هاشتاغ - ترجمة
مع خروج السوريين إلى الشوارع للاحتفال بإطاحة الأسد بعد أربعة عشر عاماً من حربٍ أهلية فظيعة، كشفت منظمة "أوبن دورز"، وهي منظمة عالمية تدعم المسيحيين المضطهدين، أن المسيحيين شعروا بالسعادة، لكنهم شعروا بالخوف أيضاً.
وقالت "أوبن دورز": "بعد مرور عام، لا تزال الإجابات غير واضحة، لا شك في أن المشهد السوري قد تغير جذرياً. ثمة تغييرات إيجابية، فقد تحسنت خدمة الكهرباء في جميع أنحاء البلاد، وانفتحت الأسواق، وأتيحت للمواطنين فرص عمل جديدة. ويبدو أن هناك ازدياداً في حرية التعبير عن الآراء من دون خوف من الملاحقة. وقد بدأت سوريا الانخراط مجدداً مع المجتمع الدولي".
وفي تقريرها أول أمس الأربعاء، لفتت "أوبن دورز": "لكن هذه الصورة المتفائلة ليست سوى جزء من الحقيقة. فمنذ بداية العام، تعاني البلاد أزمة سيولة حادة. وتعجز البنوك عن تمكين المواطنين من الوصول إلى أموالهم أو رواتبهم، وهذا يحد من السحب إلى مبلغ زهيد بالكاد يكفي تغطية نفقاتهم، وقد فقد عدد من الذين كانوا يعملون في الحكومة أو خدموا في الجيش السوري في ظل النظام السابق وظائفهم، وهذا يدفع عائلاتهم إلى براثن الفقر".
ونبهت المنظمة: "لعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو انعدام الأمن؛ إذ ينتقم الناس لما حدث في الحرب الأهلية، ويرتكب المجرمون جرائم السطو والقتل"، مشيرة إلى أن ذلك يعود "إلى غياب الوضوح وعدم كفاية قوات الأمن، فضلاً عن تغيير القوانين باستمرار".
بات النفوذ الإسلامي محسوساً بالكامل في مؤسسات الدولة والحكومة
تحديات جديدة
مما زاد الوضع سوءاً، وقوع حوادث عنف عدة خطرة في العام الماضي، وأشارت المنظمة إلى مجازر آذار/مارس 2025، التي استهدفت العلويين – مبينة أن من بين الضحايا خمسة مسيحيين.
كما أشارت إلى أعمال العنف في جنوب سوريا خلال أشهر نيسان/ أبريل وآيار/مايو وتموز/يوليو في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، إضافة إلى تفجير كنيسة "مار إلياس" في دمشق في 22 حزيران/ يونيو، والذي عدته "صدمة عميقة".
بحسب "أوبن دورز"، على مدار العام، أصبحت الحياة اليومية أكثر صعوبة للمسيحيين بسبب أشكال الاضطهاد المختلفة.
ولفتت إلى أن "الخلفية الإسلامية المتطرفة للحكومة الجديدة"، أثارت قلقاً عميقاً بين السكان المسيحيين. بات النفوذ الإسلامي محسوساً بالكامل في مؤسسات الدولة والحكومة.
وكشف عدد من قادة الكنائس لـ "أوبن دورز" قائلين: "هناك شيخ يتخذ قرارات مصيرية ويوجد في كل مكان، سواء في الحكومة أم حتى في نقاط التفتيش".
في هذا السياق، أوضحت المنظمة: "يمكن ملاحظة التغييرات في الشوارع؛ إذ انتشر المتمردون السابقون -الذين كانوا قبل سقوط نظام الأسد يسيطرون فقط على مدينة إدلب ومحيطها- في جميع أنحاء البلاد".
تواجه النساء المسيحيات في الشوارع إهانات وغالباً ما يُوصفن بـ "الكافرات"
ضغوط مألوفة
بخلاف الماضي، يسمع الأطفال في المدارس الحكومية كلمات مسيئة مراراً وتكراراً، يقول الأب يوحنا، كاهن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في حمص: "من الصعب للغاية أن بعض العائلات من جماعتنا امتنعت عن إرسال أبنائها إلى المدارس خوفاً من تعرضهم للإيذاء اللفظي لمجرد كونهم مسيحيين".
يتابع الكاهن: "ونتيجة ذلك، قررت بعض العائلات تحمل عبء النقل وإرسال أبنائها للدراسة في قرى الريف ذات الغالبية المسيحية بدلاً من تركهم في المدينة".
ويضيف: "الأمر الأكثر حزناً هو عجز الكنيسة عن تغيير هذا الواقع".
وبينما يتلقى الطلاب المسلمون دروسهم الإسلامية في المدارس الحكومية، لا يوجد معلمون للدروس المسيحية. في المقابل، غالباً ما يُنقل الأطفال المسيحيون إلى فصل دراسي آخر في الدروس الإسلامية من دون أي أنشطة.
في الشوارع، تواجه النساء المسيحيات إهانات، وغالباً ما يُوصفن بـ"غير المُقدّرات" أو "الكافرات"، بحسب "أوبن دورز".
تقول عاملة في إحدى كنائس حمص: "أعيش في خوف على عائلتي، طوال العام، رأى أطفالي الكثير من الأشخاص الملتحين المسلحين وهم يصفون أمهم بالكافرة".
وتتابع: "أصبحوا الآن يخشون الخروج إلى الشوارع أو الذهاب إلى الكنيسة بمفردهم".
ووفق المنظمة العالمية، حتى رجال الدين يتعرضون للإساءة - يقول الأب إسحاق، وهو أحد قادة الكنائس في حمص، بحزن: "في الأسبوع الماضي، بصق عليّ بعض الرجال فجأة وأنا في الشارع. لم يكونوا من المنطقة. ابتعدتُ ببساطة من دون رد فعل؛ لأن هذا ليس من شيمنا نحن المسيحيين".
يقول مطران في حلب: "شعر الشباب بالإحباط، معتقدين أن وقت تغيير عقول من حولهم قد فات للأسف. دعونا 150 شاباً لحضور جلسة حوار عن سوريا الجديدة... لم يحضر سوى أربعة".
وتتساءل المنظمة: "بعد مرور عام، يبقى السؤال المطروح أين يقع المجتمع المسيحي في سوريا الجديدة؟"
وتشير إلى أن المسيحيين الذين يديرون مشروعات صغيرة، وخاصة أولئك الذين يمتلكون متاجر في مناطق ذات غالبية مسلمة، شهدوا انخفاضاً في عدد الزبائن. في الآونة الأخيرة، كُتبت عبارات تهديد على جدران الكنائس وفي أماكن يرتادها المسيحيون، تتضمن تهديدات بقتلهم.
كل هذا يدفع عدداً من المسيحيين للبحث عن مكان آمن خارج سوريا
عالقون في الوسط
يجد المسيحيون السوريون أنفسهم عالقين في خضم عنف لا يستهدف مجتمعاتهم. ففي منطقة السويداء ذات الغالبية الدرزية، نزح أكثر من نصف المسيحيين المقيمين هناك داخلياً هرباً من انعدام الأمان.
يقول قس الكنيسة الإنجيلية في "خربة"، وهي قرية تابعة لمحافظة السويداء: "بعد الحرب، عملنا لترميم الكنيسة، والآن أراها تُفرغ من جديد... لكننا نواصل أداء شعائرنا الدينية، فالكنيسة لا تستسلم أبداً".
ولفتت المنظمة، حتى في الجزء الخاضع للسيطرة الكردية من سوريا، والذي يُعد عموماً أكثر أماناً للمسيحيين، تصاعدت وتيرة الاضطهاد. ففي هذا العام الدراسي، فرضت السلطات الكردية استخدام المناهج الدراسية باللغة الكردية في جميع المدارس.
أدى ذلك إلى إغلاق 14 مدرسة مسيحية تُدرّس باللغة العربية. وبعد مفاوضات مطولة، سمحت السلطات أخيراً للكنائس بإعادة فتح مدارسها، لكن الدراسة تأخرت أكثر من شهر.
وبحسب "أوبن دورز"، كل هذا يدفع عدداً من المسيحيين للبحث عن مكان آمن خارج سوريا. تنقل عن عامل في إحدى الكنائس في سوريا: "لا أرى أي تغييرات إيجابية لأني لا أشعر بالأمان، كل من حولي يريدون الرحيل".
وتختتم "أوبن دورز": "ما زال مستقبل المجتمع المسيحي في سوريا ما بعد الأسد يتأرجح بين إيمان راسخ وخوف شديد من عدم الاستقرار، لكن ثمة أمل".


