هاشتاغ - غدير إبراهيم
تشهد سوريا، في الأسابيع الأخيرة، تحولات سياسية وميدانية متسارعة، ولا سيما في مناطق شمال وشرق البلاد.
هذه التحولات من شأنها أن تفرض واقعاً جديداً، ولو جزئياً، على الاقتصاد السوري، خصوصاً مع عودة عدد من آبار النفط التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" منذ قرابة عشر سنوات إلى سيطرة الدولة السورية.
ومع المواجهات العسكرية التي وقعت، عاد ملف النفط السوري إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالسيادة الوطنية والقدرة على إنعاش اقتصاد أنهكته سنوات الحرب.
وبعد أعوام من خروج أهم الحقول النفطية عن السيطرة الحكومية، يتساءل الشارع السوري اليوم عمّا إذا كانت عودتها قادرة فعلياً على إحداث فرق اقتصادي ملموس، أم أن تأثيرها سيبقى محدوداً إلى أجل غير مسمى.
في هذا الشأن، يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي زياد عربش، في حديثه لـ "هاشتاغ"، أن عودة الحقول لا تعني تحسناً سحرياً أو فورياً في مستوى المعيشة أو في سعر صرف الليرة، موضحاً أن الآبار والبنية التحتية تعرّضت لاستنزاف وطرق استخراج بدائية خفّضت القدرة الإنتاجية، وتحتاج اليوم إلى برنامج تأهيل واستثمار يمتد لسنوات، وفق تقديره.
وأضاف عربش أن كل برميل يُنتج محلياً ويُباع بالعملة المحلية يخفف الضغط عن سوق القطع الأجنبي، معتبراً أن ذلك يفتح المجال تدريجياً لتحسين توافر المحروقات، وخفض ساعات التقنين، وامتصاص جزء من التضخم، شريطة أن يرافق ذلك ضبط للدعم، واستثمار رشيد للإنفاق، وعقود شفافة مع الشركاء الأجانب.
وأوضح أن أثر عودة الإنتاج النفطي سيظهر أولاً على مستوى الكميات المتاحة واستقرار التزويد بالمحروقات والكهرباء، قبل أن يترجم إلى انخفاض ملموس في الأسعار، مبيّناً أن الحكومة تتحرك بين كلفة الإنتاج أو الاستيراد من جهة، ومتطلبات الدعم وتمويل الخزينة من جهة أخرى.
وقال عربش: "كل زيادة في الإنتاج المحلي تعني تراجع الاعتماد على النفط المستورد والمشتقات من الأسواق الخارجية، ما يخفّض فاتورة الاستيراد، ومع إدخال الغاز مباشرة إلى محطات التوليد، يمكن تقليص ساعات التقنين وتحسين بيئة الإنتاج الصناعي والزراعي".
واعتبر عربش أن عودة حقول النفط والغاز إلى الدولة تشكل "ركيزة أساسية لاستعادة جزء من السيادة الاقتصادية"، لافتاً إلى أنها تعيد إلى الموازنة مورداً كان يشكّل قبل عام 2011 أكثر من خُمس إيرادات الدولة، وإحدى دعائم الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة.
وأوضح أن استعادة حقول مثل العمر ورميلان ومعمل كونيكو، الذي يتطلب إعادة تأهيل بنيته التحتية استثمارات كبيرة، تعني نظرياً استعادة عشرات آلاف البراميل يومياً بعد إنجاز عملية التأهيل الشاملة، في اقتصاد يستهلك حالياً أضعاف ما ينتجه ويعتمد على الاستيراد والتمويل الخارجي لتأمين المحروقات.
وعن حجم الخسائر خلال سنوات خروج هذه الحقول عن السيطرة الحكومية، أشار عربش إلى أن الاقتصاد السوري خسر ليس فقط عائدات بيع ما بين 100 و140 ألف برميل يومياً من مناطق الشرق، بل خسر أيضاً إيرادات العبور والضرائب، وفرص العمل المرتبطة بسلاسل القيمة في النقل والتكرير والتوزيع.
وأضاف: "إذا ما قورن الوضع بإنتاج ما قبل الحرب، الذي تجاوز 400 ألف برميل يومياً، فإن فجوة العوائد التراكمية خلال أكثر من عقد تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات، انعكست على عجز دائم في الموازنة، وتوسّع في الدَّين غير المعلن، وارتفاع فاتورة الاستيراد النفطي".
وحول السيناريوهات المتوقعة خلال عام من عودة الآبار، قال عربش إن السيناريو المتحفظ يفترض أن تؤدي الأضرار الفنية، ونقص التمويل، والعقوبات إلى تعثّر تسريع الاستثمار، ما يجعل أثر العودة محدوداً في عامها الأول، ويقتصر على تحسّن نسبي في التوفر واستقرار أكبر في السوق، مع بقاء الأسعار وسعر الصرف رهناً بعوامل أخرى، مثل تدفق الاستثمارات الخارجية، وكلفة إعادة الإعمار، وطبيعة الشراكات التي ستدير هذه الحقول.


