هاشتاغ - خاص
مع مطلع عام 2026، نجحت الحكومة السورية بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في استعادة السيطرة على مساحات واسعة في الشمال السوري على حساب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الحليف الأبرز لواشنطن خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش.
هذا التحول جاء بعد أشهر من التوتر وفشل مساعي دمج “قسد” ككيان سياسي وعسكري مستقل داخل مؤسسات الدولة السورية، قبل أن يتحول التوتر إلى مواجهات عسكرية انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار، منح "قسد" مهلة للتفاوض حول آلية الاندماج، مع الإبقاء على شكل محدود من الإدارة المحلية في بعض المناطق.
يعكس هذا التطور تحوّلاً لافتاً في المقاربة الأمريكية، التي بدت وكأنها تتراجع عن دعم "قسد" كحليف استراتيجي طويل الأمد، لصالح التعاطي مع الحكومة السورية الجديدة بوصفها الشريك الأكثر قدرة حالياً على تحقيق المصالح الأمريكية في سوريا والمنطقة.
هذا التحول لا يقتصر أثره على الشمال السوري، بل يمتد إلى الجنوب، وتحديداً إلى محافظة السويداء، والتي تشهد قطيعة سياسية مع دمشق منذ صيف عام 2025.
ما جرى في الشمال السوري يفرض على قيادات السويداء إعادة تقييم رهاناتها السياسية
السويداء بعد الصدام والقطيعة
بدأت أحداث السويداء في 13 تموز 2025 باشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين من البدو، قبل أن تتوسع المواجهات مع تدخل القوات الحكومية إلى جانب مجموعات عشائرية. وأسفرت الاشتباكات عن سقوط أكثر من ألفي قتيل، غالبيتهم من أبناء الطائفة الدرزية، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار عقب تدخل عسكري إسرائيلي استهدف قيادة الأركان في قلب العاصمة دمشق ومحيط القصر الرئاسي.
منذ ذلك الحين، تعيش السويداء حالة قطيعة سياسية شبه كاملة مع الحكومة المركزية، واقتصرت الاتصالات على الجوانب الإنسانية والاحتياجات اليومية من وقود وغذاء ودواء عبر منظمات دولية. كما دفعت الأحداث والانتهاكات التي طالت الدروز القيادات الدينية والاجتماعية، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري شيخ عقل الطائفة، إلى قطيعة مع دمشق والمطالبة بكيان مستقل للسويداء بضمانات وحماية دولية.
وفي هذا السياق، جرى الإعلان عن تشكيل قوة مسلحة موحّدة تحت مسمى "الحرس الوطني" ، بهدف حماية المحافظة من أي تدخل عسكري حكومي محتمل.
تتعارض التطورات الأخيرة مع قراءة الشيخ الهجري التي ذهبت إلى أن سوريا تتجه نحو التقسيم أو الفدرلة
تداعيات الشمال على حسابات الجنوب
يرى مراقبون أن ما جرى في الشمال السوري، ولا سيما ما يوصف بـ "شبه التخلي" الأمريكي عن "قسد" ، يفرض على قيادات السويداء إعادة تقييم رهاناتها السياسية. فالنموذج الكردي، الذي استند إلى مظلة حماية دولية، يواجه اليوم واقعاً مختلفاً مع تغيّر أولويات واشنطن، ما يضعف فرضية الاعتماد على دعم خارجي طويل الأمد.
ورغم تأكيد الشيخ الهجري في تصريحات منسوبة له، بينها مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن العلاقة مع دمشق "أصبحت مستحيلة" ، إلا أن هذا الموقف قد يتعرض لاختبار جدي في ظل التطورات المتسارعة. فالملف الذي دخل حالة من الجمود منذ توقيع اتفاق ثلاثي أمريكي–سوري–أردني في عمّان في أيلول الماضي لحل أزمة المحافظة، عاد ليطفو على السطح خلال المباحثات السورية–الإسرائيلية التي استضافتها باريس مطلع كانون الثاني الجاري، حيث تشير معلومات إلى أن ملف السويداء شكّل إحدى عقد الخلاف الرئيسية.
وبحسب تسريبات، طالبت إسرائيل بممر لوجستي نحو السويداء لدعم الدروز، وهو ما قوبل برفض سوري قاطع، في مؤشر على حساسية الملف وتعقيداته الإقليمية.
أي قراءة واقعية لمستقبل السويداء تقتضي التوقف عند مواقف اللاعبين الدوليين المؤثرين
خيارات السويداء بين الواقعية والمغامرة
تتعارض التطورات الأخيرة مع قراءة الشيخ الهجري التي ذهبت إلى أن سوريا تتجه نحو التقسيم أو الفدرلة. فالمشهد الحالي يوحي بأن دمشق، بدعم دولي وإقليمي تقوده واشنطن وأنقرة، تسعى إلى بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية.
في هذا السياق، تبدو السويداء اليوم أمام خيارين رئيسيين: الأول، إعادة ضبط الخطاب السياسي، والقبول بالاندماج ضمن الدولة السورية مقابل ضمانات دستورية وحقوق محلية واضحة، على غرار ما يُطرح للأكراد.
وأما الخيار الثاني، فيتمثل في الذهاب بعيداً نحو المطالبة بإقليم مستقل تحت حماية إسرائيلية مباشرة، استناداً إلى قناعة لدى بعض القيادات بأن تل أبيب قادرة أو راغبة في لعب هذا الدور. غير أن هذا الخيار يبقى محفوفاً بالمخاطر، إذ تصطدم أي خطوة إسرائيلية واسعة في الجنوب السوري بالسياسة الأمريكية المستجدة التي ترى في الحكومة السورية الحالية الشريك البديل عن "قسد" ، ولا تبدو مستعدة للتسامح مع مسارات قد تعقّد هذا التوجه.
لكن أي قراءة واقعية لمستقبل السويداء تقتضي التوقف عند مواقف اللاعبين الدوليين المؤثرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارهما صاحبي التأثير الأكبر في معادلات الجنوب السوري.
صمت إسرائيل حيال مصير الأكراد في الشمال تعزز المخاوف الدرزية
إسرائيل وواشنطن.. حماية الأقليات أم إدارة المصالح؟
قراءة موقف إسرائيل من صمتها حيال مصير الأكراد في الشمال تعزز المخاوف الدرزية. فتل أبيب، وفق هذا المنظور، لا تتحرك بدافع حماية الأقليات بقدر ما تحكمها حسابات أمنية مباشرة. تصريحاتها المنتقدة للعمليات السورية في مناطق كردية تبدو أقرب إلى دعم سياسي رمزي، يوازن بين الخطاب الحقوقي وأولويات الأمن القومي.
أما واشنطن، فإن تصريحات مبعوثها الخاص إلى سوريا، التي شددت على ضرورة دمج "قسد" داخل الدولة السورية، أكدت عملياً أن زمن الرهانات على الحماية الدولية المفتوحة قد انتهى، وأن التحالفات تخضع لتبدل المصالح لا لثبات الالتزامات.
يبدو السيناريو الأكثر واقعية في اندماج سياسي منظم ضمن الدولة السورية مدعوم بضمانات حقوقية
السويداء .. سيناريوهات الغد
تشير المعطيات الراهنة إلى أن دمشق تتقدم بخطى ثابتة نحو استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، مستفيدة من تحولات في مواقف القوى الدولية والإقليمية، ولا سيما الولايات المتحدة، في حين تراقب إسرائيل المشهد بحذر دون انخراط مباشر.
بالنسبة للسويداء، يبدو أنها أمام اختبار جدي، لاسيما مع عودة محافظ السويداء إلى تكثيف خطابه السياسي الموجّه إلى أبناء المحافظة بضرورة التزام الحوار لحل الخلافات وأن الوطن يتسع للجميع رغم الاختلافات السياسية. لذلك يبقى السيناريو الأضعف هو تكرار تجربة الشمال، أي ترك قوة محلية بلا غطاء دولي كافٍ في مواجهة الدولة المركزية. أما السيناريو الأكثر واقعية لتجنب الصدام، فيكمن في اندماج سياسي منظم ضمن الدولة السورية، مدعوم بضمانات حقوقية وضغوط إقليمية، بما يحفظ خصوصية المحافظة ويجنبها مغامرات غير محسوبة الكلفة.


