هاشتاغ - متابعة
على مشارف الذكرى السنوية لانهيار النظام السابق الأولى، وتسلّم السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع إدارة البلاد، تبدو سوريا غارقة في تحديات داخلية وإقليمية متشابكة تهدّد مسار الاستقرار الهش الذي تحقق حتى الآن بدعم سعودي - تركي غير مسبوق. ومع تعقّد المشهد السياسي والعسكري، تتزايد المخاوف من انزلاق البلاد مجدداً نحو الفوضى أو العودة إلى دوامة الحرب الأهلية، في لحظة تُعدّ من أكثر مفاصل المرحلة الانتقالية حساسية.
في الجنوب، أحدثت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنطقة الحدودية داخل الأراضي السورية المحتلة خضّة سياسية واسعة، رافقها تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي على علو منخفض في محافظات سورية عدة، وصل إلى مشارف إدلب.
وفي الشمال يشهد الواقع الميداني توتراً متصاعداً بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بالتزامن مع تصريحات لقائد "قسد" مظلوم عبدي برفض العودة إلى تحت السلطة المركزية كما كان الحال في زمن النظام السابق.
أمام هذه التطورات تجد السلطة الانتقالية نفسها أمام اختبار حساس وخيارات دقيقة: كيف تحفظ تماسك الدولة وسط ضغوط إقليمية تتقاطع مع أزمات داخلية غير محسومة؟
الجنوب السوري.. رسائل إسرائيلية
أعادت زيارة نتنياهو، التي رافقه فيها عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، فتح ملف الجنوب السوري على مصراعيه، وأظهرت إصرار تل أبيب على تكريس واقع جديد على الأرض، خصوصاً أنها ترافقت باستعراض لقدرات سلاح الجو الإسرائيلي في أجواء محافظات سورية عدة وصل إلى إدلب.
الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تزايد الحديث عن تعثر المفاوضات الأمنية بين الجانبين برعاية أمريكية بسبب تعنت إسرائيل ورفضها الانسحاب من المناطق التي استولت عليها بعد سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول 2024.
التحركات الإسرائيلية، ترسل رسالة واضحة إلى السلطة الانتقالية في دمشق وإلى الإدارة الأمريكية، بأن تل أبيب مصمّمة على فرض قواعد اشتباك جديدة تتجاوز حدود الجولان، وتلوّح بأنه لا مكان لفرض إملاءات على إسرائيل بعد التغييرات الجوهرية التي أحدثتها في الشرق الأوسط.
ليس هذا فحسب، فهي تجدد تأكيد الموقف الإسرائيلي بالسيطرة النارية والميدانية على منطقة الفصل بين البلدين ومناطق واسعة داخل الحدود السورية، وكذلك السيطرة السياسية على الجنوب السوري والتحكم بما قد تحمله الأيام المقبلة في ملف السويداء العالق كخنجر في خصر السلطة السورية.
هذا ما أعلنه نتنياهو الخميس الفائت بعد زيارته منطقة فض الاشتباك المستولى عليها إسرائيلياً، عندما أكد أن إسرائيل لن تفرّط في أمن حدودها، ولا في حماية الأقليات داخل سوريا.
وأضاف أن إسرائيل "قوية وعازمة" ولن تسمح بظهور تهديدات من جنوب غربي سوريا، مع التزامها حماية حلفائها الدروز، مشيراً إلى أن الدفاع عن الحدود وحماية الحلفاء "مبدأ ثابت سواء تم الاتفاق (مع دمشق) أم لم يتم".
وعلى الرغم من رد دمشق السريع بإدانة دخول نتنياهو إلى جنوب سوريا، وعد الخطوة “انتهاكاً خطراً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها ومحاولة لفرض أمر واقع يتناقض مع قرارات مجلس الأمن”، لكن تل أبيب تعلم حدود القدرات التي تمتلكها دمشق عسكرياً وسياسياً.
كما تعلم دمشق حدود المناورة التي تمتلكها على الرغم من الدعم الأمريكي، الأمر الذي يعزز أجواء التشاؤم والقلق من تعثر الاتفاق الأمني وإعادة فتح جبهة السويداء من تل أبيب للضغط على السلطة ودفعها للقبول بالشروط الإسرائيلية، ومن بينها وضع السويداء المستقبلي.
الشمال السوري.. تصعيد جديد
شهد الشمال السوري تصعيداً ملموساً على الأرض؛ إذ هاجمت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” نقاط انتشار الجيش السوري في منطقة معدان بريف الرقة بعد منتصف ليل الأربعاء 19 تشرين الثاني، وهذا أسفر عن مقتل اثنين من الجنود وإصابة آخرين، بحسب وزارة الدفاع السورية. ردّ الجيش بعملية عكسية واستعاد السيطرة على المواقع وطرد القوات المعتدية، في مواجهة أظهرت استمرار حالة التوتر شبه اليومي التي تفرضها “قسد” على مناطق النفوذ الحكومية.
وتظهر هذه الحوادث استمرار فجوة الثقة بين دمشق والأكراد، في وقت يؤكد فيه قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي أن سوريا لن تعود إلى النظام المركزي، مع ضرورة اعتماد صيغة سياسية دستورية لامركزية تضمن التمثيل الكردي وترسيم علاقة “قسد” بالمؤسسة العسكرية الجديدة.
عبدي الذي أبدى انفتاحه للحوار مع السلطة المركزية أكد في كلمة ضمن فعاليات منتدى دهوك للسلام والأمن بالشرق الأوسط قبل أيام أن هناك مسائل إدارية دستورية لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها، ولا سيما فيما يتعلق بالمركزية.
وأكد أنه بعد 15 سنة من الحرب والقتال في سوريا "يجب أن تكون السلطة لامركزية ويجب علينا أن نقبل بهذا الواقع". وتعارض دمشق بشدة فكرة اللامركزية التي تصر عليها "قسد" والتنظيمات الكردية عموماً.
وتؤكد تصريحات مسؤولي “قسد” استعدادها للردّ على أي اعتداء، مع التزام ضبط النفس لمنع توسع دائرة الاشتباك، وهذا يجعل المشهد الشمالي مرشحاً للتوتر المستمر أو لتسوية سياسية متقدمة وفق ضمانات دولية واضحة.


