هاشتاغ
بحث

"فجوة عميقة".. مركز أبحاث إسرائيلي: سوريا الجديدة بين الوعود والواقع

25/12/2025

"فجوة-عميقة"..-مركز-أبحاث-إسرائيلي:-سوريا-الجديدة-بين-الوعود-والواقع

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - ترجمة

 

كتب مركز "ألما" الإسرائيلي للأبحاث: بعد مرور عام على وصول النظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع إلى السلطة، تتضح صورة معقدة ومتناقضة للغاية: إنجازات دبلوماسية واقتصادية مبهرة على الساحة الدولية، إلى جانب إخفاقات متجذرة ومستمرة على الصعيد الداخلي، تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاجتماعية.

 

وأشار مركز الأبحاث الإسرائيلي إلى أن الفجوة بين سردية "سوريا الجديدة" والواقع في البلاد ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة عملية سبقت فيها الشرعية الدولية بناء حكم حقيقي.

 

من جهة، نجح الشرع في كسر عزلة سوريا: فقد رُفعت معظم العقوبات، وشُطبت "هيئة تحرير الشام" وقادتها من قوائم الإرهاب، وتم تأمين التزامات باستثمارات تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات، واكتسب النظام ثقة ودعم دول غربية وإقليمية. ومن جهة أخرى، لم تُترجم هذه الإنجازات إلا بشكل طفيف إلى تحسينات في الظروف المعيشية للسكان. لا يزال الاقتصاد هشاً، والفقر والبطالة متفشية، والبنية التحتية المدنية معطلة، ومعظم اللاجئين غير قادرين أو غير راغبين في العودة إلى البلاد.

 

أما على الصعيد الداخلي، بيّن التقرير أن هناك فشل واضح ومستمر في إرساء أسس دولة تمثيلية شاملة. فقد اقتصرت العملية الانتخابية البرلمانية على الشكل فقط، وافتقرت إلى مشاركة مدنية حقيقية، وفشلت في توفير تمثيل كاف للأقليات أو النساء، مشيراً إلى أنه من بين 119 مقعداً مُنتخباً، لم تفز سوى ست نساء وعشرة مقاعد للأقليات. وكانت الانتخابات رمزية إلى حد كبير وذات طابع دعائي، مما خلق مظهراً من مظاهر الديمقراطية دون مشاركة حقيقية.


إلى جانب ذلك، تتجذر أسلمة تدريجية في النظام التعليمي، مدفوعة إلى حد كبير بمؤسسات تابعة لهيئة تحرير الشام، والتي ملأت الفراغ الذي خلفه انهيار التعليم الحكومي. هذا التطور يُقوّض أسس الهوية المدنية المشتركة، ويزيد من قلق الأقليات.

 

وأشار "ألما" إلى عملية أسلمة في التعليم في بعض مناطق البلاد، وهي عملية تحل فيها الرموز الدينية والآيات القرآنية والخطاب الجهادي محل الرسائل العلمانية والمدنية والوطنية.

 

وفي تقريره أول أمس، أشار إلى وجود مراكز داخل النظام وأجهزته المختلفة يديرها أفراد ذوو خلفية وفكر إسلامي متطرف وجهادي، لا سيما في الجيش وقوات الأمن، ويتجلى العنف الشديد ضد الأقليات، ويكافح النظام لفرض سيطرة فعالة على كامل الأراضي السورية، ولا يزال النظام السياسي مركزياً ولا يمثل جميع الأقليات في سوريا.

 

وتابع: لا تزال عملية صنع القرار مركزية وغير شفافة، حيث تتركز السلطة في دائرة ضيقة حول الرئيس. وفي الوقت نفسه، تضعف مؤسسات سيادة القانون من خلال استحداث آليات خارجة عن القانون تقوض استقلال القضاء.


وبحسب تقرير صادر عن معهد واشنطن في كانون الأول /ديسمبر 2025، تُتخذ معظم القرارات الرئيسية داخل الأمانة العامة للشؤون السياسية بوزارة الخارجية، برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني. وتعمل هذه الأمانة فعلياً كحكومة ظل، مما يُقوّض شفافية المؤسسات الحكومية.


كما تناولت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" المعنية بحقوق الإنسان مؤخراً استحداث منصب رئيس المديرية القضائية، المعروف أيضاً باسم "الشيخ"، وهو منصب جديد يُزعم أنه أعلى من النائب العام ورؤساء المحاكم، رغم افتقاره إلى أي أساس قانوني. وقد أُنشئ هذا المنصب بقرار من وزارة العدل، ولا يشترط فيه أي تأهيل أو خبرة قانونية، ويتمتع بسلطة الترقيات والنقل والرواتب والإجازات والفصل القضائي، مما قد يقوض استقلال القضاء من خلال هيكل مواز غير قانوني.

 

إلى ذلك، يُثير تورط المقربين من الشرع وأفراد عائلته في مناصب حكومية رئيسية مزيداً من المخاوف.

 

وتشير التقارير إلى أن الرشوة لا تزال متفشية، لا سيما لتجنب الاعتقال، أو إطلاق سراح السجناء، أو استعادة الممتلكات المصادرة.

بين الدروز والعلويين والأكراد لا تزال معارضة سلطة النظام الجديد مدفوعة بمخاوف على حقوقهم

مخاوف الأقليات.. غياب القانون والنظام

يلفت "ألما": يكمن التحدي الأكبر في الأمن الداخلي وحماية الأقليات. فالحوادث الدامية والمجازر التي ارتُكبت ضد العلويين والدروز خلال عام 2025، إلى جانب العنف اليومي ضد الأقليات والنساء، تكشف عن خلل بنيوي عميق.

 

ولذلك، يعد الأمن الداخلي والحفاظ على النظام، لا سيما فيما يتعلق بحماية الأقليات، من أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه النظام. فالتوترات مع الأقليات، وبين الأقليات والنظام الجديد، تُهدد الاستقرار وتُعيق الوحدة الوطنية.

 

خلال العام الماضي، وقعت مجزرتان كبيرتان. استهدفت الأولى، في آذار/مارس 2025، الأقلية العلوية في المناطق الساحلية والوسطى من سوريا. وقد وصفها تقرير للأمم المتحدة (آب/ أغسطس 2025) بأنها مجزرة شملت عمليات قتل (بمن فيهم نساء وأطفال)، وتعذيب، وتدنيس جثث، ونهب، وتدمير ممتلكات. ووثّق التقرير انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في 16 موقعاً، من بينها اللاذقية، وطرطوس، وحمص، وحماة. وقُتل نحو 1400 شخص، ونزح عشرات الآلاف.

 

ورغم عدم وجود أدلة تُشير إلى أوامر حكومية مباشرة، إلا أن قوات الأمن السورية شاركت في هذه المجزرة، مما يدل على غياب السيطرة على القوات، لا سيما تلك التي لها خلفيات جهادية.

 

ويوضح مركز الأبحاث: حتى في غياب أي دليل على أوامر مباشرة من القيادة السياسية، فإن تورط أفراد الأمن وغياب الرقابة الفعالة عليهم يشيران إلى مشكلة هيكلية: جيش وقوات أمنية مؤلفة من ميليشيات مُعاد تنظيمها، بعضها يتبنى فكراً سلفياً جهادياً متطرفاً، وولاؤها للنظام "اختياري".

 

إلى جانب هذه الحوادث، توثق تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أعمال عنف يومية ضد الأقليات، والدروز، والعلويين، والمسيحيين، تشمل الاعتداءات، وإطلاق النار، والاختطاف (خاصة النساء)، والتهديدات، وتخريب الممتلكات.

 

وفي النصف الأول من عام 2025 وحده، أفادت التقارير باختطاف عشرات النساء والفتيات والاعتداء عليهن جنسياً. وكثيراً ما تنفي السلطات صحة هذه التقارير، إذ ادعى وزير الداخلية أن حالة واحدة فقط من أصل 42 حالة كانت صحيحة.

 

ونتيجة لذلك، يسود انعدام ثقة عميق بين الأقليات بشأن قدرة النظام أو رغبته في حمايتهم. وفي آب/ أغسطس، اجتمع 400 ممثل عن الأقليات، مطالبين بدولة لا مركزية ودستور جديد يضمن التعددية. واتهمت الحكومة بعض المشاركين بالنزعة الانفصالية.

 

وبين الدروز، والعلويين، والأكراد، لا تزال معارضة سلطة النظام الجديد قائمة، إلى جانب مطالبة بالحكم الذاتي مدفوعة بمخاوف على حقوقهم في ظل النظام الجديد.

الأيديولوجية التي تهدف إلى فرض الشريعة الإسلامية والقضاء على الأقليات تتناقض مع التوجهات البراغماتية

جيش جديد.. أم ميليشيات بزي رسمي؟

بعد فترة وجيزة من سيطرة النظام السوري الجديد على دمشق في كانون الأول /ديسمبر 2024، بدأ جهوداً لإعادة تأهيل الجيش السوري وإعادة بنائه. ففي كانون الثاني/يناير 2025، دعا الشرع قادة مختلف الفصائل والميليشيات إلى الخضوع للنظام، ونزع سلاحهم، والاندماج في الجيش الجديد.

 

وبالرغم من جهود إعادة تأهيل جزء كبير من هيكل قيادة الجيش: إعادة تأسيس الأطر العسكرية، وإنشاء أطر جديدة، وتعيين مسؤولين رئيسيين فإن هذا لا يرقى إلى إنشاء جيش جديد متجانس، مصمم ومبني من الصفر. 

 

فرغم موافقة العديد من المنظمات التي كانت تعمل تحت قيادة "هيئة تحرير الشام" و"الجيش الوطني" السوري وغيرهما على الانضمام إلى الجيش الجديد، تشير تقارير عديدة إلى أن ذلك لم يكن تفكيكاً حقيقياً لتلك المنظمات والميليشيات، بل إعادة هيكلة تحت مسميات فرق وألوية تابعة للجيش السوري الجديد. وفي كثير من الحالات، احتفظت هذه المنظمات بهيكلها وهويتها وقيادتها الداخلية. بالإضافة إلى ذلك على ذلك، استمرت في بعض الأحيان بالعمل في المناطق نفسها التي كانت تنشط فيها سابقاً.

 

كما أن جزءاً كبيراً من المقاتلين في الجيش السوري الجديد يتبنى توجهاً سلفياً جهادياً متطرفاً. بعضهم لا يختلف فكرياً كثيراً عن تنظيم "داعش"، وبعضهم مقاتلون أجانب استقروا في البلاد.

 

ويتابع التقرير: هذه الأيديولوجية، التي تهدف إلى فرض الشريعة الإسلامية والقضاء على الأقليات، تتناقض مع التوجهات "البراغماتية" التي يسعى النظام إلى "تسويقها" خارجياً، وتثير مخاوف جدية بشأن استقرار سوريا الداخلي مستقبلاً.

يعلّق الغرب آماله على الشرع في سوريا مستقرة وآمنة ذات توجه غربي

سوريا على الساحة الدولية

إقليمياً ودولياً، تُخاطر سوريا بأن تصبح مجدداً ساحة نفوذ لجهات خارجية، وعلى رأسها تركيا وروسيا، على حساب سيادتها، وفي ظل تزايد عدم الاستقرار. 

 

يعلّق الغرب آماله على الشرع في سوريا مستقرة وآمنة ذات توجه غربي. ويمنحه غياب نظام بديل موقع قوة للمطالبة بالمساعدة والدعم لمنع انزلاق سوريا مجدداً إلى الفوضى.

 

ويلفت التقرير إلى تتبني الشرع نهجاً براغماتياً للغاية، فهو على استعداد للتعاون مع أي دولة أو شريك يرغب في مساعدة سوريا، حتى مع خصوم سابقين مثل روسيا (بل إنه صرّح بأنه لا يستبعد تجديد العلاقات مع إيران).

 

ووفقاً للمركز البحثي، قد تؤدي استراتيجية الشرع الدبلوماسية إلى نتيجتين. الأولى هي أن تصبح سوريا ساحة للقوى الخارجية مثل تركيا وقطر والسعودية وروسيا، وهذا سيناريو محتمل إذا كان النظام ضعيفاً للغاية وتحول الدعم إلى تدخل في الشؤون الداخلية السورية.

 

أما النتيجة الثانية فهي أن يستغل الشرع الوضع الراهن، مع وجود جهات فاعلة عديدة تسعى للمشاركة في بناء سوريا الجديدة، وتزايد التنافسات الدولية، لانتزاع مكاسب من جميع الأطراف دون أي التزامات، وبالتالي توطيد حكمه واكتساب نفوذ إقليمي ودولي (على غرار دبلوماسية الرئيس المصري جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي، التي استغلت التنافس الأمريكي السوفيتي).


ويرى المركز أنه بالنسبة لإسرائيل، يُمثل الواقع المتغير في سوريا تهديداً أمنياً مستمراً: تعدد الجهات المسلحة، ووجود منظمات مسلحة، ومخزونات من الأسلحة المتطورة في جنوب سوريا، وتزايد تدخل جهات أجنبية قرب الحدود.

 

وينصح: "يجب على المجتمع الدولي، الذي اختار الاستثمار في الشرع لعدم وجود بدائل، وضع شروط وآليات رقابية وخارطة طريق واضحة نحو سيادة القانون والتعددية وحماية الأقليات".

 

أما بخصوص إسرائيل، يرى "ألما" أنه يجب عليها اتباع سياسة حذرة وتدريجية ومتزنة: تجمع بين حرية العمل والاستعداد للتوصل إلى ترتيبات أمنية، دون أن تتوهم قدرة النظام الحالي على تحقيق استقرار حقيقي وفرض القانون والنظام في هذه المرحلة.


كما يجب ألا تنخدع إسرائيل بالأوهام. عليها أن تواصل استكشاف سبل التعاون مع سوريا، ولكن عليها أن تبقى حذرة من أي اتفاق "على الورق" لا يستند إلى قدرة فعلية على أرض الواقع.

 

وشدد أن تصريحات الشرع بأن سوريا لا ترغب في المواجهة مع إسرائيل غير كافية طالما استمرت التهديدات الملموسة، وظل النظام يكافح للتصدي لها.


وأكد: يجب أن يكون نهج إسرائيل تدريجياً ومتكاملاً، يجمع بين حرية العمل الأمني وجهود حذرة لبناء التعاون، بما في ذلك تعزيز تدابير بناء الثقة. ومن خلال هذا النهج فقط "يمكن تحديد ما إذا كانت سوريا الجديدة تمثل شريكاً حقيقياً للاستقرار أم خطراً متجدداً متخفياً وراء ستار دبلوماسي".

الفشل في تحقيق الاستقرار سيؤدي على الأرجح إلى انهيار سوريا أو عودة الحرب الأهلية

سوريا على مفترق طرق

بعد مرور عام، لا يزال السؤال مطروحاً حول ماهية "سوريا الجديدة". تقف سوريا اليوم على مفترق طرق حاسم: بين إمكانية التحول إلى دولة مستقرة ومعتدلة ذات مؤسسات تمثيلية وتوجه غربي، على الأقل في المجال الاقتصادي، أو الانزلاق مجدداً نحو عدم الاستقرار التام، والاستيلاء على السلطة من قبل جهات أجنبية، أو إرساء نظام إسلامي متطرف بحكم الأمر الواقع يهدد الأقليات والاستقرار الإقليمي برمته.

 

يرى المركز البحثي أن إعادة الإعمار الاقتصادي دون إصلاحات سياسية ومؤسسية وأمنية عميقة ليست وصفة للاستقرار، بل هي مجرد تأجيل للأزمة القادمة.

 

وبدون أسس سياسية ومؤسسية متينة، وبدون تطبيق نظام حكم شامل وتعددي، سيواجه النظام الجديد صعوبة في ترجمة الوعود والتوقعات التي وضعها عليه المواطنون السوريون والمجتمع الدولي إلى واقع ملموس.

 

وفي غياب بديل حقيقي للنظام الحالي، فإن الفشل في تحقيق الاستقرار في الدولة سيؤدي على الأرجح إلى انهيار سوريا وفوضى عارمة، أو عودة الحرب الأهلية، أو سيطرة منظمات إرهابية وجهات خارجية.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026