هاشتاغ
بحث

"هاشتاغ" خارج القاعات.. الحريات الإعلامية على المحك

29/12/2025

"هاشتاغ"-خارج-القاعات..-الحريات-الإعلامية-على-المحك

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص

 

لم يعد ممكناً التعامل مع خطاب “الهامش الواسع للحريات الإعلامية” بوصفه وعداً قيد التحقق أو نية حسنة تنتظر الاختبار.

الوقائع وحدها كافية للحكم، وما جرى خلال يومين فقط يكشف بوضوح أن الفجوة بين ما يُقال وما يُمارَس لم تضق، بل تتسع.

 

 منذ أكثر من عام، لا تكفّ وزارة الإعلام والسلطات الجديدة عن الترويج لهامش "واسع" من الحريات الإعلامية، غير أن ما يجري على الأرض يشي بعكس ذلك تماماً.

 

خلال يومين فقط، تكثّفت هذه الوقائع بما لا يترك مجالاً للتأويل. ففي الحالة الأولى، وجّه مصرف سوريا المركزي "دعوة عامة" لتغطية مؤتمر صحفي لإطلاق العملة الجديدة، حدّد فيها آلية التسجيل وعدد الفريق الإعلامي المسموح دخوله لكل وسيلة. التزم موقع "هاشتاغ" بالإجراءات كاملة، وأرسل مراسلته ومصوره وفق الشروط المعلنة. لكن عند الوصول، جرى تقليص العدد بشكل تعسفي إلى شخص واحد، ثم مُنع الفريق من الدخول نهائياً بذريعة شفوية مفادها أن "المركزي لديه مشكلة مع الموقع" .


لا قرار خطياً، لا توضيحاً قانونياً، ولا أي مسار رسمي يتيح للمؤسسة الإعلامية حق الاعتراض أو حتى الفهم.

 

في اليوم التالي مباشرة، تكررت الواقعة بشكل أكثر فجاجة ووضوحاً. مُنعت مراسلة "هاشتاغ" من تغطية مؤتمر صحفي لمحافظ ريف دمشق، وهذه المرة جاء التبرير صريحاً لا لبس فيه: الموقع "ممنوع من التغطية" بناءً على طلب من "الشؤون الصحفية والقانونية" بسبب "تغطيات غير مهنية".


اتهام عام ومبهم، بلا توصيف مهني محدد، وبلا لجنة تقييم مستقلة، وبلا إخطار رسمي، وبلا حق رد أو تصويب. هكذا، وبجملة واحدة، جرى فرض عقوبة إعلامية كاملة خارج أي إطار قانوني أو مهني.

 

هذه الوقائع لا يمكن تفسيرها بوصفها أخطاء فردية أو سوء تنسيق إداري. ما نشهده هو نهج ممنهج للإقصاء: تعميم غير معلن، منع بلا قرار، وتجريم سياسي مموّه بلغة إدارية. وهو ما يرقى، وفق أبسط المعايير الدستورية والإعلامية، إلى رقابة مسبقة وعقوبة جماعية على الرأي والخط التحريري، وهما محرّمان في أي نظام يدّعي احترام حرية التعبير وتعددية الإعلام.

 

الأخطر أن هذا التضييق يستهدف "هاشتاغ" الذي حاول، طوال عام كامل، الالتزام بقواعد العمل الصحفي المهني وتقديم نموذج يقوم على تعدد وجهات النظر. فقد حرص "هاشتاغ" على استضافة شخصيات معارضة، وأخرى مؤيدة أو محسوبة على الحكومة، وفتح منابره لمقاربات مختلفة، انطلاقاً من قناعة بأن الإعلام ليس جهاز دعاية ولا منصة اصطفاف، بل مساحة للنقاش العام. ورغم ذلك، قوبلت محاولاته المتكررة للتواصل مع مسؤولين حكوميين ومحسوبين على السلطة بالرفض أو التجاهل في معظم الأحيان، من دون أن يدفعه ذلك إلى الإقصاء أو التشهير، بل إلى الاستمرار في عرض الوقائع كما هي.

 

بدلاً من التعامل مع هذا النهج بوصفه ممارسة مهنية صحية، اختارت السلطات مساراً معاكساً: الإبعاد والمنع والتشكيك.

 

ويتزامن ذلك مع استمرار قضايا مرفوعة على الموقع منذ عامي سنوات، تعود عملياً إلى عهد النظام البائد. وكان من البديهي، إن كانت السلطة الحالية قد قطعت فعلاً مع ذلك الإرث، أن تُغلق هذه الملفات فوراً، لا أن تُترك معلّقة أو يُعاد تدويرها وكأن شيئا لم يتغير.

 

ورغم كل ذلك، يؤكد "هاشتاغ" أنه سيواصل محاولاته لتغطية الفعاليات والمؤتمرات الرسمية، وسيبقى يصرّ على الحضور حتى اللحظة الأخيرة، مهما صدرت قرارات المنع أو التضييق. لكنه في المقابل لن يغيّر خطه التحريري إرضاءً لأحد، ولن يجامل سلطة أيا كانت، أو يتنازل عما شكّل هويته منذ سنوات: الاستقلالية، والالتزام بالحقيقة، والسعي الدائم لكشف ما يحتاج إلى كشف.

 

إن حرية الصحافة لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا ببيانات تتحدث عن "الانفتاح" و"التعددية" ، بل تُقاس تحديداً بمدى تحمّل السلطة للنقد، وبحق الإعلام المختلف في الوصول إلى المعلومة دون إذن سياسي أو رضا أمني. فحين تُمنع مؤسسة إعلامية بسبب سياستها التحريرية، فهذا اعتراف صريح بأن الحرية هنا مشروطة، وأن الرأي الآخر مقبول فقط إذا كان بلا أثر وبلا إزعاج.

 

ما يتعرض له "هاشتاغ" اليوم لا يمثّل حالة معزولة، بل مؤشراً مقلقاً على مسار الحريات الإعلامية في بلد خُنقت فيه الحريات لعقود، وكان الأمل بأن يبدأ الإعلام بالتنفس بعد سنوات طويلة من القمع. غير أن الوقائع تقول إن تغيير الخطاب لا يعني بالضرورة تغيير المنهج، وإن الثورة على الاستبداد لا تكتمل ما لم تشمل أدواته في إدارة الإعلام والرأي العام.

 

وهكذا، لا يكشف منع "هاشتاغ" سوى حقيقة واحدة: أن معركة حرية الصحافة لم تُحسم بعد، وأن الطريق إلى إعلام حر ومستقل ما زال مليئاً بالعوائق، مهما رُفعت الشعارات وتبدّلت العناوين.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026