هاشتاغ - حسن عيسى
يتفقد "سليم. ع" (29 عاماً) جيب سترته الداخلي للمرة العاشرة قبل أن يهمّ بصعود الحافلة المتجهة من ريف دمشق إلى العاصمة. ما يتلمسه سليم ليس بطاقة هوية بلاستيكية صلبة كما هو حال معظم الركاب، بل ورقة مهترئة طُويت عشرات المرات، تحمل ختماً لكلمة "تسوية"، وتاريخ صلاحية انتهى منذ أشهر.
سليم، وهو اسم مستعار لمجند سابق قضى ست سنوات في الخدمة الإلزامية قبل أن يتم تسريحه عقب سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، واحد من آلاف الشبان السوريين الذين وجدوا أنفسهم اليوم "أشباحاً قانونية" في سوريا الجديدة. هم موجودون جسدياً، لكنهم غائبون في السجلات الرسمية، وعاطلون عن العمل والسبب: "لا توجد بطاقة شخصية".
رحلة البحث عن "الذات" المفقودة
بعد مرور أكثر من عام على التغيير السياسي الكبير في البلاد، لا تزال أبواب دوائر "الشؤون المدنية" (النفوس) موصدة في وجه طالبي البطاقات الشخصية "بدل ضائع". وهي أزمة تضرب بعمق شريحة واسعة من المجندين الإلزاميين الذين فقدوا وثائقهم في فوضى الانسحابات العسكرية واقتحام الثكنات في الأيام الأخيرة للنظام السابق.
يقول سليم لـ"هاشتاغ": "عندما سقطت القطعة العسكرية، تركت كل شيء ورائي ونجوت بنفسي. هويتي المدنية بقيت هناك. بعد التسوية حصلت على ورقة مؤقتة، قيل لنا إنها بمثابة هوية لعدة أشهر ريثما يعاد تفعيل السجلات. اليوم، مر أكثر من عام، الورقة انتهت، والنفوس مغلقة، وأنا لا أجرؤ على الابتعاد عن حيي السكني أكثر من بضعة كيلومترات".
وتتجاوز معاناة سليم الخوف من الحواجز الأمنية، فهي تمس لقمة عيشه. يضيف بمرارة: "عملت في ورشة ديكور لأسبوعين، وعندما طلب صاحب العمل صورة الهوية لتثبيت اسمي في سجل العمال، طردني بمجرد أن رأى ورقة التسوية المنتهية. قال لي بالحرف: لا أريد وجع رأس".
ورقة "منتهية الصلاحية" وتهمة جاهزة
على الطرف الآخر من المدينة، يروي "فادي" (31 عاماً)، قصصاً عن "الابتزاز" الذي يتعرض له حملة هذه الأوراق. فادي الذي خدم خمس سنوات إلزامية، يصف تحركاته بأنها "لعبة حظ".
ويقول: "أحياناً يمررونك على الحاجز بتفهّم، وأحياناً أخرى يقرر العنصر أن هذه الورقة لا قيمة لها. تعرضت للتوقيف مرتين لساعات، وفي كل مرة أضطر للذهاب للمسؤول الأمني وشرح وضعي له، وإثبات أنني لم أكن متطوعاً. أنا لست هارباً أو مجرماً، بل مواطن ينتظر أن تفتح الدولة أبوابها ليعرف من هو".
ويشير فادي إلى نقطة بالغة الحساسية، وهي النظرة الاجتماعية. بالقول: "البعض ينظر إلينا كتركة للنظام السابق يجب التخلص منها، بينما نحن كنا مجبرين على الخدمة، واليوم نحن مجبرون على البطالة. لا نستطيع السفر، لا نستطيع استلام حوالة مالية، ولا حتى الزواج وتثبيته في المحكمة لأن الهوية مفقودة".
الحق في الوجود القانوني
المحامية والناشطة الحقوقية السورية-الكندية، علياء الزين، توضح أن المشكلة لا تكمن في الأشخاص بل في عدم قدرة المؤسسات الحالية على إعادة هيكلة ملفات هؤلاء خصوصاً في حال ضياع البيانات، كما حصل بعد سقوط النظام في سوريا.
وتقول الزين في حديثها لـ " هاشتاغ": "نحن أمام معضلة قانونية كبرى. الدستور والقوانين الدولية تفرض على الدولة منح وثائق تعريف لمواطنيها. استمرار إغلاق السجلات المدنية بعد أكثر من عام حالة غير صحية. هؤلاء الشباب تحولوا إلى فئة (عديمي الجنسية) عملياً داخل وطنهم".
وتحذر الزين من التبعات القانونية لاستخدام "أوراق التسوية" المنتهية: "هذه الأوراق لا تحمل صفة الإلزام القانوني حالياً أمام القضاء أو البنوك أو حتى في عقود العمل، مما يجعل حاملها عرضة للاستغلال دون أي حماية قانونية".
وترى الزين أن العائق الأساسي هو نفسه سبب المشكلة. أي أن الدولة الحالية في مرحلة إعادة هيكلة في جميع مؤسساتها، وهذا يشمل السجلات المدنية التي تحتاج لوقت كبير كي يتم بناء ملفاتها وفق نظام جديد وسجلات مختلفة عما كان عليه واقع الحال قبل أكثر من عام.
وتشرح الزين أن هذه المشكلة تحصل في جميع البلدان التي تمر بمراحل تحولات سياسية، لكن توقيت حلها يختلف من بلد لآخر تبعاً للتقدم التكنولوجي والبياناتي.
وتضيف "كل شيء في سوريا اليوم في مرحلة إعادة بناء. لكن هذا بلد منهك ويعتبر من الدول غير المتقدمة تكنولوجياً. حتى وقت سقوط النظام كان التعامل يتم عبر سجلات ورقية قديمة ومهترئة. اليوم تلك السجلات بحاجة لأتمتة وفق أنظمة حديثة، وهذا يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين بالنظر لوضع سوريا الحالي".
قنبلة اجتماعية "موقوتة"
يرى الباحث الاجتماعي، الدكتور حسام الدري، أن تهميش هذه الشريحة يحمل مخاطر أمنية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
ويشرح الدري لـ"هاشتاغ": "نحن نتحدث عن الآلاف من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و35 عاماً، وهي سن الإنتاج والعمل. هؤلاء مدربون عسكرياً، عاشوا ظروفاً قاسية، ولديهم شعور متراكم بالظلم والنبذ. تركهم بلا عمل، وبلا هوية، وتحت ضغط الخوف من الملاحقة، هو وصفة مثالية لخلق توترات نحن في غنى عنها".
ويقترح الدري حلاً إسعافياً فورياً: "إذا كانت السجلات المدنية تحتاج وقتاً أطول، يجب على وزارة الداخلية إصدار تعميم ملزم باعتبار أوراق التسوية القديمة سارية المفعول كوثيقة رسمية توازي الهوية، وتجريم أي جهة ترفض التعامل بها، ريثما يتم إصدار البطاقات الجديدة. يجب دمج هؤلاء في سوق العمل فوراً بدلاً من دفعهم نحو الحافة".


