تتبدّل ملامح الساحل السوري، من وفرة في موسم الزيتون جعلت البلاد رقماً عالمياً في سوق الزيت، إلى ندرة مع اجتماع عوامل الجفاف وارتفاع التكاليف والوضع الأمني السيء.
وفي تباين كبير بين "المرحلة الذهبية" في الماضي والموسم الحالي، تراجع إنتاج الزيتون والزيت إلى أقلّ من نصف المعدّل السنوي، فيما فقدت الأيدي العاملة مصدر رزقها الوحيد.
وبالمقارنة بين الماضي والحاضر، يستذكر الخبير الزراعي، سمير نصير "المرحلة الذهبية": " كانت سوريا تمتلك عام 2010 نحو 110 ملايين شجرة زيتون، وفي سنوات الإنتاج الوفير (سنوات الحِمل) كان الإنتاج يبلغ نحو مليون طن، يُخصّص 300 ألف طن منه للتخليل، فيما يُعصر الباقي زيتاً، لتخرج من سوريا فوائض سنوية تتراوح بين 50 و90 ألف طن للتصدير".
اليوم، وبالرغم من أنّ عدد الأشجار لم يتراجع كثيراً، إذ تشير تقديرات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي إلى وجود نحو 101 مليون شجرة عام 2025، فإن إجمالي الإنتاج انخفض إلى نحو 400 ألف طن فقط.
ندرة الإنتاج هذا العام جاءت نتيجة عوامل ضاغطة على المزارع والشجرة على حدّ سواء
تحديات عديدة
تشير أرقام الموسم الحالي في الساحل إلى كارثة حقيقية أصابت القطاع العامل في هذا المجال بكامله، وخصوصاً في ظلّ التوتر الأمني الذي يعيشه الأهالي منذ مجازر آذار/مارس الفائت، والذي يحدّ، حتى اليوم، عمل الكثيرين من الأهالي.
في معصرة "حمين" في ريف طرطوس، يقول المشرف محمود إسماعيل، إنّ الإنتاج هذا العام "لم يتجاوز 3% من إنتاج العام الماضي"، إذ "لم تعمل المعصرة سوى خمسة أيام بدلاً من 64 يوماً متواصلة من العمل سُجّلت العام الماضي، الأمر الذي كبّد صاحب المعصرة خسارة كبيرة، بلغت نحو 25 مليون ليرة سورية كلفة صيانة لم يستردّ معظمها، بالإضافة إلى خسارة الصناعيين والتجار ضمن مجال بيع وصيانة آليات المعاصر الذين تضرّروا نتيجة قلة العمل أيضاً".
وفي حديثه مع صحيفة "الأخبار"، أوضح أنّ "ندرة الإنتاج هذا العام جاءت نتيجة عوامل ضاغطة على المزارع والشجرة على حدّ سواء، أبرزها الجفاف وقلة الأمطار، إلى جانب عدم اعتناء الفلاحين بأراضي الزيتون كالمعتاد، بسبب الظروف المعيشية والوضع الأمني الراهن".
بدوره الخبير الزراعي أكد أنّ "أسباب التراجع ترتبط بجملة تحدّيات يواجهها المزارع، أبرزها الارتفاع المستمرّ في أسعار المازوت والوقود وأجور الأيدي العاملة، وغياب التسعيرة الرسمية للمنتج، ما يترك السعر رهينة لتأثيرات السوق المتقلّبة بخلاف القمح والقطن".
ووفقاً لما نقلته الصحيفة اللبنانية، شدد الخبير الزراعي على أنّ العامل الطبيعي لا يقل خطورة، إذ أدى الجفاف وقلة المياه إلى "تفاقم ظاهرة المعاوَمة الطبيعية (تناوب المحصول بين سنة غزيرة وأخرى شحيحة".
استيراد زيت الزيتون مطروح كخيار في حال ارتفاع أسعاره على المستهلك وانخفاض توفره في الأسواق المحلية
استيراد زيت الزيتون
بحسب تقرير لـ "منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" - (الفاو)، فإنّ الظروف المناخية القاسية التي شهدها الموسم الزراعي الحالي في سوريا هي الأسوأ منذ نحو ستين عاماً"، حيث سجّلت بعض المناطق السورية "عجزاً مطرياً بلغ 59% مقارنة بمعدلاتها الطبيعية مع بدء موسم 2025، ما أدّى إلى تدهور كبير في إنتاج المحاصيل".
ويذكر أن وزير الزراعة السوري الدكتور أمجد بدر، كشف لـ "هاشتاغ"، أول أمس، أن استيراد زيت الزيتون مطروح كخيار في حال ارتفاع أسعاره على المستهلك وانخفاض توفره في الأسواق المحلية، موضحاً أن الخطوة تتطلب تقديم طلب رسمي بهذا الشأن إلى وزارة الاقتصاد.
وأشار الوزير بدر إلى أن الوزارة تتابع حالياً حجم الإنتاج المطروح في السوق، وعلى ضوء ذلك تتم دراسة إمكانية فتح باب الاستيراد، بينما يُنظر في فتح باب التصدير في حال وجود فائض.
وأضاف بدر أن إنتاج الزيتون وزيت الزيتون تراجع هذا العام، مبيناً أنه لا يمكن تحديد نسبة الانخفاض بدقة قبل انتهاء الموسم، قائلاً: "قد تكون النسبة أقل أو أكثر من النصف، ولا يمكن الجزم قبل استكمال عمليات القطاف والعصر".


