هاشتاغ
بحث

استعادة الأمن في سوريا ما بعد الأسد – دروس من الساحل والسويداء

28/11/2025

الأمن-في-سوريا-ما-بعد-الأسد-–-دروس-من-الساحل-والسويداء

شارك المقال

A
A

أصدرت مجموعة الأزمات الدولية دراسة حديثة حول الوضع في سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد والاختلالات الأمنية الخطيرة التي هزّت مسار الانتقال السياسي في البلاد.


يشير العام الأوّل لسقوط نظام بشار الأسد إلى مفارقة عميقة في التجربة السورية الجديدة: نجاح خارجي لافت يقابله اضطراب داخلي متزايد. فبعد أن نجحت الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع في تحقيق اختراقات دبلوماسية كبرى – من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى البيت الأبيض – فإن الداخل السوري كشف في عام 2025 هشاشة النظام الأمني وقدرته المحدودة على احتواء التوترات المتوارثة من أكثر من عقد من الحرب. تفجّرت أزمتان كبيرتان: الأولى في الساحل والمناطق الوسطى ذات الكثافة العلوية، والثانية في السويداء ذات الغالبية الدرزية. هاتان الأزمتان لم تكونا مجرد حوادث أمنية معزولة، بل عرَضاً واضحاً لأزمة عميقة في النهج الذي تدير به دمشق ملفات الأمن، والتمثيل، وإدارة التنوع المجتمعي.


وتحذر الدراسة التي أُنجزت بناء على نحو 135 مقابلة مع ضباط، مسؤولين، قادة فصائل، مقاتلين دروز، وجهاء، ناشطين، أطباء، ومحامين، إضافة إلى 40 مسؤولاً دولياً وخبيراً سورياً، من أن عدم تصحيح المسار قد يؤدي إلى أزمات أكبر.

النظام الجديد فشل في بناء صيغة شاملة للحكم وظلّت السلطة الأمنية الفعلية محصورة في يد قيادات ضيقة من هيئة تحرير الشام

أولاً: صورة خارجية مشرقة… وواقع داخلي مضطرب

منذ انهيار النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول على يد هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها، انطلقت القيادة الجديدة في حملة لإعادة تأهيل العلاقات السورية الدولية. وقد حققت نتائج ملموسة: رفع تدريجي للعقوبات، دعم مالي خليجي، اتصالات مع إسرائيل، وانفتاح محسوب من روسيا وإيران. وعلى الصعيد الداخلي، امتنعت الحكومة عن فرض أجندة إيديولوجية إسلامية كما خشي كثيرون.

 

لكن هذه النجاحات اصطدمت بواقع سياسي داخلي شديد التعقيد. فالنظام الجديد فشل في بناء صيغة شاملة للحكم، وظلّت السلطة الأمنية الفعلية محصورة في يد قيادات ضيقة من هيئة تحرير الشام. كما واجهت دمشق أزمة بنيوية في احتكار القوة، إذ جرى دمج فصائل عديدة في الجيش الجديد دون توحيد هياكلها أو ضمان انضباطها. بقيت الأجهزة الأمنية الوليدة هشّة، بينما تنشط جهات مسلحة خارج سيطرة الدولة: بقايا النظام السابق، الفصائل الدرزية، وقوات سوريا الديمقرثانياً: تآكل الثقة بين السلطة والمجتمع

اطية في الشمال الشرقي.

شعرت الأقليات خصوصاً العلويين والدروز بأن النظام الجديد لا يمثلهم ولا يضمن أمنهم

ثانياً: تآكل الثقة بين السلطة والمجتمع

رغم الحماسة الشعبية الأولى لسقوط الأسد، شعرت الأقليات لاحقاً ، خصوصاً العلويين والدروز، بأن النظام الجديد لا يمثلهم ولا يضمن أمنهم. عزّز ذلك قرار الحكومة في يناير/كانون الثاني بإقالة نحو نصف مليون من عناصر الأجهزة الأمنية السابقة، معظمهم من العلويين. هذا القرار، رغم ضرورة تفكيك منظومة القمع الأسدية، خلق كتلة ضخمة من الرجال المدربين عسكرياً والعاطلين عن العمل في بلد يعج بالسلاح، وفتح الباب أمام تجنيدهم في تمرد لاحق.

 

في الوقت ذاته، كانت الشروخ المجتمعية التي كرّسها حكم الأسد الطويل حاضرة بقوة. فتصاعدت بعد ديسمبر/كانون الأول حالات قتل وخطف على الهوية، خصوصاً في حمص وحماة، مدفوعة بشعور بالانتقام من سنوات الحرب.


خلّفت أحداث آذار جرحاً غائراً لدى العلويين وزادت شعورهم بأن الحكومة الجديدة عاجزة أو غير راغبة في حمايتهم

ثالثاً: من الاحتقان إلى الانفجار .. أحداث الساحل

انفجرت أولى الأزمات الكبرى في 6 مارس/آذار. هجمات منسّقة شنّتها بقايا من الفرقة الرابعة والفرقة 25، وهي وحدات نخبوية ذات غالبية علوية، استهدفت مواقع حكومية في جبلة وبانياس. سرعان ما التحق بها عناصر سابقون أعادوا تجميع أنفسهم تحت اسم “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، بقيادة شخصيات متهمة بارتكاب جرائم حرب خلال حقبة النظام.

 

فوجئت الحكومة بحجم التمرد، فأرسلت قوات من ثلاث طبقات: عناصر هيئة تحرير الشام، فصائل إسلامية حليفة، ثم مجموعات الجيش الوطني السابقة ذات السمعة السيئة. ومع دخول فصائل غير منضبطة إلى المعركة، خرج الوضع عن السيطرة. اندفع آلاف المقاتلين غير النظاميين نحو الساحل بدافع “نصرة الحكومة ضد التمرد”، لكن مشاركتهم العشوائية أدت إلى عمليات قتل وذبح ونهب في قرى وأحياء علوية.

 

على مدى ثلاثة أيام، قُتل ما بين 1,000 و1,700 مدني علوي وفق التحقيقات اللاحقة، بينهم نساء وأطفال. نزح نحو 40 ألفاً إلى لبنان. ورغم إدانة الرئيس الشرع للمجازر وإطلاق لجنة تقصي حقائق، اعتُبر التقرير الحكومي محاولة لتخفيف المسؤولية عبر تصوير ما جرى كفوضى عامة لا كاعتداءات طائفية ممنهجة. خلّفت هذه الأحداث جرحاً غائراً لدى العلويين، وزادت شعورهم بأن الحكومة الجديدة عاجزة، أو غير راغبة في حمايتهم.

جاءت مجازر الساحل لتعمّق مخاوف الدروز من تكرار السيناريو ضدهم

رابعاً: أزمة السويداء في حزيران

في الجنوب، كانت الأوضاع تتدهور تدريجياً. فالدروز الذين حافظوا على حكم ذاتي فعلي خلال سنوات الحرب، دخلوا في مرحلة شك عميق تجاه نوايا القيادة الجديدة.


تعاملت دمشق معهم بقدر كبير من الحساسية الخاطئة والاستعلاء، إذ قامت باستبعاد القادة المحليين من “الحوار الوطني”، وتعيين محافظ ووزير دون تشاور، وإقالة مئات الموظفين، ما بدا كأنه مسعى لفرض السيطرة بدل بناء الثقة.


جاءت مجازر الساحل لتعمّق مخاوف الدروز من تكرار السيناريو ضدهم. وازدادت التوترات مع انتشار تسجيل صوتي مسيء للنبي نُسب خطأً لشخصية درزية، ما أدى إلى هجمات من فصائل مسلحة سنية. حاولت الفصائل الدرزية بالتعاون مع الأمن العام إنشاء مناطق عازلة، لكن الاشتباكات امتدت، وسقط عشرات القتلى بين دمشق والسويداء.

 

دخلت إسرائيل على الخط، مدّعية حماية الدروز. شنّت غارات قرب القصر الرئاسي وضربت مواقع حكومية. وفي يوليو/ تموز، أدى تدخل حكومي واسع لوقف القتال بين الدروز والبدو إلى معارك عنيفة تسببت بمقتل أكثر من ألف شخص من الدروز ونزوح نحو 200 ألف.

 

بدلاً من احتواء الأزمة، فاقم ردّ دمشق القاسي الشرخ بين الطرفين. شعر الدروز بأن الحكومة تستخدم سياسة “فرّق تسد” وتدعم وسطاء موالين لها لتقويض القيادة المحلية. ومع تدخل إسرائيل، دخلت سوريا في حالة تجاذب إقليمي خطير قد يعرّض مسار الانتقال برمّته للانهيار.

تظهر المقارنة بين أزمتي الساحل والسويداء عناصر مشتركة تتمثل بضعف السيطرة المركزية على المجموعات المسلحة

خامساً: الأسباب البنيوية للأزمــات

تظهر المقارنة بين أزمتي الساحل والسويداء عناصر مشتركة تتمثل بضعف السيطرة المركزية على المجموعات المسلحة، وأن دمج الفصائل في الجيش دون تفكيك هياكلها أدى إلى فوضى ميدانية.


ليس هذا فحسب، بل أظهرت الأزمات النقص الحاد في القوى البشرية المدربة وضعف الانضباط وكذلك تداعيات إرث الحرب الطويلة بما تحمله من ذكريات المجازر والتهجير والانتهاكات خلقت رغبة بالانتقام وانعداماً للثقة.

 

يضاف إلى ذلك تهميش الأقليات وغياب التمثيل السياسي لها وغياب الشراكة الحقيقية للسلطة الجديدة مع العلويين والدروز والأكراد الأمر الذي جعلهم يشعرون بأن النظام الجديد استمرارٌ لإقصاء قديم. كما شكل انتشار السلاح والاقتصاد المنهار بيئة مثالية للتجنيد، والجريمة، والتمرد.

استمرار اعتماد الحكومة على مقاربة أمنية خشنة سيقوّض الثقة الشعبية ويغذي سرديات النظام السابق عن انهيار الدولة

سادساً: التداعيات المستقبلية

تهدد هذه التطورات بزعزعة العلاقات بين دمشق والإدارة الذاتية الكردية، التي باتت مقتنعة بأن الاحتفاظ بقواتها مسألة وجودية. كما أن استمرار اعتماد الحكومة على مقاربة أمنية خشنة سيقوّض الثقة الشعبية ويغذي سرديات النظام السابق عن “انهيار الدولة”.

يجب إشراك المجتمعات المحلية في ترتيبات الأمن خصوصاً في الساحل والسويداء ومحاسبة شفافة للمنتهكين أياً كانت هويتهم

سابعاً: التوصيات – نحو سياسة أمنية جديدة

توصي الدراسة بأن تتبنّى دمشق مساراً مختلفاً قائماً على، إعادة هيكلة الجيش وفرض انضباط صارم على الفصائل المدمجة، وإبعاد الوحدات غير المنضبطة عن المناطق الحساسة. إضافة إلى تدريب خاص لقوى الأمن العام على التواصل المجتمعي ومنع التصعيد.


كما تدعو إلى إشراك المجتمعات المحلية في ترتيبات الأمن، خصوصاً في الساحل والسويداء، ومحاسبة شفافة للمنتهكين أياً كانت هويتهم. وتبني سياسات دمج اقتصادي وخدماتي تعالج أسباب الاحتقان، وتقديم تطمينات سياسية للأقليات تضمن تمثيلهم الحقيقي في مؤسسات الدولة.

خلاصة

تُظهر أزمات 2025 أن الأمن لا يقوم بالقوة وحدها، وأن الانتقال السياسي في سوريا لن يستقر ما لم تشعر كل مكونات المجتمع، لاسيما الأقليات، بأن الدولة الجديدة دولة لهم. النجاح الداخلي هو الشرط الوحيد لترجمة الانفتاح الدولي إلى سلام مستدام، وإلّا بقيت سوريا معلّقة بين فرصة تاريخية للانبعاث… وهاوية فوضى جديدة.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025