هاشتاغ
بحث

"اقتصاد الولاء".. كيف تحوّلت رواتب السوريين إلى نظام مكافآت سياسي

21/12/2025

كيف-تحولت-رواتب-السوريين-إلى-نظام-مكافآت-سياسي-

شارك المقال

A
A

هاشتاغ – خاص


في نهاية كل شهر، لا ينتظر السوريون الراتب فقط، بل ينتظرون الإجابة عن سؤال أعمق:

هل ما زالوا جزءاً من دولة، أم مجرد هامش في نظام ولاءات جديد؟


بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "قفزات تاريخية" في الأجور، والواقع المعيشي الذي يزداد قسوة، تتسع فجوة لم تعد مالية فحسب، بل سياسية واجتماعية، تُعيد تصنيف السوريين داخل مؤسساتهم، لا وفق الكفاءة أو الخبرة، بل وفق المسار، والانتماء، ودرجة "الرضا" السياسي.


هذا التحقيق، المبني على شهادات موظفين حاليين وسابقين، وآراء خبراء اقتصاديين، ومصادر خاصة، يتتبع كيف تحوّلت سياسة الأجور من أداة إدارية إلى أداة حكم، وكيف يُسوَّق تفاوتٌ فئوي بوصفه "إصلاحاً اقتصادياً" ، فيما يُعاد إنتاج دولة بطبقات غير معلنة.

ما يؤلمني ليس الفقر وحده، بل حين أرى شاباً في المكتب المجاور، عُيّن حديثاً لأنه من موالي السلطة، يتقاضى أكثر من 900 دولار

"نقبض كل شهر ونصف".. بداية الفجوة


"أعمل هنا منذ أكثر من عشرين عاماً. لم أترك وظيفتي لأنني لا أملك بديلاً. اليوم راتبي، بعد كل التعديلات، لا يتجاوز مليون ونصف المليون ليرة".


بهذه الكلمات يلخّص أبو محمد، الموظف في المؤسسة العامة للكهرباء، شعور شريحة واسعة من العاملين في الجهاز الإداري السوري.


الرجل يقضي أكثر من نصف يومه في الدائرة، كما فعل في سنوات النظام السابق، لكن ما تغيّر ليس فقط قيمة الراتب، بل مكانته داخل المؤسسة نفسها.


"ما يؤلمني ليس الفقر وحده، بل حين أرى شاباً في المكتب المجاور، عُيّن حديثاً لأنه من موالي السلطة، يتقاضى أكثر من 900 دولار.. نقوم بالعمل ذاته، وربما أتحمّل أنا عبئاً أكبر، لكن الفارق أنني موظف "قديم" وهو موظف جديد" .

شهادة أبو محمد ليست استثناء


في وزارات خدمية بدمشق وحمص واللاذقية، يقول موظفون إنهم لا يتقاضون رواتبهم بانتظام شهرياً أصلاً، بل كل شهر ونصف، وأحياناً أكثر، في وقت تُملأ فيه المنصات الإعلامية بأرقام عن زيادات" غير مسبوقة".

الزيادات الكبيرة لم تشمل عموم الجهاز الإداري، بل تركزت في أجهزة محددة، أبرزها الأمانة العامة للشؤون السياسية (الخلف الوظيفي لحزب البعث سابقاً)

من هم المستفيدون فعلياً؟


بحسب مصادر متقاطعة تحدث إليها "هاشتاغ"، فإن الزيادات الكبيرة لم تشمل عموم الجهاز الإداري، بل تركزت في أجهزة محددة، أبرزها الأمانة العامة للشؤون السياسية (الخلف الوظيفي لحزب البعث سابقاً)، حيث تؤكد المصادر أن رواتب بعض العاملين وصلت إلى 800–1000 دولار.


فيما كوادر قادمة من إدلب ومناطق الشمال الغربي، جرى تعيينها في مؤسسات الدولة برواتب بالدولار، مع بدل سكن وتعويضات.


ويتقاضى متطوعون في أجهزة أمنية واستخباراتية، نحو 1300 دولار، إضافة إلى تعويضات تصل إلى 700 دولار، وسيارات خدمة، وفقا للمصادر.


في المقابل، بقيت رواتب المديرين "العاديين" على ملاك الدولة بحدود مليون ونصف المليون ليرة، أي أقل من 150 دولارا، بينما لا يزال آلاف الموظفين يتقاضون 400–500 ألف ليرة فقط.


موظف في وزارة خدمية قال: "في المؤسسة نفسها، هناك نظامان، موظف بالليرة وموظف بالدولار. الفرق ليس الكفاءة بل الانتماء ومسار التعيين" .


منذ بداية المرحلة الانتقالية، تكرّر الحديث الرسمي عن زيادات كبيرة في رواتب القطاع العام. مرة 300%، ثم 400%، وصولاً إلى رقم صادم جاء على لسان حازم الشرع مؤخرا (4000%) ، قُدّم بوصفه دليلاً على تحسّن جذري في معيشة السوريين.


لكن حساباً بسيطاً يكشف حجم التضليل.

زيادة بنسبة 4000% تعني أن راتباً كان يعادل 15 دولاراً يجب أن يصبح أكثر من 600 دولار.


في الواقع، لا يزال غالبية الموظفين يتقاضون ما يعادل 30 إلى 150 دولاراً، وبعضهم أقل.


الباحث والخبير الاقتصادي يونس الكريم يصف هذه الأرقام بأنها "وهم مُصاغ بلغة محاسبية" ، موضحاً أن ما جرى هو تعديل اسمي للأجور، لا تحسّناً في الأجر الحقيقي.


يقول الكريم إن مقارنة راتب قديم جداً (20 ألف ليرة) براتب اسمي حالي (850 ألف ليرة) قد تبدو قفزة حسابية، لكنها بلا معنى اقتصادي، خصوصاً أن هذه الزيادات ترافقت مع رفع الدعم وانفجار التضخم.


ويضيف في تصريحات لهاشتاغ: "المواطن لم يشعر بزيادة، بل شعر بزيادة جباية الدولة عليه. نحن أمام تسويق سياسي لانتصارات اقتصادية وهمية، في ظل غياب كامل للشفافية. لا نعرف رقماً واحداً واضحاً عن الموازنة العامة حتى الآن" .

مصدر اقتصادي قريب من دوائر القرار قال لـ"هاشتاغ": "المشكلة ليست في المبالغة فقط، بل في تعميم امتيازات فئوية وكأنها سياسة عامة. هذا يضرب المصداقية داخلياً وخارجياً”.

حين يصبح الرأي سياسة.. حازم الشرع نموذجاً


خطورة المشهد، كما يرى اقتصاديون، لا تكمن فقط في الأرقام، بل في الجهة التي تصدر عنها.


حازم الشرع، الذي يشغل منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية (من دون مرسوم منشور)، لم يتحدث بصفته مراقباً، بل كممثل لسياسة يُفترض أنها سيادية.


تصريحاته عن زيادات هائلة جاءت خلال جولات خارجية شملت السعودية وقطر، في وقت يعرف السوريون والعالم أن دولاً مانحة هي من يمول جزءاً من رواتب القطاع العام، ما جعل هذه التصريحات مثار استغراب حتى داخل الدوائر الداعمة.


مصدر اقتصادي قريب من دوائر القرار قال لـ"هاشتاغ": "المشكلة ليست في المبالغة فقط، بل في تعميم امتيازات فئوية وكأنها سياسة عامة. هذا يضرب المصداقية داخلياً وخارجياً”.

حين يتحول الأجر إلى أداة فرز سياسي، وتصبح الوظيفة وسيلة استقطاب فصائلي، نفقد آخر ما تبقى من منطق الدولة

نظام الأجور الثلاثي.. دولة داخل الدولة


وفق الباحث الاقتصادي يونس الكريم، ما يجري اليوم يتجاوز الجدل حول الدولار والليرة. نحن أمام نظام ثلاثي للأجور يعيد تشكيل المجتمع السوري طبقياً، ويفكّك ما تبقى من هوية الدولة المؤسساتية، فالنواة الصلبة للسلطة (كوادر مرتبطة بهيئة تحرير الشام/حكومة الإنقاذ سابقاً) تحصل على رواتب تبدأ من 1200 دولار وما فوق.


أما كوادر المناطق الإدارية الجديدة، فهي بين 400 و1300 دولار.


في حين أن الجهاز الإداري التقليدي، فموظفوه يخضعون لسلم رواتب وزارة المالية المنهار بالليرة السورية.


هذا التفاوت، بحسب الكريم، ليس اختلاف دخل، بل هندسة طبقية مقصودة تُعيد تعريف من يستحق الدولار ومن يُترك في الهامش: "حين يتحول الأجر إلى أداة فرز سياسي، وتصبح الوظيفة وسيلة استقطاب فصائلي، نفقد آخر ما تبقى من منطق الدولة" .

"طبقتان لا تلتقيان إلا في الممرات"


في أحد المشافي الحكومية، يصف سليم، الفني في القطاع الصحي، المشهد بمرارة:


"هناك طبقتان من الموظفين لا تلتقيان إلا في الممرات. نحن بقايا الكادر القديم، رواتبنا سقفها مليون ونصف المليون ليرة (150 دولار). في المقابل، الإداريون الجدد أو القادمون من خلفية فصائلية، رواتبهم تبدأ من 700 دولار وتصل إلى 1200" .


يضيف: "حين نشتكي، يُقال له إن" ميزانية الكوادر الخاصة تختلف عن ميزانية الموظفين العامين.. كيف يمكنني أن أشعر بالانتماء لهذا المكان، وأنا أرى زميلي يشتري سيارة حديثة، بينما أفكر مرتين قبل شراء كيلو لحم؟" كما يقول سليم.

يرى يونس الكريم أن ما يحدث هو توزيع مؤسسات الدولة كغنائم حرب، حيث تُعامل كل مؤسسة كـ"إقطاعية حديثة" تدار لمصلحة الجهة المسيطرة عليها.

إدلب.. مرجعية رواتب مختلفة


يفسّر خبراء اقتصاد جزءاً من هذا التفاوت بأن إدلب عاشت سنوات بنظام أجور مختلف، يعتمد على الدولار أو الليرة التركية، خصوصاً في القطاعات الأمنية والإدارية.


ومع انتقال كوادر كاملة من تلك البنية إلى مؤسسات الدولة، نُقلت معها مرجعية الرواتب نفسها، من دون توحيد أو إعادة هيكلة، ما خلق صداماً مباشراً مع جهاز إداري يعيش على الليرة المنهكة.


يرى يونس الكريم أن ما يحدث هو توزيع مؤسسات الدولة كغنائم حرب، حيث تُعامل كل مؤسسة كـ"إقطاعية حديثة" تدار لمصلحة الجهة المسيطرة عليها.

"نحن نضمن الولاء".. الرواية المقابلة


في المقابل، يقدّم زياد، الموظف الإداري المحسوب على الهيئة، رواية مختلفة.


يقول إن الكوادر الجديدة جاءت لإدارة مؤسسات في ظروف صعبة، وإن معظمهم عمل لسنوات دون مقابل: "الرواتب التي نتقاضاها، بين 800 و1000 دولار، نراها حقاً طبيعياً لتأمين حياة كريمة. السياسة المالية تعطي الأولوية لمن تثق بهم المؤسسة في مفاصلها الحساسة" .


هذه الشهادة، بقدر ما تبرر، تكشف جوهر المشكلة: الراتب لم يعد أداة معيشة، بل أداة ثقة وضمان ولاء.

وهكذا تشكّلت ثلاثية قاسية: موظف قديم براتب متآكل، موظف مفصول بلا دخل، وموظف جديد مقرّب بامتيازات عالية.

الفصل والفرز.. الوجه الأشد قبحا


الأخطر من تدني الرواتب، هو غيابها الكامل لدى شريحة واسعة. فعشرات الآلاف فُصلوا أو أُوقفت رواتبهم منذ سقوط النظام السابق، تحت عناوين "إعادة هيكلة" أو "تدقيق وظيفي" ، وسط اتهامات باتخاذ قرارات على خلفيات سياسية أو طائفية.


وهكذا تشكّلت ثلاثية قاسية: موظف قديم براتب متآكل، موظف مفصول بلا دخل،وموظف جديد مقرّب بامتيازات عالية.

نيوليبرالية بلا دولة


في هذا السياق، يبدو الحديث الرسمي عن "اقتصاد سوق" أو نيوليبرالية بلا مضمون فعلي. فالنيوليبرالية، نظرياً، تقوم على الشفافية وسيادة القانون. أما ما يجري اليوم، فيصفه الكريم بأنه خصخصة أرباح وتعميم خسائر: "قطاعات مربحة كالاتصالات والنفط والموانئ مُنحت بعقود غامضة، فيما تُركت القطاعات الخاسرة داخل الدولة لتغرق أكثر، ويتحمل المواطن وحده الكلفة."

السيادة المؤجلة.. حين تُربط الرواتب بالخارج


الاعتماد على تمويل خارجي للرواتب كان مفهوماً في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، لكن استمراره يعكس، بحسب كريم، فشلاً في بناء دورة إنتاج داخلية.


وبدلاً من استعادة الموارد السيادية، جرى ربط لقمة عيش السوريين بالتوازنات السياسية الدولية، ما جعل الاستقرار الاجتماعي رهينة قرارات المانحين.

كما قالت أمينة، موظفة في الشؤون المدنية: “نعيش في مؤسستين داخل المكان نفسه؛ واحدة تأكل لتشبع، وأخرى تعمل لتجوع".

دولة أم فصيل؟


حين تُدار الرواتب بمنطق الولاء لا القانون،ووحين تُسوَّق امتيازات فئوية كإنجاز وطني،

لا تعود المشكلة في رقم الزيادة، بل في بنية الدولة نفسها.


وإلى أن تُعتمد سلالم رواتب موحدة وعلنية، وشفافية في كتلة الأجور ومصادر تمويلها، ومعايير تعيين وفصل قابلة للطعن،


سيبقى السوريون، كما قالت أمينة، موظفة في الشؤون المدنية: “نعيش في مؤسستين داخل المكان نفسه؛ واحدة تأكل لتشبع، وأخرى تعمل لتجوع".

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026