هاشتاغ
بحث

انتهاكات متكررة في سوريا تثير تساؤلات حول الالتزام بالقانون الدولي الإنساني

12/01/2026

انتهاكات-متكررة-في-سوريا-تثير-تساؤلات-حول-الالتزام-بالقانون-الدولي-الإنساني

شارك المقال

A
A

هاشتاغ



لم تغب عن ذاكرة المتابعين المشاهد التي وثّقت انتهاكات طالت مدنيين في مناطق سورية مختلفة خلال الأشهر الماضية، سواء في محافظة السويداء جنوب البلاد خلال أحداث تموز/يوليو، أم في الساحل السوري خلال آذار/مارس، أم أخيراً في كانون الثاني/يناير الجاري في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، حيث أفادت تقارير ومقاطع متداولة بوقوع حوادث عنف طالت مدنيين من المكوّن الكردي.


وتأتي هذه الأحداث في سياق أمني معقّد تشهده البلاد منذ سنوات، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والأمنية مع البعد المجتمعي، في ظل تعدد القوى المسيطرة وتفاوت آليات الضبط والمساءلة.


وقد أعادت هذه الوقائع إلى الواجهة تساؤلات تتعلق بمدى الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية، ولا سيما القانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، واحترام كرامة القتلى والأسرى، بغض النظر عن انتماءاتهم.


وكانت الحكومة السورية الانتقالية قد أعلنت في مناسبات سابقة التزامها بمراعاة القواعد الناظمة لسلوك القوات في حالات النزاع، بما يشمل التعامل مع الأسرى وجثامين القتلى، واحترام حقوق الإنسان، إضافة إلى التعاطي مع المبادرات المحلية والنداءات الدولية الرامية إلى خفض التصعيد ومنع الانتهاكات.


إلا أن الوقائع الميدانية التي جرى تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أظهرت فجوة بين هذه التصريحات وبين ما يحدث على الأرض، وفق ما يراه مراقبون.


وفي هذا السياق، تداول ناشطون مقطعاً مصوراً يُظهر إلقاء جثة امرأة من أحد الطوابق العليا في حي الشيخ مقصود، وسط هتافات دينية، مع تداول معلومات غير مؤكدة عن انتمائها إلى قوات الأمن الداخلي (الأسايش).


الحادثة أعادت إلى الأذهان وقائع سابقة مشابهة حصلت في تموز/ يوليو الماضي بالسويداء، ما دفع منظمات وناشطين إلى المطالبة بتحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات والوقوف على ملابسات ما جرى.


ويرى متابعون أن تكرار مثل هذه الحوادث في مناطق مختلفة من البلاد، ومن أطراف متعددة، يسلّط الضوء على الحاجة إلى آليات واضحة للمساءلة، وتطبيق فعلي للقانون، بما يحدّ من الانتهاكات ويمنع توظيفها في تأجيج الانقسامات المجتمعية، في وقت لا تزال فيه سوريا تواجه تحديات سياسية وأمنية وإنسانية معقّدة.

من يهين جثة ميت فإنه لا يؤتمن على كرامة حي!

وفي هذا السياق، علّق الباحث السوري، محمد حبش، عبر حسابه الرسمي على موقع "فيسبوك"، مستنكراً: "مع أنني من أشد المؤيدين لتوحيد حلب وإخراج السلاح كله منها، وقد ناشدت مراراً تحقيق ذلك بدون دماء، ولكنني أطالب اليوم بإنزال أشد العقاب بمرتكبي جرائم الحرب من عناصر الجيش أو عناصر قسد".


متابعاً: "خاصة إلقاء المرأة (المقاتلة) بعد قتلها من المباني وتصويرها والتسلي بها! إذ أن جرائم الحرب وفق القانون الدولي تشمل:

1- قتل المدنيين عمداً،

2- تعذيب الأسرى،

3- تشويه الجثث وإهانتها"، على حد قوله.


وختم قوله ب:"من يهين جثة ميت فإنه لا يؤتمن على كرامة حي!".

جرائم حرب

محمد العبدالله، الناشط في مجال حقوق الإنسان، يقول: "التمثيل بالجثث كجريمة حرب. يحظر القانون الدولي بشكل واضح التمثيل بالجثث، إهانة الرفات البشرية أو التعامل معها بشكل غير لائق. ويرد هذا الواجب بشكل مفصّل في اتفاقيات جنيف للعام 1949. ونظراً لأهمية الكرامة الإنسانية، ورد وجوب احترام حرمة الموتى في الاتفاقيات الأربعة (اتفاقية جنيف الأولى، المادة 17؛ اتفاقية جنيف الثانية، المادة 20 ؛ اتفاقية جنيف الثالثة، المادة 120؛ اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 130). تنطبق المواد السابق على جميع الجثث، للمدنيين، المقاتلين، أسرى الحرب والمعتقلين".


ويردف القول: "كما ينصّ البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف على واجب معاملة جثث الموتى بطريقة تتسم بالاحترام في النزاعات المسلحة غير الدولية. (... والبحث عن الموتى والحيولة دون انتهاك حرماتهم وأداء المراسم الأخيرة لهم بطريقة كريمة، المادة 8)، بالإضافة إلى ذلك، ترد هذه القاعدة في صكوك أخرى تتعلّق أيضاً بالنزاعات المسلحة غير الدولية وتعكس مبدأً عاماً في القانون يقضي باحترام الموتى وقبورهم".


ويختم منشوره: "يرى الصليب الأحمر الدولي أن التمثيل بالجثث "عمل وحشي يتجاوز حدود القتال الشرعي، ويدخل في نطاق الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب"، ويعكس أعمق مستويات القسوة والانهيار الأخلاقي في أوقات الصراع المسلح. بعد مراجعة الحالتين الظاهرتين في فيديوهين منفصلين، حالة ربط جثة مقاتل وسحله على الدرج، وحادثة إلقاء جثة مقاتلة من شرفة بناء، قد ترقى الحالتين إلى مصاف جرائم الحرب".

هوية الضحية وهوية الجاني.. تعقيدات المشهد في سوريا

بينما يقول سيف عزام، صحفي وباحث في العلاقات الدولية، "جزء من تعقيدات المشهد في سوريا هو الهوية. هوية الضحية وهوية الجاني وهوية الظالم وهوية المظلوم، أبيض، أشقر، أسمر مسلم، مسيحي، علوي، كردي، تركماني، درزي، إلخ".


ويتابع: "بعض السوريين يتضامن مع قاتلة قناصة لأنها أنثى وكردية ولا يتضامن مع ضحية مقتول برصاص قناص لأنها ربما رجل عربي سني أسمر الملامح اشعث الدقن فقير (في منو كتير)

اعتاد الجمهور على أن يكون الضحية من لون معين من شكل معين، وهذا ما يسمى بالتطبيع، أي ان يكون الأمر طبيعي، ففي حال تغير المشهد فيستهجن الجمهور الأمر. في الصورة أدناه(صورة رمي جثة امرأة "مقاتلة")يتم تصوير القناصة كالملاك الذي تآمر عليه الشياطين وكأن المطلوب أن يقابل الجنود والمدنيين رصاص القناصة بالورود ويتغزل بعيني القناصة ودقة اصابة قلب الضحية. قربانك"، على حد قوله.

أيهما الأهم.. التدريبات العسكرية أم الأخلاقية؟



الصحفي مروان فرزات، له رأي مختلف، إذ يقول: "بالرغم من أن تلك الفتاة كانت مقاتلة وقنّاصة، لكن لا يجوز التمثيل بجثتها ورميها من أعلى المبنى، هذا أمر مرفوض ومدان بكل تأكيد. أتمنى على وزارة الدفاع في الجيش السوري تدريب مقاتليها أخلاقياً بالإضافة للتدريب العسكري والتركيز على أخلاقيات الحرب، لأن خطأً صغيراً كهذا من أحد المقاتلين قد ينسف جميع ما قدمه باقي رفاقه من تضحيات وينسف جميع جهودهم في تحرير هذه الأحياء بأقل الخسائر البشرية، وجهودهم في مساعدة المدنيين وتأمين خروجهم الآمن والحفاظ على سلامتهم وسلامة منازلهم وممتلكاتهم".

اختفاء قسري

نشر موقع "إيزدينا"-وهو موقع يُعنى بأخبار الإيزيديين في مناطق الشرق الأوسط والعالم- عن اعتقالات تعسفية طالت أبناء حيي الشيخ مقصود والأشرفية، مشيراً إلى إجبار المعتقلين على ترديد شعارات دينية بالإكراه، واصفة إياها ب"جرائم حرب".


وأصدر بياناً جاء فيه: "تؤكد مؤسسة إيزدينا أن القوات العسكرية التابعة للحكومة السورية المؤقتة، ومنذ اقتحامها حيي الأشرفية والشيخ مقصود، قامت باعتقالات عشوائية بحق الشبان المدنيين، حيث فقدت مؤسسة ايزدينا التواصل مع العديد من العائلات العالقة هناك. كما أظهرت المشاهد المصورة إرغام الجيش السوري للمدنيين على ترديد شعارات دينية إسلامية".


مُضيفاً: "تندد مؤسسة ايزدينا بهذه الأعمال، وتؤكد أن إرغام المدنيين على ترديد شعارات دينية يتنافى مع ما جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق المنتمين إلى الأقليات الدينية. علماً أن سوريا تُعد من الدول الموقعة على هذا العهد، وهي ملزمة باحترام التنوع الديني في هذه الأحياء".


وأضاف: "إن الاعتقالات التعسفية، وإهانة المدنيين، والتمثيل بالجثث، فضلاً عن استخدام رايات دينية وشعارات لتنظيم داعش على ملابس بعض جنود الجيش السوري، تُعد جرائم حرب تُنذر بوقوع إبادة ممنهجة تستهدف المدنيين بسبب انتمائهم العرقي كونهم كورداً، وكذلك بسبب انتمائهم الديني كونهم إيزيديين ومسيحيين وعلويين".


ودعت مؤسسة إيزدينا "المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه هذه الجرائم الممنهجة، كما تدعو المنظمات الحقوقية الدولية المستقلة، مثل لجنة التحقيق الدولية، إلى الإسراع في الدخول إلى هذه الأحياء التي تشهد انتهاكات واسعة، مشيرة إلى إن المقاتلين الأجانب الذين ظهروا إلى جانب الجيش العربي السوري يعيدون إلى ذاكرة الإيزيديين ما حصل في شنكال عام 2014، وعليه تتخوف مؤسسة ايزدينا من أن تشهد أحياء حلب إبادة ممنهجة تستهدف المدنيين على أسس عرقية وطائفية ودينية".

إهانات وانتهاكات

نشر ناشطون من أبناء المكون الكردي، فيديوهات موثقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر اعتقال عدد من الشبان والنساء وطرحهم أرضاً، وسط نعتهم ب"الخنازير" و"الكلاب" وبإهانات أخرى، دون تحديد مصيرهم بعد ذلك.

ردود "قسد"

في سياق متصل، وجّهت "قسد" بياناً إلى الرأي العام، وصفت فيه الواقع الميداني وما جرى على الأرض، جاء فيه: "ابتداءً من يوم 6 كانون الثاني/يناير 2026، شنت العصابات المرتزقة المرتبطة بحكومة دمشق المؤقتة، وبدعم من طائرات الاستطلاع التابعة للدولة التركية، وباستخدام الدبابات والمدفعية والآليات المدرعة وجميع أنواع الأسلحة الثقيلة، إضافةً إلى آلاف المسلحين، هجوماً وحشياً على أحيائنا. وقد هدفت هذه الهجمات إلى إخضاع شعبنا في الأحياء للإبادة، وتغيير التركيبة الديمغرافية للمنطقة، وكسر كرامة شعبنا".


مُضيفاً: "إلا أن قواتنا، وبناءً على قرار مجلس الشعب في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، اتخذت قرار المقاومة والدفاع عن كرامتها، وعلى هذا الأساس، أُطلقت مقاومة فدائية، وقدّم مقاتلونا ومقاتلاتنا دون تردد أرواحها دفاعاً عن الأحياء وعن كرامة شعبنا. ولم يتم التراجع بأي شكل من الأشكال، ولم يُقبل الاستسلام. وسيتم مشاركة المعلومات المتعلقة بهويات الشهداء مع الرأي العام لاحقاً".


واستطردت: "خلال هذه المرحلة من الحرب، تعرض شعبنا لهجمات بربرية عنيفة، وسقط العديد من الجرحى والشهداء، وتجمع الجرحى لتلقي العلاج في المستشفى الوحيد في الحي، وهو مستشفى خالد الفجر. وقد استهدفت العصابات هذا المستشفى عشرات المرات بالأسلحة الثقيلة، إضافة إلى طائرات بيرقدار التركية، في محاولة لارتكاب مجزرة داخله. وفي نهاية المطاف، ومن أجل منع وقوع مجازر، وتأمين إخراج الجرحى والمدنيين والنساء والأطفال من المستشفى ونقلهم بأمان إلى مناطق آمنة، تم الإعلان عن وقف إطلاق نار جزئي. واقتربت قواتنا من وقف إطلاق النار بمسؤولية عالية حتى إفراغ المشفى ونقل الجرحى".


وحذرت "قسد" بقولها: "من الآن فصاعداً، ستواصل قواتنا حتى النهاية، ودون تردد، السير على خطى شهدائها دفاعاً عن الإرادة الحرة لشعبها وكرامته. وستستمر مقاومة ونضال قواتنا بمختلف الأساليب والوسائل"، على حد وصفها.


كما هاجمت تصرفات عناصر الحكومة الانتقالية بدمشق سواء من الجيش أم من الفصائل التابعة لها، حول اختطاف شبان كُرد، وفق ما زعمت، قائلة: "في سياق جرائم إبادة ممنهجة ترتكبها فصائل ومليشيات حكومة دمشق، أقدمت هذه المليشيات على اختطاف العشرات من الشبان المدنيين بعد فصلهم قسراً عن عائلاتهم أثناء خروجهم من حي الشيخ مقصود، ثم قامت باستعراضهم إعلامياً وتقديمهم كذباً على أنهم مقاتلون في صفوف قواتنا، مشيرة إلى إن هذا السلوك الإجرامي الفاضح لا يعبّر إلا عن نهج ممنهج في تزوير الحقائق، وخطف المدنيين، واستغلالهم كأدوات دعائية للتغطية على جرائم التهجير والقصف والترهيب، وهو تكرار حرفي للجرائم ذاتها التي ارتكبتها هذه الفصائل في الساحل والسويداء. نؤكد أن المختطفين مدنيون بالكامل، ونحمّل حكومة دمشق وفصائلها المسؤولية الكاملة عن حياتهم وسلامتهم، ونطالب المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وفتح تحقيق فوري في هذه الانتهاكات، وإدانتها علناً، ومحاسبة مرتكبيها كمجرمي حرب".


ونقلت عن قائدها، مظلوم عبدي، قوله: "‏بوساطة من أطراف دولية لوقف الهجمات والانتهاكات بحق أهلنا في حلب، وصلنا إلى تفاهم يُفضي لوقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء، الجرحى، المدنيين العالقين والمقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال وشرق سوريا".


ودعا عبدي "الوسطاء للالتزام بوعودهم في وقف الانتهاكات والعمل على عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم. ‏لمقاومي الشيخ مقصود والأشرفية، شهدائها، رفاقهم، أهاليهم والمدنيين الذين صمدوا تحية تبجيل وإكبار".

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026