هاشتاغ - متابعة
أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف دورية مشتركة للقوات الأمريكية وقوى الأمن السورية في بادية تدمر، يوم السبت 13 كانون الأول/ديسمبر الفائت، الملف الأمني والسياسي في سوريا إلى الواجهة.
إذ أسفر الحادث عن مقتل اثنين من العسكريين الأمريكيين ومدني، وإصابة ثلاثة آخرين، وسط تحليق مكثف لطيران التحالف الدولي وقطع مؤقت للطريق الدولي بين دير الزور ودمشق.
هذه الواقعة لم تكن مجرد حادث أمني، بل أثارت مخاوف بشأن ثغرات في التنسيق الأمني والجدوى العملية للتحالفات بين دمشق وواشنطن.
تفاصيل الهجوم
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، أن الهجوم نفذه مسلح واحد يُشتبه بانتمائه لتنظيم "داعش" الإرهابي، قبل أن يُقتل خلال اشتباك مباشر مع القوات الأمريكية.
وحدثت الواقعة أثناء جولة ميدانية مشتركة بين القوات الأمريكية وقوى الأمن السورية قرب مدينة تدمر، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من كلا الجانبين.
في حين، دخلت القوات الأمريكية إلى المدينة بعمق البادية عبر رتل مؤلف من نحو 15 آلية عسكرية، برفقة عربات للجيش السوري من قاعدة التنف الحدودية.
ونفذت دورية مشتركة داخل المدينة، واستمر إغلاق الطريق الدولي بين دير الزور وحمص مروراً بتدمر لأكثر من ساعة، قبل عودة القوات الأمريكية إلى قاعدة التنف، مع تحليق مكثف للطيران الحربي للتحالف الدولي.
الرواية السورية والتحذيرات الأمنية
المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، حمّل المسؤولية لقوات التحالف الدولي، إذ أكد أن قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجهت تحذيرات مسبقة للقوات الشريكة حول احتمالية وقوع هجمات في منطقة البادية، إلا أن التحالف الدولي لم يأخذ هذه التحذيرات بعين الاعتبار.
وأشار البابا إلى أن منفذ الهجوم أطلق النار عند مدخل أحد المقرات الأمنية أثناء وجود جولة مشتركة بين قيادة التحالف الدولي وقيادة الأمن الداخلي.
وأضاف أن التحقيقات مستمرة لتحديد ما إذا كان المنفذ مرتبطاً تنظيمياً بالتنظيم المتطرف أو متأثراً بفكره فقط، موضحاً أن المنفذ لا يشغل منصباً قيادياً في الأمن الداخلي ولا يعد مرافقاً للقيادات، وتم تحييده فوراً دون كشف تفاصيل إضافية.
الرد الأمريكي
المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، وصف الهجوم بـ"الإرهابي الجبان"، معبراً عن تعازيه لعائلات القتلى الأمريكيين ومتمنياً الشفاء للمصابين من الجانب السوري.
وأكد براك أن الهجوم استهدف دورية مشتركة، وعكس خطورة استمرار التهديدات الإرهابية في سوريا.
موقف "قسد"
أدانت "قوات سوريا الديمقراطية" الهجوم واعتبرته إرهابياً، مؤكدة في بيان رسمي أن الرد سيكون "حازماً ومباشراً" بحق الجهات المنفذة والداعمة له، وأنها لن تسمح بإعادة تنظيم الجماعات المتطرفة.
وذكرت أنها أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تفكيك البنية العسكرية للتنظيم في شمال وشرق سوريا، وأنها جاهزة لملاحقته واجتثاثه في أي مكان ضمن الجغرافيا السورية، بحسب جريدة "عنب بلدي".
تحليلات وتعليقات
محمد هويدي – كاتب وباحث سياسي
حذر من مقارنة تجربة "قسد" بالسلطة الانتقالية، مشيراً إلى إن نجاح تجربة "قسد" في محاربة الإرهاب لا يعني بالضرورة إمكانية تكرار هذا النجاح مع السلطة الانتقالية، فاختلاف البنية، والعقيدة، وآليات العمل يجعل القياس بين التجربتين مضللا وخاطئا.
وأضاف هويدي: أن "داعش، وجبهة النصرة، وجيش الإسلام، والإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة، جميعهم ينتمون إلى عائلة فكرية واحدة، ومهما تعددت محاولات الفصل أو التمييز بينهم، تبقى الحقيقة أن الجذر الأيديولوجي واحد، وأن الفكرة الجهادية تشكّل منظومة عقائدية مغلقة، يصعب تفكيكها أو المساس ببنيتها العميقة، ولذلك، فإن من يختار الرقص مع الأفاعي لا بد أن يتحمّل لدغتها".
وهاجم هويدي بعض الصحفيين المقربين من السلطة بدمشق والداعمين لها بوصفهم بـ"الكاذبين"، قائلاً: "على ما يبدو، أن صحافيي السلطة الانتقالية يتحركون ضمن غرفة واتساب واحدة، يكررون الرواية ذاتها حرفيا، مستندين إلى نظرية: «اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك». إن ربط ما جرى في تدمر بقوات سوريا الديمقراطية أو بإيران ليس سوى طرح ساذج يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق".
واستند هويدي بتعليقه على تصريح المتحدث باسم وزارة الداخلية حين كان واضحاً وشفافاً بتأكيده أن منفذ العملية عنصر من الأمن العام، ما ينسف كل محاولات التضليل والقفز على الحقائق، على حد قوله.
إبراهيم شير – كاتب وصحفي
يرى أن الهجوم يمثل بداية مرحلة جديدة في تعامل واشنطن مع دمشق، موضحاً أن المهاجم لم يكن فرداً عادياً بل مرافقاً لأحد المسؤولين، ما يجعل الحدث ذا أبعاد سياسية أكثر من كونه حادثاً أمنياً فردياً.
وأشار إلى أن العملية قد تعزز المواقف المتشددة داخل الكونغرس الأمريكي تجاه الانفتاح على دمشق، قائلاً: "إن العملية ستعزز الموقف الحاد لمجموعة كبيرة من الجمهوريين والديمقراطيين الذين انتقدوا إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وانفتاحها على دمشق، خاصة مديرة الاستخبارات الأميركية، تولسي غابارد، والتي لديها موقف خاص من إدارة دمشق الحالية، والتي "اعتبرت أن ارتداء قيادات القاعدة للبدلة الرسمية لا يعني أبدا تخليهم عن فكرهم السابق".
مُضيفاً: "إن العملية ستسرع عودة الضباط الذين وعد الشرع بعودتهم إلى وزارة الداخلية والتي ستشهد إعادة هيكلة بشكل جذري ثم سيتم إعادة النظر بوزارة الدفاع".
ماهر شرف الدين – كاتب وسياسي
انتقد ما وصفه بـ”الفضيحة المؤسسية” في التعامل مع المنفذ، مشيراً إلى أنه كان من المقرر فصله قبل إرسال وفد أمني للقاء القوات الأمريكية، واعتبر أن “قسد” أظهرت جدارتها كونها الشريك الأمريكي الأكثر موثوقية في مكافحة الإرهاب.
خالد سرحان – باحث سياسي
اعتبر الهجوم دليلاً على أن الحادث ليس عابراً، وأنه يحمل دلالات خطيرة على المرحلة المقبلة، واصفاً القادم بدلالة سلبية كما يقول المثل الشعبي: "أول الغيث قطرة".
صهيب عنجريني – صحفي
أشار إلى أن الرواية الرسمية حول الهجوم تكشف ضعف التنظيم الداخلي، معتبرًا أن الحادث أظهر نقصاً في الالتزام بالإجراءات الأمنية الأساسية.
فرح يوسف – ناشطة سياسية
دعت إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، وأعربت عن صدمتها من وجود عناصر متطرفة داخل سلطة الشرع، مشددة على ضرورة مراقبة الأيديولوجيات المتطرفة في المؤسسات الأمنية.
محمد سامي الكيال – ناشط وباحث سياسي
اعتبر أن الحادث يكشف عن وجود “عناصر داعشية منفلتة” ضمن الأجهزة الأمنية، محذراً من التغطية الإعلامية التي قد تخفي حجم الإرباك السياسي الناتج عن العملية.
مهاجماً الرئيس الأمريكي المبعوث الخاص إلى سوريا، وبلغة حادة، يقول الكيال: "من الطبيعي أن يرقّع برّاك وترامب ما حدث اليوم في سوريا، ومقتل الأميركان الثلاثة، أكثر حتى من ترقيع شراشيح الجولاني أنفسهم. فالموضوع محرج لهما جدا أمام الرأي العام الأميركي، الذي يمكن أن يقول ببساطة: هذه نتائج سياساتكما وتحالفاتكما، وأيضا الرُشى التي تلقيتماها، سيسعى هذان الاهتران للدفاع عن خطهما حتى النهاية. ولكن "النهاية" قد تكون قريبة جدا، ولن تحتاج إلى سنوات كما حدث مع المجاهدين الأفغان. فالجولاني وميليشياته ليفيل غير مسبوق من الشرشحة، سيحرج ويدين كل من يراهن عليه. والشرشوح شرشوح، ما فيك تساويه بني آدم".
بلال سليطين – صحفي
قال إن الحادث ألحق ضرراً كبيراً بخطط الانفتاح الدولي على سوريا، وأعاد التركيز على مكافحة الإرهاب، مشدداً على ضرورة امتلاك عناصر أمنية مستقلة فكرياً وسياسياً لضمان الاستجابة الفعالة.
واعتبر سليطين ما حدث انتكاسة ستؤثر على سوريا وعلى بنية الاستجابة لاحقاً، مُضيفاً: "هذا يعيدنا للحديث عن بنية هذه الأجهزة الأمنية وهوية العناصر التابعين لها، إذ أن سوريا تحتاج لعناصر أمنيين غير متفاعلين دينياً أو سياسياً، أي عنصر ليس لديه مشكلة مع شخص سواء كان كافراً ام متديناً، يلتزم بالأوامر أينما وضع في أنحاء سوريا، ولا يشكل خطراً على اجتماع او مجتمع".
وليد الدرويش – عضو مجلس شعب سابق
ربط منفذ الهجوم بشخصيات مقربة من قيادات تنظيمية سابقة، معتبراً أن هذه الصلات قد تعقد المشهد السياسي وتفتح أبواب فرضيات متعددة حول دوافع العملية.
سياق سياسي وعسكري أوسع
يأتي الهجوم بعد إعلان دمشق انضمامها رسمياً للتحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى واشنطن.
كما نفذت القيادة المركزية الأمريكية أواخر تشرين الثاني الماضي، عمليات مشتركة مع وزارة الداخلية السورية دمرت أكثر من 15 موقعاً ومستودع أسلحة للتنظيم في جنوب سوريا.


