هاشتاغ
بحث

شرق الفرات.. اندماج بالإكراه أم قبول بالانفصال؟

16/01/2026

شرق-الفرات..-اندماج-بالإكراه-أم-قبول-بالانفصال؟

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص

 

لم تكد تتوقف المعارك في حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية في مدينة حلب، عقب التوصل إلى اتفاق برعاية دولية قضى بخروج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من الحي إلى منطقة الطبقة على الضفة الغربية لنهر الفرات، حتى بدأت الآلة الإعلامية التابعة للسلطة المركزية في دمشق بنشر بيانات لوزارة الدفاع تتحدث عن تحشيدات لقوات "قسد" مدعومة بعناصر من حزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف تنظيماً إرهابياً في تركيا، في منطقتي دير حافر ومسكنة غرب نهر الفرات.

 

التحذيرات المتتابعة التي أطلقتها قيادة العمليات في الجيش السوري، بالتوازي مع الإعلان عن إرسال تعزيزات عسكرية متلاحقة إلى جبهة دير حافر ونشر صور تلك التعزيزات، أوحت بأن العملية العسكرية في الشيخ مقصود لم تُطوَ صفحتها بعد، وأن مناطق غرب الفرات الخاضعة لسيطرة "قسد" قد تشكّل المرحلة التالية من التصعيد.

 

ورغم الموقف الأمريكي المعلن الداعي إلى العودة للحوار ووقف التصعيد العسكري من جميع الأطراف، فإن تحرك دمشق بهذه العلنية، والذي يشبه إلى حد كبير تحركاتها السابقة قبيل معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يوحي بوجود تفاهم دولي ما، لعملية عسكرية محتملة في دير حافر ومسكنة. ويذهب بعض المراقبين إلى اعتبار هذه العملية، في حال وقوعها، بمثابة المعركة الأخيرة مع "قسد" غرب الفرات، بهدف تثبيت النهر كحد فاصل طبيعي ورسم خطوط تماس ودفاع واضحة بين الطرفين.

خيار العمل العسكري هو الخيار الأكثر ترجيحاً مما يعني أن دمشق قد تكون حصلت على موافقة ضمنية من واشنطن، إلى جانب دعم تركي

تركيا عامل حاسم في تحرك دمشق

في هذا السياق، تبدو تركيا لاعباً أساسياً في المسار العسكري لتحركات دمشق. فقد أعلنت أنقرة أكثر من مرة دعمها للعمليات العسكرية التي تنفذها الحكومة السورية ضد "قسد"، متهمة الأخيرة بالتنصل من اتفاق العاشر من آذار مع السلطة الانتقالية في دمشق. وتوالت التصريحات التركية الداعمة للتحرك العسكري المرتقب، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية أن "تركيا مستعدة للقتال" إلى جانب دمشق في مواجهة القوات الكردية السورية، مكرراً أن أمن سوريا وتركيا "مترابط ترابطاً وثيقاً"، ومشيراً إلى إمكانية التدخل العسكري التركي إذا طُلب ذلك رسمياً من الحكومة السورية.

 

وتتحدث تسريبات متداولة في دمشق عن أن المعركة في دير حافر ومسكنة باتت وشيكة ما لم تنسحب "قسد" إلى شرق الفرات خصوصاً أن وزارة الدفاع أعلنتها منطقة عسكرية مغلقة وفتحت ممراً إنسانياً لخروج المدنيين على غرار ما فعلت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب. كما تشير التحضيرات العسكرية والميدانية والإعلامية إلى أن خيار العمل العسكري هو الخيار الأكثر ترجيحاً، الأمر الذي يُفهم منه أن دمشق قد تكون حصلت على موافقة ضمنية من واشنطن، إلى جانب دعم تركي واضح.

واشنطن قد تكون في مسار التخلي عن حلفائها الأكراد لصالح علاقة متنامية مع الحكومة السورية الانتقالية

هل تخلت واشنطن عن حلفائها الأكراد؟

بالرغم من أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم بارك، دعا في أعقاب انتهاء العملية العسكرية في الشيخ مقصود الأطراف إلى وقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، إلاّ أن التصعيد لم يتراجع.

بموازاة ذلك، أطلق السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، يوم الأربعاء، تحذيرات من أن أي تحرك عسكري إضافي من قبل الحكومة السورية ضد "شركاء واشنطن الأكراد في سوريا" قد يؤدي إلى "رد فعل قوي" من الولايات المتحدة. وأوضح، في منشور على منصة "إكس"، أنه يتلقى "تقارير موثوقة" حول تحضيرات يقوم بها الجيش السوري بدعم من أنقرة لشن عملية عسكرية واسعة ضد الأكراد.

 

لكن هذه التصريحات وإن كانت تصدر من ممثلي دولة عظمى، لم تحدث فرقاً على الأرض على الأقل حتى الآن، ما يدفع باتجاه تفسيرات توحي بأن واشنطن قد تكون في مسار التخلي عن حلفائها الأكراد لصالح علاقة متنامية مع الحكومة السورية الانتقالية، أو ربما نوع من الضغط على القيادات الكردية لتليين مواقفها التفاوضية مع حلفاء واشنطن الجدد في دمشق. 

الهدف الأساسي من أي عمل عسكري هو دفع القوات الكردية إلى شرق الفرات

مؤشرات العملية العسكرية غرب الفرات

في حال شنت القوات الحكومية هجوماً على قوات "قسد" غرب نهر الفرات، وهو الخيار الأرجح حتى الآن، فإن موازين القوى ترجّح، وفق عدد من المراقبين، كفة دمشق، ولا سيما في ظل الدعم اللوجستي والعسكري التركي، بافتراض وجود موافقة أمريكية ضمنية. ويُعتقد أن الهدف الأساسي من هذه العملية هو دفع القوات الكردية إلى شرق الفرات، ليصبح النهر حاجزاً فاصلاً بين مناطق سيطرة الدولة السورية الجديدة وبين إدارة شمال وشرق سوريا ذات الغالبية الكردية، تأجيلاً لأي اشتباكات واسعة وفتح باب المفاوضات وفق موازين جديدة.

 

عقب ذلك، يُتوقع أن تتحرك الأطراف الدولية، وعلى رأسها واشنطن، للضغط على الجانبين من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات وتفعيل اتفاق العاشر من آذار، الذي ينص على اندماج القوات الكردية ضمن الجيش السوري، ودمج المؤسسات المدنية ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على الحقوق السياسية والثقافية للأكراد.

غير أن هذا الاتفاق، الذي مضى على توقيعه أكثر من عشرة أشهر دون تحقيق اختراق حقيقي في تعقيداته التنفيذية، يبدو اليوم أكثر هشاشة. فغياب الضغوط الأمريكية الجدية على الطرفين، ولا سيما على حكومة دمشق، التي تعيش حالة من الثقة المفرطة بعد ما تعتبره إنجازاً عسكرياً في حلب، يدفعها إلى مزيد من التشدد في الاستجابة للمطالب الكردية.

الجراح الجديدة التي خلّفتها معارك حلب والتي قد تتكرر في حال اندلاع معارك غرب الفرات قد تدفع القيادات الكردية إلى مزيد من التعنت

تداعيات العملية العسكرية على المسار السياسي

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن العمليات العسكرية ضد "قسد" في مدينة حلب وغرب الفرات، وإن كان الهدف المراد منها إضعاف الموقف العسكري الكردي لتليين شروط التفاوض، إلا أنها عملياً عمّقت الانقسام ووسّعت فجوة انعدام الثقة بين الطرفين، ما قد يجعل الوصول إلى اتفاق نهائي أكثر تعقيداً وبعداً.

 

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ إن الجراح الجديدة التي خلّفتها معارك حلب، والتي قد تتكرر في حال اندلاع معارك غرب الفرات، قد تدفع القيادات الكردية إلى مزيد من التعنت ورفع سقف مطالبها، والمطالبة بضمانات دولية أوسع، في ظل تراجع منسوب الثقة مع دمشق، بعد أن كانت محادثات الاندماج قد قطعت أشواطاً لا بأس بها.

 

وعليه، يبرز السؤال الجوهري: هل تعني العملية العسكرية لطرد "قسد" من غرب الفرات إلى شرقه قبول دمشق برسم خطوط انفصال واضحة المعالم، أم أنها خطوة نحو فرض الاندماج بالقوة والإذعان؟ في كلتا الحالتين، تبدو سوريا مقبلة على مرحلة غير مطمئنة؛ فالاندماج القسري لا يولد سوى مزيد من الأحقاد وانعدام الثقة، في حين أن تكريس خطوط الفصل قد يشجع مكونات سورية أخرى على التفكير بالمسار ذاته. من هنا، يتحول سؤال شرق الفرات إلى مدخل لسؤال أشمل وأخطر: إلى أين تتجه سوريا؟

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026