاشتاغ - ترجمة
سلّطت صحيفة تركية الضوء على استمرار "الأساطيل الروسية الخفية" في تهريب الحبوب الأوكرانية بعشرات ملايين الدولارات إلى الموانئ السورية، وذلك بالرغم من انهيار نظام الأسد واستعادة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وكييف.
وبحسب تقرير الصحيفة التركية، أمس الثلاثاء، يتجاوز "أسطول خفي" من السفن الروسية الرقابة الدولية عن طريق تعطيل إشارات الملاحة وتزوير وثائق المنشأ، ما يحوّل الأرباح مباشرة إلى المجهود الحربي لموسكو.
وتابع التقرير: بينما يبقى تهريب حبوب القرم "سراً مكشوفاً" تنفيه روسيا علناً، تكشف وثائق جديدة حصلت عليها صحيفة "تركيا اليوم" أن موسكو تسمح الآن رسمياً لشركات خاصة بتجارة هذه الحبوب في الأسواق الدولية.
وقد استؤنفت تجارة الحبوب غير المشروعة - التي توقفت مؤقتاً مع تولي الحكومة السورية الجديدة السلطة أواخر عام 2024 - بكميات مماثلة لتلك التي كانت سائدة في عهد بشار الأسد.
وتُعدّ شركة "بالادا" المحدودة إحدى الشركات الرئيسية في تجارة الحبوب من الأراضي الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية.
كشفت مراسيم روسية رسمية، أرفقتها صحيفة "تركيا اليوم" في تقريرها الحصري، أن السلطات الروسية منحت شركة "بالادا" حصصاً ضخمة لتصدير الحبوب لعام 2026، مباشرة من "الأراضي الأوكرانية المحتلة".
وتُظهر الوثائق الرسمية المرفقة، أن السلطات الروسية المحلية منحت "بالادا" حصصاً تصديرية واسعة للقمح والشعير المختلط، حيث خصصت حوالي 13,820 طناً من مقاطعة زابوروجيا، و11,831 طناً من شبه جزيرة القرم، و7,848 طناً إضافية من مقاطعة خيرسون.
ووفقاً للتقرير، تشتهر الشركة الروسية بتهريب الحبوب الأوكرانية إلى سوريا والعديد من الأسواق الدولية الأخرى.
وتؤكد الوثائق المرفقة اعتماد موسكو الكبير على القطاع الخاص لتنظيم تصدير الموارد الزراعية الأوكرانية.
أشار مصدر أوكراني مقيم في كييف، طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن الضرائب التي تدفعها شركات مثل "بالادا" تُحوّل مباشرة إلى ميزانية روسيا لتمويل عملياتها العسكرية الجارية.
وأكد أن العمليات اللوجستية البحرية لهذه العملية، تعتمد على التمويه المتعمد. وللتحايل على القانون الدولي، تقوم السفن الروسية بشكل روتيني بتعطيل أنظمة التعريف الآلي (AIS) وتقديم بوالص شحن مزورة.
ونقلت "تركيا اليوم" عن مصدر قوله: "إنهم يعطلون أنظمة الملاحة، ويزوّرون وثائق المنشأ"، مضيفاً أن هذا التكتيك يجعل من الصعب للغاية على الدول المجاورة، بما فيها تركيا، اعتراض الشحنات.
وأردف: رغم أن أنقرة أعربت مراراً عن استعدادها للتحرك ضد هذا التهريب، إلا أن غياب الأدلة القاطعة والقابلة للتتبع غالباً ما يُعيقها.
في عهد نظام الأسد كانت روسيا تبيع القمح لسوريا بأسعار باهظة للغاية - أما اليوم فيُباع القمح المسروق بأسعار السوق المتوسطة
سوريا.. أكبر سوق للحبوب الأوكرانية
إلى ذلك، أكد التقرير أن سوريا لا تزال أكبر سوق للحبوب الأوكرانية المسروقة، حيث تواجه السفن الروسية قائمة متضائلة من المشترين بسبب تشديد العقوبات الغربية.
مع ذلك، كشف تحقيق منفصل أجرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن أساطيل روسية وهمية تقوم الآن بتفريغ الحبوب في إسرائيل. ووفقاً للتقرير، تم بالفعل تفريغ أربع شحنات من الحبوب الأوكرانية المسروقة في الموانئ الإسرائيلية عام 2026.
وأكد باحث أوكراني يتابع حركة الملاحة البحرية أن ميناءي طرطوس واللاذقية السوريين لا يزالان الوجهتين الرئيسيتين للحبوب المسروقة.
ومؤخراً، قامت سفينة الشحن الروسية "ماتروس بوزينيتش" بتحميل 27,500 طن من القمح في "سيفاستوبول المحتلة" بين 26 آذار/مارس و4 نيسان/أبريل 2026 - وصلت السفينة إلى سوريا ودخلت الميناء لتفريغ حمولتها في 24 نيسان/أبريل، وبسعر السوق الحالي الذي يتراوح بين 225 و250 دولاراً للطن، تُقدّر قيمة هذه الشحنة الواحدة بحوالي 7 ملايين دولار.
وبحسب الصحيفة التركية، من المثير للاهتمام أن الديناميكيات الاقتصادية لهذه التجارة قد تغيرت، مشيرة إلى أنه في عهد نظام الأسد، كانت روسيا تبيع القمح لسوريا بأسعار باهظة للغاية، تصل إلى 375 دولاراً للطن.
أما اليوم، فيُباع القمح المسروق بأسعار السوق المتوسطة تقريباً، أو بخصم طفيف، مما يعكس محدودية قدرة روسيا على إيجاد مشترين راغبين.
وبينما ينتهي المطاف بالغالبية العظمى من الشحنات غير القانونية في سوريا، تشير بيانات التتبع إلى أن السفن تصل أحياناً إلى مصر وإسرائيل وليبيا.
ويأتي استئناف هذا الطريق للتهريب في وقت بالغ الحساسية بالنسبة للعلاقات الأوكرانية السورية، التي تشهد تحسناً مطرداً منذ سقوط نظام الأسد.
وقد أُجريت أولى الاتصالات بعد الحرب في 30 كانون الأول/ديسمبر 2024، عندما سافر وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إلى دمشق للقاء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
ولا تزال العلاقات إيجابية، ويأمل البلدان في التعاون في مجالي التجارة والصناعات الدفاعية. وفي عام 2025، تم إنشاء مسار بديل وقانوني من خلال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ومبادرة "حبوب من أوكرانيا" - وشُحنت الحبوب الأوكرانية إلى الموانئ التركية، حيث طُحنت إلى دقيق، ثم نُقلت إلى الحدود السورية لتقديم الإغاثة الإنسانية.
وهذه المبادرة لا تزال فعّالة، ومن المعروف أن الدقيق الأوكراني قد وصل إلى سوريا عبر البنية التحتية الجديدة لتوصيل الغذاء.
بالنسبة للعديد من الأوكرانيين الذين احتفلوا في البداية بسقوط الأسد، فإن استعداد الحكومة السورية الجديدة لقبول الحبوب الروسية المسروقة سراً يُعدّ أمراً صعباً.
في هذا السياق، نقلت الصحيفة التركية عن صحفي أوكراني: "أتذكر كيف ابتهجنا بتغيير السلطة في سوريا، آملين في التغيير وإعادة بناء البلاد. والآن نشعر بخيبة أمل، لكن بإمكاننا تغيير الأمور".


