هاشتاغ - ترجمة
أفادت صحيفة "واشنطن بوست" في تحقيق صحفي مطوّل، نشرته اليوم، بأن إسرائيل تنظر إلى رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا بعين الريبة الشديدة، نظراً لارتباطاته بتنظيم "القاعدة"، الذي يعارض بشدة وجود إسرائيل، بالإضافة إلى انتشار مقاتلين متطرفين ضمن صفوف أنصاره، ونتيجة "الصعود المفاجئ" لأحمد الشرع، زودت الميليشيات المعارضة لحكمه بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والأموال.
وكشفت الصحيفة الأمريكية: "في جنح الظلام، بدأت طائرات الهليكوبتر الإسرائيلية بالوصول إلى جنوب سوريا في 17 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد تسعة أيام من الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد.
إلى جانب شحنات المساعدات الإنسانية، كانت هناك 500 بندقية وذخيرة وسترات واقية من الرصاص، أُسقطت جميعها جواً وسراً من قبل إسرائيل لتسليح الميليشيا الدرزية المعروفة باسم "المجلس العسكري"، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين سابقين شاركا مباشرة في العملية.
وتسعى إسرائيل، التي باتت قوة مهيمنة بشكل متزايد في الشرق الأوسط، إلى التأثير على مجريات الأحداث في سوريا من خلال دعم ميليشيات درزية متحالفة معها، في إطار جهودها لإضعاف التماسك الوطني للبلاد، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين، وبالتالي عرقلة مساعي الشرع لتوحيد البلاد بعد حربها الأهلية الطويلة.
وتابعت الصحيفة: كانت الإمدادات الإسرائيلية السرية جزءاً من جهد طويل الأمد لدعم الدروز، وهم أقلية دينية لعبت تقليدياً دوراً في سياسات العديد من دول الشرق الأوسط، بحسب مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين.
وتؤكد إسرائيل أيضاً التزامها بدعم الدروز، المنتشرين في عدة دول شرق أوسطية. وتربط إسرائيل علاقات وثيقة بالدروز، الذين لعبوا دوراً بارزاً في إسرائيل، بما في ذلك شغلهم مناصب عليا في الجيش والحكومة، ولذلك يُنظر إليهم كحليف طبيعي في سوريا من قِبل العديد من أعضاء المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية.
وقد كشف التحقيق الذي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" أن هذا الجهد لا يزال مستمراً حتى اليوم.
بلغ تدفق الأسلحة ذروته في نيسان/ أبريل، بعد اشتباكات بين مقاتلين درز سوريين ومسلحين إسلاميين موالين للشرع. وتراجعت حدة التوتر في آب/أغسطس بعد أن تحولت إسرائيل إلى التفاوض مع الشرع، وبرزت شكوك لدى المسؤولين الإسرائيليين حول مصداقية الانفصاليين الدروز السوريين وجدوى أهدافهم.
لكن إسرائيل تواصل إنزال معدات عسكرية غير فتاكة، كالدروع الواقية والإمدادات الطبية، جواً لمقاتلي الدروز السوريين، مما يقوض فعلياً قدرة الشرع على مركزية السلطة، وفقاً لقادة دروز في سوريا ومسؤول إسرائيلي سابق.
كما يقدم الإسرائيليون دفعات شهرية تتراوح بين 100 و200 دولار لنحو 3000 من الميليشيات الدرزية، بحسب مسؤولين درزيين، مما يدل على استمرار إسرائيل في الحفاظ على ثقل موازن للحكومة السورية المركزية.
يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن واشنطن ساذجة عندما تصدق تأكيد الشرع على تخليه عن آرائه المتطرفة
توتر بين إسرائيل وواشنطن
أجرت "واشنطن بوست" مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولاً إسرائيلياً وغربياً حالياً وسابقاً، ومستشارين حكوميين، وقادة ميليشيات درزية، وشخصيات سياسية في سوريا وإسرائيل ولبنان، وذلك لإعداد التحقيق. وقد تحدث العديد ممن تمت مقابلتهم شريطة عدم الكشف عن هويتهم، لوصف تفاصيل الدعم الإسرائيلي للدروز السوريين، والذي تضمن أوجه تعاون سري لم يُعلن عنها أو يُنشر عنها سابقاً.
وتتمثل الاستراتيجية الرئيسية للحكومة الإسرائيلية منذ سقوط الأسد في ضمان عدم ظهور نظام قادر على تهديد إسرائيل على حدودها الشمالية الشرقية، ويعتقد المسؤولون أن واشنطن ساذجة عندما تصدق تأكيد الشرع على تخليه عن آرائه المتطرفة.
يعكس دعم إسرائيل للدروز السوريين عدم ثقتها بالشرع وتاريخها الطويل من التدخل الهادئ في بلد مجاور مزقته الحرب الأهلية. وقد شكّل رفض إسرائيل السماح للشرع بتوحيد البلاد - بما في ذلك استمرار دعمها للدروز - مصدر توتر بين تل أبيب ودمشق، وبين إسرائيل وإدارة ترامب، التي جعلت دعم الرئيس السوري الجديد ركيزة أساسية في السياسة الإقليمية الأمريكية.
وتلفت الصحيفة الأمريكية إلى أن العديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية والكونغرس يراهنون على قدرة الشرع على استعادة الاستقرار في سوريا، مما يُخفف التوترات في المنطقة، ويُمهد الطريق لعودة ملايين اللاجئين إلى ديارهم، ويُساعد في الحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
من جهتهم، مسؤولون إسرائيليون يقولون إنه على الرغم من عدم ثقتهم بالشرع نظراً لتاريخه السابق كزعيم لجماعة تابعة لتنظيم "القاعدة"، فقد أبدت إسرائيل براغماتية بتقييد دعمها للدروز السوريين، وتخفيف الضغط العسكري على سوريا، وإتاحة الفرصة للمفاوضات في الأشهر الأخيرة.
وبعد مصافحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى للشرع في آيار/مايو، أوقفت إسرائيل في آب/ أغسطس تدفق الأسلحة إلى الدروز، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين ودروز.
وعلى الصعيد الداخلي، جمّد المسؤولون الإسرائيليون المناقشات الرامية إلى تحويل الدروز السوريين إلى ميليشيا مسلحة تابعة لإسرائيل، وسط مخاوف من الاقتتال الداخلي بين قادة الدروز السوريين، وخطر تورط إسرائيل في سوريا، بحسب مسؤولين إسرائيليين ومستشارين حكوميين.
قال مسؤول إسرائيلي: "لقد قدمنا المساعدة عند الضرورة القصوى، ونحن ملتزمون بأمن الأقليات، لكن هذا لا يعني أننا سنرسل قوات خاصة إلى مواقع قريبة من الدروز أو ننخرط في تنظيم فصائل تابعة لهم".
ووصف المسؤول دعم إسرائيل للدروز بأنه مدروس بعناية، مضيفاً: "نحن نحاول مراقبة تطورات الوضع هناك، وليس سراً أن الإدارة الأمريكية تؤيد بشدة التوصل إلى اتفاق".
وأضاف المسؤول أن هناك قناعة راسخة داخل إسرائيل بأن ليس كل الدروز متفقين مع الزعيم الروحي للدروز السوريين، الشيخ حكمت الهجري، الذي يقود الدعوات للانفصال عن دمشق بدعم إسرائيلي.
ورداً على طلب للتعليق الرسمي الإسرائيلي، صرّح مسؤول حكومي إسرائيلي قائلاً: "بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، فإن إسرائيل عازمة على الدفاع عن مجتمعاتنا على حدودنا، بما في ذلك الحدود الشمالية، ومنع ترسيخ الإرهابيين وشنّ أعمال عدائية ضدنا، وحماية حلفائنا الدروز، وضمان أمن دولة إسرائيل من أي هجوم بري أو أي هجوم آخر من المناطق الحدودية". وقد أدلى المسؤول بتصريحه شريطة عدم الكشف عن هويته. وامتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق على التحقيق الصحفي.
يرى بعض المحللين الإسرائيليين والأمريكيين أن استخدام إسرائيل العدواني للقوة العسكرية في سوريا، وجهودها السرية لتعزيز النزعة الانفصالية الدرزية، كان له نتائج عكسية، وأضرّ بالعلاقات في وقت بدا فيه الشرع حريصاً على التوصل إلى انفراجة دبلوماسية.
وقالت دانا سترول، المسؤولة السابقة في البنتاغون خلال إدارة بايدن، والتي درست سوريا عن كثب: "هناك استياء متزايد في واشنطن من أن الإجراءات الإسرائيلية تُعرقل ما ترغب معظم واشنطن، بل وكل من في الشرق الأوسط، في تحقيقه: سوريا موحدة ومستقرة".
وتابعت: "الركيزة الأساسية التي نتوجه فيها إلى إسرائيل هي: انظروا، لديكم بالفعل قادة في دمشق مستعدون لقول كلمة (إسرائيل) والتحدث عن مستقبل محتمل بعلاقات طبيعية، ومع ذلك تستمرون في القصف أو البحث عن وسيط للعمل من خلاله."
أعدّ الهجري خرائط لدولة درزية مستقبلية مقترحة تمتد حتى العراق وعرضها على دولة غربية
على حافة الهاوية
قبل أشهر من سقوط الأسد، أدرك مسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الشرق الأوسط قد يكون على أعتاب تغيير جذري.
أضعفت العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في عام 2024 حلفاء رئيسيين للأسد، وهم إيران و"حزب الله" اللبناني، مما زاد من عزلته. وذكر مسؤولان إسرائيليان سابقان شاركا مباشرة في هذه الجهود أن قادة الدروز في إسرائيل سعوا إلى إيجاد ند درزي سوري قادر على قيادة ٧٠٠ ألف درزي في سوريا في حال انهيار نظام الأسد. وتوجهوا إلى طارق الشوفي، وهو عقيد سابق في جيش الأسد.
تذكر أحد هذين المسؤولين الإسرائيليين السابقين أنه اختار "٢٠ رجلاً من ذوي الخبرة العسكرية، ووزع عليهم الرتب والمهام، وبدأ العمل على ما سُمي بـ "المجلس العسكري" في معقل الدروز بمحافظة السويداء جنوب سوريا.
في ذلك الوقت، كان المجلس العسكري، بقيادة الشوفي، يحظى بدعم الشيخ الهجري، رجل الدين الدرزي البالغ من العمر 60 عاماً، المولود في فنزويلا، والذي دعا إلى إقامة دولة درزية ذاتية الحكم مدعومة من إسرائيل، وفقاً لما ذكره أحد الأعضاء المؤسسين للمجلس.
ولمساعدة الشوفي في تجديد مبنى قديم ليصبح مركز قيادة، وشراء الزي العسكري والمعدات الأساسية، قام أعضاء دروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بتحويل 24 ألف دولار إليه عبر قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، حسبما أفاد مسؤول إسرائيلي سابق.
وأضاف المسؤول أن الأموال كانت مخصصة لتغطية نفقات المجلس حتى سقوط نظام الأسد. وفي نفس الفترة تقريباً، أرسلت قوات سوريا الديمقراطية ما يصل إلى نصف مليون دولار بشكل منفصل إلى المجلس العسكري، وفقاً لما ذكره المسؤول الإسرائيلي السابق وقائدان درزيان في سوريا.
ولدعم القضية الدرزية، درّبت قوات سوريا الديمقراطية دروزاً سوريين، بمن فيهم نساء، في المناطق الكردية شمال سوريا، ولايزال التعاون مستمراً حتى اليوم، وفقاً لمسؤول كردي رفيع المستوى، وقائد درزي سوري، ومسؤول إسرائيلي سابق، بحسب ما أوردته الصحيفة الأمريكية.
في غضون ذلك، أعدّ الهجري، الزعيم الروحي، خرائط لدولة درزية مستقبلية مقترحة تمتد حتى العراق، وعرضها على حكومة غربية رئيسية واحدة على الأقل في أوائل عام 2025، كما ذكر مسؤول غربي.
بعض القادة الدروز حصلوا من نظرائهم الأكراد على صواريخ مضادة للدبابات وصور من ساحة المعركة التقطتها أقمار صناعية إسرائيلية
استنفار طائرات الأباتشي
عندما سقط الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عقب هجوم خاطف بقيادة الشرع، تحركت إسرائيل على الفور.
دخلت القوات البرية الإسرائيلية الأراضي السورية وسيطرت على 155 ميلاً مربعاً من الأراضي، بما في ذلك مواقع إضافية على قمة جبل الشيخ، وهو قمة استراتيجية تقع على الحدود السورية اللبنانية. شنّ سلاح الجو الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على المنشآت العسكرية السورية لمنع وصول الأسلحة إلى الزعيم السوري الجديد.
وفي غضون عشرة أيام، استنفر عقيد في القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي طائرات أباتشي لنقل بنادق وأموال ومساعدات إنسانية لدعم الدروز، وفقاً لما ذكره مسؤول إسرائيلي سابق.
بلغت شحنات الأسلحة ذروتها في أواخر نيسان/ أبريل وسط مخاوف إسرائيلية من تعرض الطائفة الدرزية للخطر.
مع تصاعد التوترات الدينية في سوريا، اندلعت اشتباكات بين مسلحين إسلاميين يدعمون حكومة الشرع الجديدة ومقاتلين دروز، أسفرت عن سقوط العشرات من القتلى. وتعهد مسؤولون إسرائيليون، خشية تعرض الدروز للهجوم أو الحصار أو الإبادة، علناً بحماية هذه الأقلية.
وردّ المسؤولون الإسرائيليون بإرسال أسلحة مستعملة في معظمها، حصلت عليها القوات الإسرائيلية من قتلى "حزب الله" و"حماس"، وفقاً لما ذكره مسؤول إسرائيلي سابق، وقائد درزي في سوريا، ووسيط مالي.
كما ذكر أحد قادة الميليشيات الدرزية السورية أنه تلقى أيضاً بنادق قنص، ومعدات رؤية ليلية، وذخيرة لمدافع رشاشة ثقيلة عيار 14 ملم و23 ملم. وأفاد قائدا ميليشيات درزية في السويداء أن بعض القادة الدروز حصلوا من نظرائهم الأكراد على صواريخ مضادة للدبابات وصور من ساحة المعركة التقطتها أقمار صناعية إسرائيلية.
تحتاج إسرائيل إلى تصعيد دورها والتصرف كقوة استراتيجية تبني تحالفات مع مختلف الشعوب وتحوّلهم إلى موالين لها وموالية لهم
تبني وكيل عسكري
على الأرض، أنشأت القوات الإسرائيلية ما أسمته "منطقة عازلة"، حيث قدمت لسكان 20 قرية درزية "الحطب والبنزين والديزل والغذاء وكمية قليلة من الماء"، بالإضافة إلى العلاج الطبي في عيادة عسكرية أُقيمت خارج قرية خضر الدرزية، وفقاً لما ذكره مسؤول عسكري إسرائيلي.
داخل الحكومة الإسرائيلية، أنشأت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية مكتباً إدارياً جديداً لتنسيق إرسال المساعدات الإنسانية وغيرها، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة، إلى الدروز السوريين، حسبما أفاد حسون حسون، العميد الإسرائيلي السابق والسكرتير العسكري الرئاسي الذي شارك في جهود الإغاثة.
قاد حسون، وهو درزي ومقرب من هجري، فصيلاً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية دعا إلى دعم إسرائيل الكامل للدروز السوريين كوكيل عسكري في سوريا. قال حسون في مقابلة: "تحتاج إسرائيل إلى تصعيد دورها والتصرف كقوة استراتيجية، قوة تبني تحالفات مع مختلف الشعوب والوكلاء، وتحوّلهم إلى شعوب موالية لها وموالية لها".
وأوضح مسؤول إسرائيلي أن المسؤولين الإسرائيليين أيدوا تسليح الدروز بناء على اعتبارين: أولهما أنهم اعتبروا الجهود الأمريكية والأوروبية للتعاون مع الشرع "ساذجة"، إذ رأوا فيه متشدداً إسلامياً لم يطرأ عليه تغيير، ويشكل تهديداً لإسرائيل إذا ما سُمح له بتعزيز نفوذه. وثانيهما أنهم شعروا بواجب أخلاقي لحماية "إخوانهم" السوريين من الطائفة الدرزية المؤثرة في إسرائيل.
إسرائيل ستواصل الضغط في محادثاتها مع الشرع من أجل "حكم ذاتي مؤسسي" للدروز
تاريخ من الدعم السري
تعود مخاوف إسرائيل من سيطرة الإسلاميين على أراضيها المجاورة، وتدخلها في سوريا، إلى سنوات مضت. فبعد انزلاق سوريا إلى "حرب أهلية" عام 2011، دخل ضباط عسكريون إسرائيليون سوريا لتدريب الميليشيات الدرزية، وقدموا الأسلحة والعلاج الطبي لفصائل المعارضة الأخرى، غالباً بالتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة، وفقاً لما ذكره ثلاثة مسؤولين إسرائيليين سابقين.
امتنع تامر حيمان، اللواء المتقاعد في الجيش الإسرائيلي ورئيس القيادة الشمالية التي تشرف على الجبهة السورية، عن مناقشة الدعم الإسرائيلي للدروز اليوم، لكنه قال إنه خلال الحرب "الأهلية السورية"، قدمت إسرائيل والأردن الدعم لجماعات كانت تُعتبر معادية للمتطرفين السنة.
ويتذكر حيمان قائلاً: "كان هناك مصلحة مشتركة بين إسرائيل وفصائل المعارضة المحلية في القتال أو الدفاع عن الحدود الإسرائيلية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وفي المقابل، قدمنا الدعم اللوجستي الذي تمثل أساساً في العلاج الطبي في المستشفيات الإسرائيلية، والمياه، وإمدادات الغاز، وأحياناً بعض الأسلحة".
يحذر محللون إسرائيليون اليوم من أن دعم دولة درزية تتمتع بالحكم الذاتي أو ميليشيات تابعة لها يمثل وصاية وهذا يختلف تماماً عن التعاون معها لتأمين حدود إسرائيل.
وأشار أحد مستشاري الحكومة إلى أن إسرائيل لم تكن لها "تجربة جيدة في جنوب لبنان"، حيث دعمت ميليشيا موالية لإسرائيل تُعرف باسم جيش جنوب لبنان لمدة عقدين قبل أن تنهار أمام تقدم "حزب الله" عام 2000.
وقال المستشار الإسرائيلي إن دعم دولة مستقلة سيخلق وضعاً "تحتاج فيه إسرائيل الآن إلى الدفاع عن سكان يبعدون 100 كيلومتر عن الحدود". وأضاف: "إذا كان لدينا مصلحة هنا، فهي ليست إنشاء دولة درزية مستقلة".
كما ازداد قلق المسؤولين الإسرائيليين إزاء الصراعات الداخلية على السلطة التي ظهرت بين الدروز السوريين.
وتلفت الصحيفة الإسرائيلية إلى أنه في آب/ أغسطس، سعى الهجري إلى الاعتراف به كسلطة عسكرية شرعية وحيدة بين الدروز السوريين، وحلّت "الحرس الوطني"، وهي ميليشيا جديدة بقيادة هجري وابنه سليمان، محل المجلس العسكري كمتلقي للأسلحة من إسرائيل، وفقاً لقائد درز سوري ومسؤولين إسرائيليين سابقين كانا على صلة مباشرة بالموضوع.
أشعلت هذه الخطوة انقسامات بين قادة الدروز. اتُهم الشوفي، القائد السابق للمجلس العسكري، بالتعاون مع الشرع، واختفى عن الأنظار خوفاً من اعتقاله على يد رجال الهجري.
في المقابل، اتُهم الهجري بالاختطاف، وابنه بالتعامل مع شبكات تهريب مخدرات إقليمية، بما في ذلك حزب الله"، وفقاً لمسؤول إسرائيلي سابق، وقائد درز في سوريا، ووسيط مالي.
قال أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين المشاركين في هذه الجهود: "يدرك الإسرائيليون أنه لا يوجد من يتعاون معه على الجانب الآخر، وبالتأكيد ليس على المدى الطويل".
لم يستجب ثلاثة أشخاص مقربون من الهجري - ابنه ومستشاره وابن أخيه - لأسئلة "واشنطن بوست" المفصلة التي سعت للحصول على تعليق. ولم يتسنى الوصول إلى الشوفي للتعليق.
ينبغي على إسرائيل أن تُقرّ بوجود حدود لتدخلها في الشؤون الداخلية السورية لا سيما في ظل الحوار مع نظام يسعى للتوصل إلى اتفاق أمني
حكم ذاتي
في الأسابيع التي سبقت انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر، وبينما كان المسؤولون الإسرائيليون يناقشون اجتماعاً محتملاً بين نتنياهو والشرع في نيويورك لم يُعقد في نهاية المطاف، أوضح المسؤولون السوريون أنهم لا يرغبون في أن تُسهّل إسرائيل الانفصال الدرزي، وفقاً لما ذكره مستشار الحكومة الإسرائيلية.
وأضاف المستشار أن اتفاقية أمنية مقترحة بين إسرائيل وسوريا انهارت جزئياً بسبب مطالب إسرائيلية تتعلق بضمانات للدروز، بما في ذلك إنشاء ممر إنساني مسوّر يمتد من إسرائيل إلى السويداء.
واليوم، يقول مسؤولون إسرائيليون وآخرون مُطّلعون على الأمر إن الوضع في سوريا - وسياسة إسرائيل تجاه الدروز - لا يزالان غير مستقرين.
وذكر مسؤول إسرائيلي سابق شارك في المفاوضات أن إسرائيل طالبت خلال محادثات بشأن اتفاقية أمنية ثنائية بنزع سلاح جنوب سوريا، وعدم دخول القوات السورية إلى السويداء دون تنسيق مسبق مع إسرائيل.
وأكد مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل ستواصل الضغط في محادثاتها مع الشرع من أجل "حكم ذاتي مؤسسي" للدروز، مضيفًا أن شحنات المساعدات من إسرائيل لا تزال مستمرة، لكنها أقل حجماً وأقل تواتراً.
وفي بيان رسمي، قال مسؤول حكومي إسرائيلي: "تتوقع إسرائيل من سوريا إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى المنطقة العازلة، بما في ذلك مداخل جبل الشيخ وقمته. ... من الممكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين، لكننا سنتمسك بمبادئنا، بما في ذلك توفير الحماية الدائمة لإخواننا وأخواتنا الدروز، الذين تعرضوا لمجازر هذا الصيف في فظائع تُذكّر بأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر".
بالمقابل، كارميت فالنسي، الخبيرة في الشأن السوري بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، قالت إن الدعم الإسرائيلي الأولي لبعض القادة الدروز الانفصاليين، مثل الهجري، قد تراجع، وأن هناك شكوكاً حول جدوى تقديم مساعدات مفرطة، كالكهرباء والماء، لدولة درزية انفصالية.
وأضافت فالنسي: "ينبغي على إسرائيل أن تُقرّ بوجود حدود لتدخلها في الشؤون الداخلية، لا سيما في ظل الحوار مع نظام يسعى للتوصل إلى اتفاق أمني. وطالما استمر الجمود ولم يتم التوصل إلى اتفاق أمني، أعتقد أن إسرائيل ستواصل دعم الدروز".


