هاشتاغ - ترجمة
ادعت صحيفة "نيويورك تايمز" أن اتصالات مُخترقة وتحليل لوسائل التواصل الاجتماعي، كشفت كيف يُحاول كبار ضباط المخابرات والجنرالات في النظام السوري السابق تسليح مقاتلين وبسط نفوذهم حتى في واشنطن.
وبحسب مزاعم الصحيفة الأمريكية، فإنه ومن خلال مقابلات مع المشاركين ومراسلات بينهم اطلعت عليها، أكدت أنه "لا شك في عزمهم على إعادة بسط نفوذهم في سوريا، التي لا تزال تعيش حالة من التوتر بعد 13 عاماً من الحرب الأهلية".
وفي تحقيق نشرته اليوم، ادعت الصحيفة أن بعض هؤلاء القادة السابقين يحاولون تأسيس تمرد مُسلح من المنفى، وأن أحدهم دعم جماعة تقف وراء حملة ضغط (لوبي) بملايين الدولارات في واشنطن.
وبحسب مزاعم الصحيفة الأمريكية، يأمل العديد منهم في اقتطاع جزء من الساحل السوري، موطن الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس الأسد والعديد من كبار مسؤوليه العسكريين والاستخباراتيين.
وتنقل عن غياث دالا (54 عاماً)، وهو قائد سابق في "الفرقة الرابعة" السورية قوله لأحد مرؤوسيه في مكالمة هاتفية من لبنان في نيسان/ أبريل، تم اعتراضها دون علمه: "لن نبدأ حتى نكون مسلحين بالكامل".
وكانت هذه المحادثة من بين عشرات المحادثات الهاتفية والرسائل النصية ومحادثات المجموعات التي تم نسخها، والتي شاركتها مع "نيويورك تايمز" مجموعة من النشطاء السوريين الذين يزعمون أنهم اخترقوا هواتف كبار قادة الأسد قبل انهيار النظام، ويراقبونهم منذ ذلك الحين.
وادعت "نيويورك تايمز" أنها راجعت هذه المواد، وتحققت من التفاصيل مع مسؤولين سوريين يتابعون شخصيات النظام السابق، بالإضافة إلى أشخاص على اتصال أو يعملون مع من تم اختراق هواتفهم.
وتلفت الصحيفة إلى أن النشطاء لم يشاركوا سوى عينة من موادهم وتحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم لأنهم أرادوا الحفاظ على قدرتهم على مواصلة المراقبة.
ومن أبرز الشخصيات "المتورطة" في هذه الجهود سهيل حسن، القائد السابق للقوات الخاصة التابعة للرئيس الأسد، وكمال حسن، الرئيس السابق لجهاز المخابرات العسكرية السورية السابق.
وتكشف مراسلات نصية ومقابلات مع المشاركين أنهم وزعوا أموالاً، وجندوا مقاتلين، وفي حالة شبكة سهيل حسن، قاموا بتأمين أسلحة.
وقد لجأ الضابطان إلى موسكو مع الرئيس الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ومع ذلك يبدو أنهما قادران على السفر رغم العقوبات الدولية، بحسب الصحيفة.
ووفقاً لمراسلات نصية تناولت مكان وجود سهيل حسن، فقد التقى بمتعاونين معه في لبنان والعراق وحتى سوريا خلال العام الماضي.
كما وردت رسائل تشير إلى زيارة كمال حسن إلى لبنان. وأكد مساعد ومجند ومعارف للصحيفة أنهم التقوا بالجنرال السابق هناك. ومثل غيرهم ممن تمت مقابلتهم حول طموحات الضابطين السابقين، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لوصف خطط كان من المفترض أن تبقى سرية.
لم تتمكن الصحيفة الأمريكية من الوصول إلى سهيل حسن. ورداً على أسئلة عبر رسالة نصية، نفى كمال حسن تورطه في التحريض على تمرد مسلح.
وقلّل مسؤولون سوريون يراقبون "المتمردين المحتملين" من شأن خطر أي تمرد في سوريا. وأصرّ هؤلاء المسؤولون على عدم الكشف عن هويتهم لأنهم غير مخوّلين بالتحدث إلى الصحفيين، بحسب "نيويورك تايمز".
وبالأخذ بعين الاعتبار حالة القلق التي يشعر بها كثيرون "إزاء الجذور المتطرفة للزعيم السوري الجديد، أحمد الشرع، الذي سبق له التحالف مع تنظيم (القاعدة) قبل أن يقود هجوم المعارضة الذي أطاح بالرئيس الأسد"، قال مسؤولان سابقان في جيش الأسد، يتعاونان مع الضابطان، لـ "نيويورك تايمز" إنهما في وضع جيد لتجنيد عناصر من الطائفة العلوية التي لا تعاني من الخوف فحسب، بل تضم أيضاً عدداً كبيراً من الجنود السابقين.
ومع ذلك، يبقى من غير الواضح عدد الذين سيستجيبون للدعوة. لا يزال العديد من العلويين يشعرون باستياء شديد تجاه النظام بعد سنوات من الحرب الأهلية الدامية.
الخطط انهارت والشبكة الأوسع التي حاول دلا وحسن تشكيلها بدأت تتفكك
"المحارب المقدس"
تعود أقدم الاتصالات التي تم اعتراضها، والتي راجعتها الصحيفة، إلى نيسان/ أبريل 2025، حين لاحظ النشطاء الذين اخترقوا الهواتف زيادة ملحوظة في نشاط بعض الأهداف.
وبالإشارة إلى المجزرة التي وقعت بحق الطائفة العلوية قبل ذلك بشهر أي في آذار/مارس في موجة عنف طائفي شنها آلاف السلحين وذهب على آثرها أكثر من 1600 ضحية، معظمهم من العلويين، ولّد ذلك حافزاً لمسؤولي الأسد السابقين الساعين إلى تجنيد مقاتلين علويين، بحسب الصحيفة.
كان من بين أكثر هؤلاء نشاطاً سهيل حسن، القائد السابق للقوات الخاصة، الذي أطلق عليه معجبوه لقب "النمر" لشدة ضراوته في المعارك. عُرف حسن بين صفوف المعارضة السورية بتكتيكات الأرض المحروقة.
ولطالما كان حسن من المقربين للروس، وكان من أوائل المسؤولين الذين سعت موسكو لإجلائهم مع انهيار النظام، وفقاً لما ذكره أربعة ضباط سابقين.
وتلفت الصحيفة إلى أن سهيل حسن، القائد السوري الذي يُخشى جانبه على نطاق واسع، يواجه عقوبات دولية من أكثر من 30 دولة. لكن يبدو أنه لم يكن لديه رغبة تُذكر في البقاء مكتوف الأيدي في روسيا.
منذ نيسان/أبريل وحتى الصيف، تُظهر المراسلات بين حسن وآخرين والتي زعمت الصحيفة الاطلاع عليها، أنه كان يُخطط للعودة إلى الساحة السياسية. ومن بين هذه المراسلات، جداول مكتوبة بخط اليد أُرسلت من هاتفه في نيسان/أبريل، تُوضح عدد المقاتلين والأسلحة في قرى مختلفة على طول الساحل السوري.
أرسل حسن الجداول إلى شخص خاطبه بصفته "القائد الأعلى لجيشنا وقواتنا المسلحة"، وقال إنه "تحقق" من هويات أكثر من 168 ألف مقاتل: 20 ألفاً منهم يحملون رشاشات، و331 يحملون مدافع مضادة للطائرات، و150 يحملون قنابل يدوية مضادة للدبابات، و35 قناصاً ما زالوا يحتفظون بأسلحتهم.
كان يختتم كل رسالة بنفس العبارة: "خادمكم، برتبة محارب مقدس".
لم يذكر حسن اسم قائده في الرسائل التي اطلعت عليها الصحيفة. لكن ثلاثة أشخاص مطلعين على الخطط أفادوا بأنه يعمل مع رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري وابن عم الرئيس الأسد الذي فرّ هو الآخر من سوريا إلى موسكو.
وأضافوا أن مخلوف موّل جهود حسن، كما أرسل مبالغ طائلة إلى عائلات علوية فقيرة على الساحل السوري.
ووفقاً للصحيفة الأمريكية، رفضت عائلة مخلوف طلباً لإجراء مقابلة معه.
وبحلول الربيع، أظهرت الاتصالات المُعترضة أن حسن قد جنّد غياث دلا، من "الفرقة الرابعة".
في إحدى الرسائل النصية، أخبر دلا حسن أنه وزّع 300 ألف دولار أمريكي كدفعات شهرية على مقاتلين وقادة محتملين، بمعدل 200 و1000 دولار شهرياً. كما طلب الموافقة على شراء معدات اتصالات عبر الأقمار الصناعية بقيمة تقارب 136,600 دولار.
وأشار دلا في الرسائل إلى أنه يقيم في منزل بلبنان على الجانب الآخر من الحدود السورية، وأن منزله وعائلته يفتقرون إلى الكهرباء والجدران المطلية.
وفي بعض المحادثات، وصف اجتماعاً مع قادة ميليشيات عراقية موالية لإيران، ناقشوا خلاله خيارات تهريب الأسلحة إلى المتمردين دون التعرض لضربات إسرائيلية أو الوقوع في قبضة السلطات السورية. كما روى لقاءات مع ممولين محتملين.
وأظهرت مراسلات أخرى إحباط دلا لمؤامرات اغتيال، وخططاً لشراء أو توزيع طائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للدبابات، بما في ذلك بعضها قال إنها مخبأة في سوريا.
في نيسان/ أبريل، ضمّ الضابطان إلى شبكتهما ضابطاً سابقاً آخر، هو محمد الحاصوري، البالغ من العمر 60 عاماً، وهو "قائد بارز في سلاح الجو، متهم بتنفيذ هجوم بالأسلحة الكيميائية على بلدة خان شيخون الشمالية عام 2017"، بحسب الصحيفة.
وكتب حسن أن مسؤولين إيرانيين نقلوا الحاصوري وعشرين طياراً آخرين من النظام إلى فندق في لبنان. وقال حسن إنهم أعربوا عن رغبتهم في البقاء والانضمام إلى تمرده إذا تكفّل بنفقات إقامتهم ومعيشتهم.
وفي تشرين الأول/أكتوبر، قال مسؤول سابق في النظام، كان على اتصال بـ الحاصوري، إن الرواية صحيحة، لكنه قال بعد شهر إن الخطط انهارت. وأضاف أن الشبكة الأوسع التي حاول دلا وحسن تشكيلها بدأت تتفكك.
هذه مزاعم سياسية لا أساس لها من الصحة ولا تزال تفتقر إلى أي وثائق
مدخل إلى واشنطن
يُذكر أن كمال حسن، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، يُوصف أيضاً من قِبل المتعاونين معه في الاتصالات المُعترضة بأنه كان يُقدم مدفوعات لأنصاره ومُجندين مُحتملين.
يخضع كمال حسن لعقوبات أمريكية "لإشرافه على فرعين سيئي السمعة للاستخبارات العسكرية، حيث كشفت صورٌ مُسربة لضحايا عام 2014 عن تعذيب وإعدام مُمنهجين".
عند سؤاله عن هذه الاتهامات، قال حسن: "هذه مزاعم سياسية لا أساس لها من الصحة، إذ لا تزال تفتقر إلى أي وثائق".
ونقلت "نيويورك تايمز" عن كمال حسن قوله إن الادعاءات بتمويله لمسلحين محتملين "تتضمن العديد من المغالطات والحقائق المشكوك فيها".
وقال شخصان يعملان مع كمال حسن إنه كان يُركز أكثر على بناء شبكة نفوذ منه على التمرد. فعلى سبيل المثال، قالا إن حسن هو القوة الدافعة وراء "مؤسسة تنمية غرب سوريا" التي تتخذ من بيروت مقراً لها.
تُقدم المؤسسة نفسها على أنها مجموعة تعمل لصالح الأقليات السورية وتُوفر السكن للعلويين الذين فروا إلى لبنان. لكن العاملين مع حسن يقولون إنه يستخدمها للضغط على واشنطن لتوفير "حماية دولية" لمنطقة العلويين في سوريا.
ووفقاً لـ "نيويورك تايمز" نقلاً عن وثائق أمريكية صادرة في آب/ أغسطس، استعانت المؤسسة بشركة الضغط الأمريكية "تايغر هيل بارتنرز" وجوزيف إي. شميتز، المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمدير التنفيذي في شركة "بلاك ووتر وورلدوايد"، وهي شركة مقاولات عسكرية خاصة، بموجب عقد قيمته مليون دولار لتمثيلها.
في البداية، أحال حسن طلب إجراء مقابلة إلى شميتز، واصفاً إياه بأنه محاميه. لكنه نفى لاحقاً أي صلة له بالمؤسسة أو "أي منظمة سورية"، مضيفاً: "لكنني من حيث المبدأ، أدعم وأشجع أي خطوة تخدم التنمية والسلام في سوريا".
امتنع شميتز عن التعليق نيابة عن حسن، لكنه صرّح باسم المؤسسة بأنهم يعملون على ضمان حماية وتمثيل الأقليات في سوريا.
وقد روّجت المؤسسة على مواقع التواصل الاجتماعي لاجتماعات مع مكاتب ستة مشرّعين أمريكيين، من بينهم النائب برايان ماست، الرئيس الجمهوري للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، والسيناتور جين شاهين، العضو الديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.
وأكد مساعدو شاهين وماست وغيرهما من المشرّعين عقد الاجتماعات مع جماعات الضغط التابعة لشركة "تايغر هيل"، وقالوا إنها كانت اجتماعات روتينية واقتصرت على الموظفين.
ووفقاً لـ "نيويورك تايمز"، أعرب عدد من الدبلوماسيين في سوريا عن قلقهم البالغ إزاء جهود الضغط في واشنطن أكثر من قلقهم إزاء مؤامرات التمرد. وقالوا "إن مثل هذه الحملات قد تُمهّد تدريجياً الطريق للمطالبة بإقامة منطقة شبه مستقلة في سوريا".
بسام برابندي، دبلوماسي سوري سابق، قال: "اليوم، لن تُقبل هذه القضية أبداً".
وأضاف: "لكن ربما بعد عامين أو ثلاثة أعوام، إذا لم تُحقق الحكومة الحالية الاستقرار، فقد يبحث القادة الأمريكيون عن شركاء آخرين".


