هاشتاغ - خاص
خلال أقل من أسبوعين، شهدت دمشق ثلاث وقائع سرقة متتالية طالت مواقع يفترض أنها من الأكثر حساسية وحماية في البلاد: المتحف الوطني بدمشق، مركز الوثائق التاريخية ضمن كتلة مديرية المباني الحكومية، وتمثالاً فنياً–دينياً بارزاً عند مدخل باب كيسان.
ورغم اختلاف طبيعة المسروقات، إلا أن القاسم المشترك بين الوقائع الثلاث هو غياب الحماية، تضارب الروايات الرسمية، ووجود أسماء إدارية نافذة في قلب المشهد، ما فتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول قدرة – أو رغبة – السلطة في حماية ما تبقى من الذاكرة السورية.
من إهمال إلى استغلال مباشر للموقع الوظيفي
المتحف الوطني.. من بيان احتفالي إلى اتهام داخلي
نشرت وزارة الثقافة بياناً مطوّلاً تحدثت فيه عن "جهود كبيرة" أفضت إلى تفكيك "شبكة سرقة الآثار" التي استهدفت المتحف الوطني قبل أسابيع، معلنة إلقاء القبض على "رأس الشبكة" الذي اعترف وقدّم معلومات عن متورطين آخرين.
غير أن الاسم الذي ورد في سياق التحقيقات (طارق الحامض)، ليس وافداً من خارج المؤسسة، بل شخصية إدارية عُيّنت داخل المديرية العامة للآثار والمتاحف، ولا تحمل أي خلفية علمية أو مهنية في مجال الآثار.
وتشير المعلومات المتقاطعة إلى أن المتهم كان مندوباً للإدارة السياسية، وجرى تعيينه مديراً للعلاقات العامة في المديرية، وأنه كان من الدائرة الضيقة المحيطة بالمدير العام، وشارك في وفود خارجية رسمية، من بينها مؤتمر عُقد في لوزان في تشرين الأول 2025، مخصص لملف "إعادة تأهيل تدمر" ، رغم عدم امتلاكه أي صفة تخصصية تؤهله لذلك.
الأخطر، أن التحقيقات لا تتوقف عند سرقة قطع من المتحف، بل تشمل أسلحة مسجلة أثرياً كانت محفوظة كأمانة في مستودعات المديرية، تعود لمتحف دير عطية، ما يوسّع القضية من "إهمال" إلى استغلال مباشر للموقع الوظيفي.
كيف يُمنح شخص موقعاً إدارياً حساساً داخل مؤسسة سيادية ثقافياً ثم يُتهم بسرقة محتواها؟ ومن يراجع آلية التعيين والمحاسبة؟
نفي بالأمس.. واتهام اليوم
المفارقة التي تزيد الشبهات تعقيداً، أن الشخص نفسه كان قد ظهر في تصريحات إعلامية عقب تداول خبر سرقة المتحف، نافياً وقوع أي سرقة من الأساس. هذا النفي، الذي جرى تداوله رسمياً، عاد اليوم ليصبح جزءاً من ملف الاتهام.
وبين النفي السابق والاتهام اللاحق، يبرز سؤال مركزي: كيف يُمنح شخص موقعاً إدارياً حساساً داخل مؤسسة سيادية ثقافياً، ثم يُتهم بسرقة محتواها؟ ومن يراجع آلية التعيين والمحاسبة؟
مركز الوثائق.. سرقتان خلال يومين
بالتوازي مع قضية المتحف، سُجّلت سرقة داخل مديرية المباني الحكومية، التي تضم مركز الوثائق التاريخية، حيث طالت المسروقات تجهيزات وبنية تحتية.
لكن اللافت أن سرقة ثانية وقعت في المكان نفسه في اليوم التالي مباشرة، بعد زيارات لمسؤولين في الوزارة والمديرية العامة للآثار، ما يطرح علامات استفهام حول جدية الإجراءات المتخذة، أو حتى طبيعتها.
مصادر متابعة أكدت أن السرقة الثانية اقتصرت على تخريب وسرقة مكيفات، وشوفاجات، وأسلاك كهربائية، في مشهد يعكس فوضى أمنية كاملة داخل منشأة رسمية.
تمثال القديس بولس.. برونز "للتنحيس"
الواقعة الثالثة، والأكثر حساسية مجتمعياً، تمثلت في سرقة تمثال "اهتداء القديس بولس" عند مدخل دير مار بولس في باب كيسان.
العمل، المنفذ من البرونز بارتفاع يقارب 3.5 أمتار، هو للفنان الإيطالي العالمي Mario Toffetti، المعروف بلقب "نحّات الباباوات" ، وقد دُشّن رسمياً عام 1999 بطلب من البطريركية في دمشق، وفقا لبحث أجراه الصحفي السوري محمد السلوم.
التمثال لم يُسرق فقط، بل شُوّه أثناء اقتلاعه، في عملية وصفتها المحافظة بأنها من فعل "ضعاف النفوس" بدافع "الطمع" بقيمة البرونز.
غير أن توصيف الجريمة كـ" تنحيس" يتجاهل بعدها الرمزي والديني، إذ أثارت الحادثة غضباً واسعاً في الأوساط المسيحية، التي رأت فيها اعتداءً على رمز ديني وتاريخي في قلب دمشق القديمة.
المشكلة لا تكمن فقط في ضعف الإمكانات بل في منظومة تعيين قائمة على الولاء لا الكفاءة
المسؤولية.. إهمال أم تواطؤ؟
ما يجمع هذه السرقات الثلاث ليس فقط توقيتها، بل البيئة الإدارية والأمنية التي سمحت بحدوثها. متحف وطني، مركز وثائق، وتمثال ديني في موقع سياحي–تاريخي.. جميعها سقطت بلا حماية فعلية.
مصادر خاصة ترى أن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف الإمكانات، بل في منظومة تعيين قائمة على الولاء لا الكفاءة، أوصلت أشخاصاً "جاهلين بقيمة الآثار" إلى مواقع إدارة وحراسة الذاكرة السورية.
الأدهى، بحسب هذه المصادر، أن بعض من أُوكلت إليهم مهمة الحماية كانوا جزءاً من شبكة النهب نفسها، ما يحوّل القضية من تقصير إداري إلى مسؤولية سياسية مباشرة.
في بلد فقد جزءاً كبيراً من تراثه خلال الحرب، تبدو هذه الوقائع بمثابة جرس إنذار جديد: آثار سوريا لا تُنهب فقط تحت القصف… بل أيضاً من داخل المؤسسات التي يفترض أنها تحميها.


