هاشتاغ
بحث

بين أعمدة اتصالات متعبة.. كيف تحول "الإنترنت اللاسلكي" إلى بديل مكلف لا يشبه وعوده؟

01/12/2025

الإنترنت-اللاسلكي-سوريا

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - حسن عيسى


في بلدٍ تتكئ بنيته التحتية على ذاكرة ما قبل الحرب، ويعاني اقتصاداً منهكاً، وقطاعات خدمية بالكاد تقوى على الاستمرار، يطفو على السطح في الأشهر الماضية انتشار لافت لشركات خاصة تقدّم خدمة إنترنت "لاسلكي" بوصفها بديلاً مطوّراً عن خدمة الـADSL التقليدية التي تقدّمها المؤسسة السورية للاتصالات.


الوعود المغرية التي ترفعها الشركات -سرعة أعلى، ثبات أفضل، تقنية "متطوّرة"- لم تتطابق مع النتيجة الفعلية عند المشتركين، الذين اكتشفوا لاحقاً أنّ الخدمة الجديدة ليست سوى إعادة تغليف لخدمة ADSL نفسها، تمتد عبر هوائيات سطحية ونقاط توزيع محلية، وتباع بأسعار مضاعفة عشرات المرات.

البناء على أنقاض ADSL المتعب

الإنترنت-اللاسلكي-سوريا

المفارقة تبدأ من هنا. فخدمة الـADSL في سوريا لا تزال -على الرغم من ضعف الجودة- الأرخص في السوق. فمثلاً:

• باقة 2 ميغابت: بين 40 و50 ألف ليرة شهرياً.

• باقة 8 ميغابت: بين 65 و75 ألف ليرة شهرياً.


في المقابل، يحصل المشترك على سرعات حقيقية تتراوح بين:

- 250 و260 كيلوبايت/ثانية لباقة 2 ميغا.

- 800 و900 كيلوبايت/ثانية لباقة 8 ميغا.


أما الخدمة اللاسلكية، التي يفترض أنها "بديل مطوّر"، تأتي بالتسعيرات التالية:

• باقة 2 ميغابت: بين 130 و140 ألف ليرة شهرياً.

• باقة 8 ميغابت: بين 350 و400 ألف ليرة شهرياً.


والمفاجأة أن المشترك يحصل على السرعات نفسها تماماً التي يحصل عليها من ADSL، لا شيء أعلى، لا شيء أسرع، تماماً القيمة التقنية نفسها، لكن بثمن مضاعف ثلاث مرات على الأقل.


وليس ذلك فقط؛ بل إن تكاليف التركيب الأولية تصل إلى:

• ما بين 300 و700 ألف ليرة عند الشركات قليلة التكاليف.

• 1.4 مليون ليرة عند شركات أخرى، تعادل نحو 120 دولاراً.


وهذه الكلفة تشمل:

– لاقط هوائي (antenna).

– راوتر.

– تمديدات سطحية 

– رسوم تثبيت وربط.

– أحياناً صندوق توزيع مشترك.

وعود "الإنترنت الفضائي".. الحقيقة التقنية أقل درامية

الإنترنت-اللاسلكي-سوريا

جزءٌ من جاذبية الخدمة عند السوريين يعود إلى الطريقة التي روّجتها بها بعض الشركات.

وفق شهادات مشتركين، استخدم عدد من المسوّقين مصطلح "إنترنت فضائي" للإيحاء بأن التقنية تعتمد على اتصال مباشر بالقمر الصناعي، وهذا بدا للناس فرصة للهروب من مشكلات ADSL وبنية الاتصالات.


لكن من الناحية التقنية، ووفق توضيحات المكتب الصحافي في وزارة الاتصالات لـ"هاشتاغ"، هذه الخدمة ليست فضائية إطلاقاً، ولا تملك أي بوابة دولية مستقلة؛ بل هي تعتمد على:

- خط ADSL أساسي مرتبط بالمؤسسة السورية للاتصالات.

- لاقط لاسلكي ينسخ هذا الخط ويوزعه على عدد من المشتركين.


أي أنها تعتمد على ADSL كي تعمل، وليس العكس. فلا وجود لتقنية فضائية، ولا إشارات خارج البنية الرسمية؛ بل مجرد مسارات لاسلكية داخلية بديلة للكوابل، بحسب توضيحات المكتب الصحافي.

كيف تعمل تلك الشركات؟ ومن أين تحصل على الإنترنت؟

وفق توضيحات المكتب الصحافي، الشركات التي تعمل في هذا السوق تنتمي إلى نوعين:


1. شركات تمتلك رخصة رسمية: تحصل على الإنترنت من المؤسسة السورية للاتصالات، وتوزعه عبر شبكات لاسلكية محلية ضمن حدود رخصتها.

2. شركات غير مرخّصة: تستخدم "نقاط توزيع" تعتمد على اشتراكات ADSL عادية يتم إخفاؤها أو تجميعها أو مشاركتها عبر هوائيات، من دون موافقات رسمية.


فالجميع يعتمد على المصدر نفسه، بوابة المؤسسة السورية للاتصالات التي تملك البوابة الدولية الوحيدة في البلاد. وهذا يعني أنه لا يوجد مصدر بديل، ولا يوجد إنترنت مستقل، ولا يوجد "فضائي"، ولا توجد أي تقنية موازية.

الخدمة المكلفة تنجح بينما الرخيصة تعاني!

السؤال الجوهري يكمن في أن كيف لخدمة تعتمد على ADSL أن تبدو "أفضل" عند بعض المستخدمين؟


للإجابة عن هذا التساؤل استطلعنا في "هاشتاغ" آراء مستخدمين من شرائح مختلفة، فضلاً عن تقنيين وفنيين مطلعين على واقع خدمة الإنترنت والاتصالات في سوريا، وقد تقاطعت تلك الشهادات وفق الآتي:


- في كثير من الأحياء، خطوط النحاس الأصلية للـADSL متهالكة، فيها انقطاعات، ورطوبة، وضوضاء في الخط.

- بعض المقاسم قديمة جداً، ولا تستطيع تقديم جودة مستقرة.

- بسبب غياب الصيانة الكافية في سنوات الحرب، تراجعت جودة الخطوط تراجعاً كبيراً.

- شركات الإنترنت اللاسلكي تلتف على هذه المشكلة عبر نقاط عالية توضع فوق أسطح الأبنية؛ إذ تتوفر جودة خط أفضل في الموقع الأصلي واستقرار أعلى نسبياً.


ووفق هذا المعنى، الشركات لا تقدم خدمة أفضل تقنياً؛ بل فقط تستعير نقطة جيدة من مكانٍ آخر، وتعيد توزيعها بأسعار هي تحددها.

لماذا تتضاعف أسعار الباقات؟

يبدو التسعير بين الخدمتين متناقضاً منطقياً، لكنه مفهوم اقتصادياً وفق الآتي:


- خدمة ADSL التقليدية: تسعير حكومي مدعوم نسبياً، يعتمد على بنية موجودة منذ سنوات، وتكاليف تشغيلها أقل لكل مشترك، مع الإشارة إلى حقيقة أن سعر خدمة اللاسلكي لا تتفوق تقنياً إطلاقاً على ADSL.


- خدمة الإنترنت اللاسلكي: الشركات تشتري خطاً واحداً ثم تعيد توزيعه على 20 أو 30 أو 50 منزلاً، فتتحمل تلك الشركات تكاليف أجهزة، أبراج، وراوترات، وصيانة، في حين أنها تقدم خدمة خارج الإطار الحكومي؛ لذا تعوّض مخاطرتها بالرفع الكبير للسعر.

الرواية الرسمية: المشكلة بمن يقدّم الخدمة

بيان المكتب الصحافي لوزارة الاتصالات حاول تقديم عدد من التوضيحات والثوابت التي يمكن فيها فهم الآلية التي تعبر عن واقع الخدمة الجديدة في سوريا وما يحيط بها من تبعات، وخلص إلى الآتي:


- الإنترنت اللاسلكي ليس بديلاً رسمياً ولا تطويراً للخدمة.

- لا يجوز إضافة أجهزة من دون موافقة المؤسسة الرسمية.

- الجودة لا تعلو جودة الـADSL الأساسي.

- بعض الشركات تستعمل معدات غير مرخّصة.

- لا يوجد أي إنترنت فضائي مرخص في سوريا حالياً.


فيما يخص الوزارة، فإن المشكلة تكمن في ثلاثة أمور: أولها انتشار مزوّدين غير مرخّصين انتشاراً عشوائياً غير منظم، فضلاً عن كلف إضافية يتحمّلها المواطن بلا عائد تقني. ناهيك عن التسويق المضلّل لبعض الشركات، والذي يوحي بوجود خدمات غير موجودة أساساً.

خلاصة الصورة: خدمة "جديدة" بلا أي جديد

في بلد يعاني فقراً أوسع من الجغرافيا، وانهيار دخلٍ يتزايد كل شهر، يصبح تقديم خدمة إنترنت عادية بسعرٍ مضاعف ثلاث أو أربع مرات فعلاً يثير أسئلة عن آليات الضبط، وجدوى التنظيم، وحقيقة المستفيد النهائي من غياب البديل الرسمي.


فبيان وزارة الاتصالات والشهادات المبنية على وقائع تعتمد على التجربة والتقييم، يظهر أن الإنترنت اللاسلكي ليس خدمة جديدة، ولا تقنية فضائية، ولا تطويراً للبنية؛ بل مجرد قناة بديلة تمر عبر المسار نفسه، وتصل إلى النتيجة نفسها، لكن عبر طريق أغلى مالياً، وأقل شفافية، وأكثر ضبابية.


ومع استمرار غياب تحسين البنية الرسمية، سيظل السوريون في الوقت الحالي بين خيارين:

- خط ADSL رخيص، لكنه متعب وغير مستقر نسبياً.

- لاسلكي مكلف، أكثر استقراراً لكنه لا يحمل جديداً.


وبينهما تبقى القصة معلّقة على أسطح الأبنية؛ إذ تلمع الهوائيات الصغيرة، ليست علامة للتطوّر؛ بل دليلاً آخر على كيف يبتكر الناس حلولاً باهظة للتعامل مع مشكلات رخيصة كان يمكن حلّها منذ سنوات.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025