هاشتاغ
بحث

سيرياتيل و"إم تي إن" بعد الأسد.. من هو صاحب "الخزنة" الحقيقي؟

18/11/2025

سيرياتيل-و"إم-تي-إن"-بعد-الأسد

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص

 

تواصل أزمة رفع أسعار الاتصالات والإنترنت، بنسب وصلت إلى 200% في بعض الباقات، إشعال الغضب في الشارع السوري، فيما يبقى سؤال الملكية الفعلية لشركتي سيريتل و"إم تي إن" بلا جواب رسمي واضح، رغم وعود "العهد الجديد" بالشفافية.

 

ما توصّلت إليه تحقيقات غربية حديثة، إلى جانب ما تقوله مصادر اقتصادية سورية تحدّثت لـ"هاشتاغ"، يشي بأن الشركتين لم تعودا "خاصتين ومستقلتين" كما تقول وزارة الاتصالات، بل جزء من شبكة مالية تتحكم بها لجنة اقتصادية سرّية مرتبطة بالقصر الجمهوري، بإشراف مباشر من "أبو مريم الأسترالي" .

ابتداءً من 2020 ومع اشتداد الأزمة المالية شنّ نظام الأسد حملة على الشركتين

من رامي مخلوف و "إم تي إن" إلى "الحراسة القضائية"

قبل سقوط نظام الأسد، كانت الصورة أبسط؛ سيرياتيل كانت، قانونياً وعملياً، في قبضة رامي مخلوف ، ابن خال بشار الأسد، الذي امتلك الحصة الأكبر منذ مطلع الألفية الثالثة.

فيما كانت "إم تي إن" سوريا الذراع المحلية لمجموعة "إم تي إن" الجنوب إفريقية، إلى جانب شريك محلي هو شركة "تيلي إنفست - TeleInvest" ، التي أشارت تقارير متخصصة حينها إلى أنها واجهة لمصالح قريبة من القصر.


ابتداءً من 2020، ومع اشتداد الأزمة المالية، شنّ نظام الأسد حملة على الشركتين، اتهمتهما بالتخلّف عن دفع "مستحقات" ضخمة للخزينة، ثم وُضعت سيرياتيل تحت "الحراسة القضائية" في حزيران 2020، وجُمِّدت أسهمها في سوق دمشق للأوراق المالية.

 

وفي شباط 2021، وضعت محكمة دمشق "إم تي إن" سوريا تحت الحراسة أيضاً، وعُيّن رئيس مجلس إدارة "تيلي إنفست - TeleInvest" حارساً قضائياً، قبل أن تعلن" إم تي إن" لاحقاً فقدان السيطرة على فرعها السوري وبدء إجراءات الخروج من السوق.

 

بالتوازي، تتبّعت دراسات بحثية حول "أمراء الحرب الجدد" في سوريا انتقال جزء من ملكية سيرياتيل إلى والد يسار إبراهيم، ثم إلى "مجهولين" ، مع بروز شركات مرتبطة بعائلة إبراهيم كمورّد حصري للبنية التحتية والخدمات الفنية لسيرياتيل و"إم تي إن" ، بعقود غير قابلة للتفاوض، ما منح "مكتب رئاسة الجمهورية" سيطرة فعلية على القطاع، حتى قبل سقوط النظام.

سقوط النظام في كانون الأول 2024 لم يُسقِط عملياً الشبكة الاقتصادية التي بناها الأسد وعائلته بل تم نقلها إلى يد السلطة الجديدة

بعد سقوط الأسد.. لجنة ظلّ جديدة ومالك "فِعلي" واحد

سقوط النظام في كانون الأول 2024 لم يُسقِط، عملياً، الشبكة الاقتصادية التي بناها الأسد وعائلته، بل تم نقلها إلى يد السلطة الجديدة. وكان المدعو "أبو مريم الأسترالي " هو من ترأس اللجنة التي استلمت "اقتصاد الظل" في اجتماع البنك المركزي ليلة سقوط نظام الأسد.

 

تحقيق لوكالة رويترز في تموز 2025 كشف عن لجنة اقتصادية سرّية تعيد تشكيل الاقتصاد السوري بعد الأسد، يرأسها رجل أعمال أسترالي – لبناني، خاضع لعقوبات بتهمة تمويل الإرهاب، يُعرَف باسم إبراهيم سُكّريه، أو "أبو مريم الأسترالي"


هذه اللجنة، بحسب التحقيق، استحوذت أو رتّبت تسويات على أصول تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار، من بينها حصص في "أكبر شركة اتصالات في البلاد" .

 

تقارير أخرى رسمت صورة متكاملة؛ فاللجنة تتولى استرداد أصول مجموعة "The Group" ، والتي شملت قطاعات الاتصالات والمصارف والعقارات والطاقة، بناءً على وثائق هرّبها يسار إبراهيم قبيل سقوط النظام، وفق تحقيق آخر لـرويترز حول عملية تهريب أصول الأسد إلى أبوظبي.

 

الدراسة الصادرة عن مؤسسة "فريدريش إيبرت" حول "الانتقال من اقتصاد الحرب" تشير إلى أن شركات واجهة كانت المورّد الحصري للبنية التحتية والخدمات الفنية لسيرياتيل و"إم تي إن" ، وأن هذه الشركات نفسها انتقلت اليوم إلى إشراف اللجنة الجديدة، ما يعني أن من يسيطر على الشركات الوسيطة يسيطر عملياً على مشغلي الخليوي.

 

مصادر اقتصادية سورية مطّلعة تحدّثت لـ"هاشتاغ" تقول إن الملكية الفعلية لسيرياتيل و"إم تي إن" اليوم يمكن تلخيصها كالتالي: "على الورق، ما زالت هناك شركات مساهمة مسجّلة، بعضها ورثة لمخلوف و" تيلي إنفست TeleInvest"، وبعضها صناديق استثمار خاصة تأسست في 2025.

لكن القرار الحقيقي في الشركتين موجود في يد لجنة اقتصادية مرتبطة بالقصر، يشارك فيها ممثلون عن الرئاسة ووزارة الاتصالات و" أبو مريم" وفريقه" .

 

وكما في عهد الأسد، تم فرض الحراسة القضائية على الشركتين، وجرى تعيين المحاميين مالك جيوش على "سيرياتيل" ومحمد العيسى على "إم تي إن" في نهاية العام الماضي، ليجري لاحقا عزلهما، عبر اعتقال "مالك محمود الجيوش" بسبب ما قيل إنه " تورطه في قضية فــساد". وطرد المحامي محمد العيسى من منصبه كحارس قضائي على شركة "إم تي إن"، أيضا "نتيجة قضايا فـــساد" وفقا لإعلام السلطة.

 

بهذا المعنى، باتت الشركتان تحت ملكية القصر، وبالتالي فإن الجواب عن سؤال" من يملك سيرياتيل و"إم تي إن" هو القصر، عبر لجنة ظلّ، لا عبر أسماء المساهمين المعلنين.

الأرقام المتاحة من تقارير سابقة تظهر أن الشركتين كانتا من أكثر الكيانات ربحية في سوريا حتى في ذروة الحرب

أرباح ضخمة قبل التحرير.. وأكبر بعدها

الأرقام المتاحة من تقارير سابقة تظهر أن الشركتين كانتا من أكثر الكيانات ربحية في سوريا حتى في ذروة الحرب: فأرباح" إم تي إن"سوريا قبل 2011 وصلت إلى نحو 132 مليون دولار لعام 2010، فيما ظلت الشركة ضمن أكثر وحدات المجموعة ربحية في الشرق الأوسط حتى منتصف العقد الماضي، قبل بدء النزاع القضائي مع نظام الأسد.

 

بالنسبة إلى سيرياتيل، تُظهر بيانات رسمية منشورة على موقع هيئة الأوراق المالية السورية أن الشركة حققت نمواً كبيراً في الإيرادات بعد 2020، رغم الحراسة القضائية والعقوبات، مع قفزات في الإيرادات بالليرة نتيجة انهيار سعر الصرف ورفع الأسعار المتكرر.

 

قدرت تقارير صحفية إيرادات سيرياتيل بنحو تريليون ليرة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2023، مع صافي أرباح يناهز 202.5 مليار ليرة، بزيادة تفوق 100% عن الفترة نفسها من 2022.

 

بعد التحرير وسقوط الأسد، لم تتراجع الأرباح، بل تضاعفت، مدفوعة برفع الأسعار الأخير، والتوسع في الباقات، وانكماش المنافسة الفعلية.

 

وبحسب الإفصاحات الأخيرة في سوق دمشق للأوراق المالية، التي استندت إليها الخبيرة الاقتصادية رشا سيروب، بلغ صافي أرباح سيرياتيل في النصف الأول من العام الحالي 465 مليار ليرة، مقابل 130 مليار ليرة لـ "إم تي إن" سوريا، وهي أرقام تتوافق مع تقديرات خبراء اقتصاديين تحدثوا لـ"هاشتاغ" حول هامش ربح يتجاوز 40% في بعض الخدمات، بالنظر إلى ضعف كلفة الاستثمار الجديدة في شبكة متهالكة لا تُحدَّث إلا بالحد الأدنى.

تقارير عن اقتصاد ما بعد الحرب تشير إلى أن اللجنة الجديدة التي يقودها "أبو مريم" تستخدم الأصول المستعادة من إمبراطورية الأسد

إلى أين تذهب الأموال؟

في غياب شفافية الموازنة العامة، يصبح تتبّع مسار أرباح سيرياتيل و"إم تي إن" تمريناً في "جمع القطع الناقصة".

 

دراسات عن اقتصاد النظام السابق وثّقت كيف استُخدمت عائدات الاتصالات، عبر "لجنة القصر" التي أدارتها أسماء الأسد ويسار إبراهيم، لسد فجوات الإنفاق العسكري والأمني، خارج الموازنة الرسمية.

 

بعد التغيير السياسي، تقارير بحثية عن "اقتصاد ما بعد الحرب" تشير إلى أن اللجنة الجديدة التي يقودها "أبو مريم" تستخدم الأصول المستعادة من إمبراطورية الأسد، وبينها شركات الاتصالات، لتغذية صندوق تنمية وهيئات تمويل مرتبطة بـ "المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية" و"صندوق سوريا للتنمية" .

 

مصدر حكومي سابق يعمل اليوم مستشاراً اقتصادياً يشرح لـ"هاشتاغ" الصورة على الشكل الآتي: "جزء من أرباح سيرياتيل و"إم تي إن" يذهب لتمويل استثمارات جديدة في الشبكة وجذب شريك أجنبي محتمل، لكن الجزء الأكبر يُحوَّل إلى حسابات خاصة في المصرف المركزي تحت بند "دعم قطاعات السيادة". وعملياً، هذا يعني رواتب عناصر الجيش والأمن، وبعض برامج الدعم النقدي للأسر الفقيرة. المشكلة ليست في أولوية الأمن، بل في انعدام الشفافية، وفي غياب أي سقف قانوني لاستخدام هذه الأموال".

 

وهذا ما يفسّر حساسية اعتراف السلطة المباشر بأن فاتورة الاتصالات تموّل رواتب الأجهزة الأمنية والدفاعية؛ فبدلاً من المصارحة، يُحمَّل اللوم كاملاً للشركتين، مع وصفهما في بيان وزارة الاتصالات بأنهما "شركات خاصة مستقلة"، رغم أن التحكم الفعلي بهما اليوم حكومي – أمني بامتياز.

مصادر اقتصادية متابعة تؤكد أن فريق "أبو مريم" يشرف اليوم على ملف الاتصالات بشكل مباشر عبر تعيين ممثلين له في مجالس إدارة سيرياتيل و"إم تي إن"

"أبو مريم الأسترالي" .. من تمويل الجهاديين إلى "وزير ظلّ للاقتصاد"

الاسم الأكثر إثارة للجدل في ملف ملكية سيرياتيل و"إم تي إن" اليوم هو "أبو مريم الأسترالي" .

 

تحقيق رويترز ومصادر أخرى، بينها تقارير استخباراتية غربية، يعرّفون هذا الرجل بأنه إبراهيم/أبراهام سُكّريه، أسترالي من أصل لبناني، مدرج على قوائم العقوبات في أستراليا بتهمة تمويل جماعات متطرفة منذ 2018.

 

وفق هذه التحقيقات، والروايات المتقاطعة في منصات متخصصة مثل "Intelligence Online" وغيرها، لعب أبو مريم دور ممول رئيسي لفصائل جهادية سابقة، بينها فصائل مرتبطة بـ"هيئة تحرير الشام" ، قبل أن ينتقل، تدريجياً، إلى إدارة شبكة استثمارات في الشمال السوري، ثم في قطر وتركيا.

 

بعد سقوط الأسد، استُقدم بصفته "خبيراً في تتبّع الأموال المعقّدة" ، وترأس اللجنة التي تستعيد أصول رجال الأسد مقابل تسويات مالية، ليصبح عملياً "وزير ظلّ" للاقتصاد، بعيداً عن الأضواء الرسمية.

 

مصادر اقتصادية متابعة للملف تؤكد أن فريق "أبو مريم" يشرف اليوم على ملف الاتصالات بشكل مباشر، عبر تعيين ممثلين له في مجالس إدارة سيرياتيل و"إم تي إن" ، ومراقبة عقود التوريد والبنى التحتية، وتحديد نسب الأرباح المخصصة لصندوق الأمن والدفاع، مقابل جزء يُترك للمساهمين القدامى كـ"جائزة ترضية" بعد التسويات.

 

أحد هؤلاء الخبراء يقول لـ"هاشتاغ": "من الناحية العملية، لا تستطيع سيرياتيل أو" إم تي إن" اتخاذ قرار استثماري كبير، أو توقيع عقد توريد بملايين الدولارات، من دون موافقة اللجنة التي يقودها" أبو مريم". هناك طبقة جديدة من الأوليغارشية تحلّ محل رجال الأسد، مع اختلاف اللغة والخطاب، لكن مع قدر مشابه من الغموض".

تُظهر موجة الغضب الأخيرة مع دعوات إلى مقاطعة الشركتين أن شرعية" العهد الجديد" تُختبَر اليوم في فاتورة الهاتف بقدر ما تُختبَر في ملفات العدالة الانتقالية

غياب الشفافية.. وعودة السؤال من جديد

في الشارع، تُختَزَل كل هذه التعقيدات في معادلة بسيطة: أسعار أعلى، خدمات متدنية، ولا أحد يشرح لمن تذهب الأموال.

موجة الغضب الأخيرة، مع دعوات إلى مقاطعة الشركتين، تُظهر أن شرعية" العهد الجديد" تُختبَر اليوم في فاتورة الهاتف، بقدر ما تُختبَر في ملفات العدالة الانتقالية.


في ظل هذا المشهد، يبدو أن الإجابة الأكثر دقة عن سؤال “من يملك سيريتل و"إم تي إن" هي قانونياً، شبكة مساهمين وشركات واجهة، بعضها قديم من عهد الأسد وبعضها جديد من عهد الشرع.

 

فعلياً، لجنة اقتصادية غير منتخبة، يقودها و "أبو مريم الأسترالي"، تستخدم الشركتين كأحد أهم "صنابير التمويل" لقطاعي الأمن والدفاع، من دون رقابة برلمانية أو شفافية مالية حقيقية.

 

وما لم تُكشَف عقود الملكية الكاملة، وتُنشَر بيانات مفصلة عن كيفية إنفاق أرباح الشركتين، سيظل السؤال مطروحاً بإلحاح أكبر مع كل فاتورة جديدة للاتصالات في سوريا.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025