هاشتاغ
بحث

أرقام وهمية وتبرعات قسرية.. شهادات تكشف الوجه الخفي لـ"حلب ست الكل"

24/12/2025

أرقام-وهمية-وتبرعات-قسرية..-شهادات-تكشف-الوجه-الخفي-لـ"حلب-ست-الكل"

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - سامي شحرور

 

لم يكن الجدل الذي رافق حملة "حلب ست الكل" حدثاً عابراً، ولا مجرد ضجيج سوشال ميديا. ما جرى خلال أيام قليلة فتح واحداً من أخطر الملفات منذ التغيير السياسي في سوريا: ملف المال، ومن يملكه، وكيف يُجمع، ومن يحميه، ومن يحاسب عليه.

 

ففي مدينة أنهكتها الحرب والدمار، أُعلن عن جمع مئات ملايين الدولارات خلال أيام، في حملة وُصفت بأنها "وطنية" و"جامعة"، لكن سرعان ما تحوّلت إلى موضع اتهام واسع، ليس فقط بسبب ضخامة الأرقام، بل بسبب الطريقة، والأسماء، والغياب شبه الكامل لأي رقابة أو شفافية.

لسنا أمام حملة دعم بل صندوق مغلق بغطاء رسمي

أرقام فلكية.. بلا كشف حساب

وفق ما أُعلن رسمياً، تجاوزت حصيلة حملة "حلب ست الكل" 426 مليون دولار خلال ثلاثة أيام فقط. رقم غير مسبوق في تاريخ حملات الدعم المحلية في سوريا، كان من المفترض أن يُقابل بإجراءات شفافية استثنائية.

 

لكن ما حصل، بحسب مصادر حلبية متعددة تحدثت لـ "هاشتاغ"، كان العكس تماماً.

 

لا بيانات تفصيلية منشورة، لا لوائح تبرعات قابلة للتدقيق، لا تمييز واضح بين "تعهد" و"دفع فعلي"، ولا أي إعلان عن جهة تدقيق مستقلة أو آلية رقابة مالية.

 

يقول مصدر اقتصادي حلبي: "حين يُعلن عن جمع هذا الرقم خلال أيام، دون أن تُنشر قيود محاسبية أو خطة صرف واضحة، فنحن لا نتحدث عن حملة دعم، بل عن صندوق مغلق بغطاء رسمي".

المنصّة تحولت إلى أداة تضخيم سياسي – إعلامي لا مرآة حقيقية للتبرعات

تضخيم التبرعات.. من المنصّة إلى الواقع

أخطر ما تكشف من شهادات حصل عليها "هاشتاغ" هو التفاوت الصادم بين ما دُفع فعلياً وما أُعلن عنه علناً.

 

أحد المتبرعين، وهو رجل أعمال معروف في حلب، أكد أنه قدّم تبرعاً بقيمة 6 آلاف دولار خلال الحفل، قبل أن يُفاجأ بإعلان اسمه على المنصّة باعتباره متبرعاً بـ 6 ملايين دولار.


يضيف المصدر: "لم يُسأل أحد عن الموافقة، ولم يُعرض علينا تصحيح الرقم".


مصدر حلبي آخر، يعمل في قطاع صناعي حساس، تحدث عن شركة محسوبة على السلطة طُلب منها التبرع بمبلغ 10 ملايين دولار خلال مرحلة التواصل مع التجار قبل الحفل. وعندما رفضت لعدم توفر المبلغ، جرى التوصل إلى اتفاق يقضي بدفع مليون دولار فقط، على أن يُعلن الرقم النهائي 11 مليون دولار.

 

هذه الوقائع، إن صحت – وهي متقاطعة في أكثر من شهادة – تعني أن المنصّة تحولت إلى أداة تضخيم سياسي–إعلامي، لا مرآة حقيقية للتبرعات.

هذا التناقض ليس تفصيلاً بل علامة على عقلية إدارة غير مهنية لحملة يُفترض أنها الأكبر في تاريخ المدينة

أسماء على الواجهة.. وأرقام متناقضة

من بين أكثر الحالات إثارة للجدل ما يتعلق برجل الأعمال عبد القادر السنكري. ففي منشورات وتصاميم متداولة على صفحات الحملة، ظهر أنه تبرع بمبلغ 30 مليون دولار، بينما ذُكر في نص مرفق أسفل التصميم نفسه أن قيمة التبرع 40 مليون دولار.


مصادر حلبية تعتبر أن هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل "علامة على عقلية إدارة غير مهنية لحملة يُفترض أنها الأكبر في تاريخ المدينة".

 

وتضيف المصادر: "حين تختلف الأرقام باسم الشخص نفسه، فمن يضمن دقة باقي الأرقام؟”.

تكشف شهادات عن ممارسات ضغط مباشر وغير مباشر مورست على تجار وأصحاب أعمال لدفعهم إلى التبرع

التبرع تحت الضغط.. حين تتحول الرقابة إلى أداة جباية

بعيداً عن الأرقام المعلنة، تكشف شهادات حصل عليها "هاشتاغ" عن ممارسات ضغط مباشر وغير مباشر مورست على تجار وأصحاب أعمال في حلب والشمال السوري، لدفعهم إلى" التبرع".

 

في إحدى الحالات الموثقة، طُلب من تاجر مواد غذائية كبير في الشمال التبرع بمبلغ 50 ألف دولار. وبعد رفضه، فوجئ في اليوم التالي بحملة لإغلاق مستودعاته بحجج تنظيمية. ولم يُعرف حتى الآن ما إذا كان التاجر قد اضطر للدفع لاحقاً لحل المشكلة.

 

وفي حالة أخرى، طُلب من مالك مدرسة خاصة ومعاهد تدريسية في مدينة حلب التبرع للحملة. دفع بداية 2000 دولار، لكنه تفاجأ في اليوم التالي بوجود جميع الجهات التفتيشية التابعة لمديرية التربية داخل مدرسته ومعاهده.

 

وبحسب المصدر، أوحي له بوضوح أن "رفع مبلغ التبرع إلى 15 ألف دولار كفيل بإنهاء المشكلة" ، وهو ما تم فعلاً.

 

يمتنع "هاشتاغ" عن نشر أسماء هؤلاء حماية لهم، لكنه يشير إلى أن مسؤولي المدينة على اطلاع كامل بهذه الوقائع.

وُجهت اتهامات مباشرة إلى حازم الشرع بالوقوف خلف آلية فرض مبالغ مالية على تجار وصناعيين ومالكي مستشفيات خاصة لصالح الحملة

حازم الشرع والملف الاستثماري.. تحت الاتهام

في منشورات واسعة التداول داخل حلب، ووفق مصادر محلية، وُجهت اتهامات مباشرة إلى حازم الشرع، بصفته مشرفاً على "الملف الاستثماري"، بالوقوف خلف آلية فرض مبالغ مالية على تجار وصناعيين ومالكي مستشفيات خاصة، دون صفة رسمية واضحة، لصالح حملة "حلب ست الكل".


هذه الاتهامات، التي لم يصدر أي نفي رسمي واضح بشأنها حتى الآن، وضعت السلطة في موقع المسؤولية المباشرة: فإما أن ما يجري يتم بعلمها، أو أنه يجري تحت نظرها دون تدخل، وفي الحالتين المسؤولية واحدة.

تحويل الحملة إلى منصة تسويات مع شخصيات محسوبة على نظام الأسد السابق

"تبرعات" مقابل تسويات.. تبييض على العلن

الأكثر خطورة في ملف الحملة هو ما وصفه مصدر حقوقي، في تسجيلات حصل عليها "هاشتاغ"، بـتحويل الحملة إلى منصة تسويات مع شخصيات محسوبة على نظام الأسد السابق.

 

بحسب المصدر، جرى الاتفاق مع أصحاب أموال كبيرة على دفع مبالغ ضمن الحملة، تُعلن على المنصّة، مقابل طي ملفاتهم وفتح صفحة جديدة مع السلطة الجديدة.

 

ويذهب المصدر إلى تفاصيل أكثر خطورة، مشيراً إلى حالة شراء "بارودة حجي مارع" بمبلغ ثلاثة ملايين دولار، وهو المبلغ ذاته المتفق عليه كتسوية مع أحد هؤلاء، في مشهد اعتبره "إهانة لرمزية الثورة وتضحياتها".

 

ما يعزز هذه الرواية، وفق مصادر حلبية، هو الحضور اللافت لشخصيات ذات سجل إجرامي أو أمني خلال عهد الأسد في الصفوف الأمامية للحملة، من بينهم أفراد من عائلات مشنوق وبري وأوبري، إضافة إلى شخصيات مرتبطة بـلواء الباقر.

إذا كانت هناك تسويات فلتكن عبر قنوات قانونية لا عبر حفلات ومزادات

من "تبرع" إلى تلميع سياسي

يقول مصدر مطلع على تفاصيل الحملة: "المشكلة ليست في أن يدفع هؤلاء أموالاً، بل في أن يُقدَّموا كرموز عامة، ويُلمَّعوا على المنصّة، ويُمنحوا شرعية اجتماعية وسياسية مقابل المال".


ويضيف: "إذا كانت هناك تسويات، فلتكن عبر قنوات قانونية، لا عبر حفلات ومزادات ورموز ثورية تُعرض للبيع".

خلط التبرعات دفع جهات مانحة إلى إعادة النظر في تمويلها لسوريا

أثر مدمر على المجتمع المدني والتمويل الدولي

بعيداً عن حلب، امتد أثر الحملة سلباً إلى قطاع المنظمات والمجتمع المدني.


مصادر عاملة في منظمات محلية ودولية أكدت لـ "هاشتاغ" أن خلط التبرعات الرسمية–السياسية مع مشاريع الإغاثة والتنمية دفع جهات مانحة إلى إعادة النظر في تمويلها لسوريا.

تقول إحدى هذه المصادر: "حين يشعر المانح أن المال سيُستخدم لتلميع شخصيات أو تسويات سياسية، فهو ببساطة يذهب لتمويل دول أخرى أكثر وضوحاً".


كما تحدثت المصادر عن تعطيل مشاريع لمنظمات دولية، والضغط لتمريرها تحت مظلة "حلب ست الكل" ، ما أفرغ العمل الإنساني من استقلاليته.

عن مصير الأموال.. والشفافية!

حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لم تُنشر أي معلومات تفصيلية حول:

– الحسابات التي أودعت فيها الأموال

– الجهة التي تملك حق الصرف

– المشاريع التي ستُنفذ فعلياً

– الجدول الزمني للتنفيذ

– آلية الرقابة والتدقيق


وبحسب مصادر قانونية، فإن مجرد الإعلان عن جمع مئات الملايين يفرض التزاماً أخلاقياً وسياسياً فورياً بنشر هذه التفاصيل، لا بعد أشهر.

حلب ليست منصة تلميع ولا صندوق تسويات ولا مسرح أرقام وهمية

حلب ليست صندوقاً أسود

في منشور متداول، كتب إبراهيم الحمدان أن الحملة ستُظهر أن "من كانوا بالأمس شبيحة، يتصدرون المشهد اليوم"، ويدفعون من أموال "ليست لهم أصلاً".

 

أما الناشط أحمد بريمو فاعتبر أن ما جرى حوّل الحملة إلى "غسالة" ، تُستخدم لتبييض المال والسجل السياسي معاً، في استمرار لنهج "ادفع تمشي أمورك" .

 

قد تختلف العبارات، لكن جوهر الغضب واحد: حلب ليست منصة تلميع، ولا صندوق تسويات، ولا مسرح أرقام وهمية.

 

وإذا كانت السلطة الجديدة تريد إقناع السوريين بأنها تختلف عمّا سبقها، فملف "حلب ست الكل" ليس تفصيلاً، بل اختباراً مبكراً للشرعية والنزاهة.

 

فالمال، حين يخرج عن الضوء، لا يبني مدينة، بل يعيد إنتاج السلطة نفسها، بأسماء جديدة فقط.

التعليقات

الصنف

اقتصاد

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026