هاشتاغ - خاص
بعد ساعات من إعلان الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التوصل إلى اتفاق شامل يقضي باندماج "قسد" ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، بدأت تظهر تفسيرات متباينة لبنود الاتفاق، وصل بعضها إلى حد التناقض العلني. هذا التباين السريع في قراءة الاتفاق طرح منذ اللحظة الأولى تساؤلات جدية حول مدى تماسك التفاهمات، وإمكانية تحوّل الاختلاف في التفسير إلى خلاف سياسي أو ميداني يعرقل التنفيذ.
فقد أثار شكل الإعلان السوري الرسمي عن الاتفاق علامات استفهام. إذ أعلنت دمشق الاتفاق عبر مصدر حكومي لقناة الإخبارية السورية، في خطوة غير مألوفة في الاتفاقات ذات الطابع السيادي، التي غالباً ما تُعلن ببيانات رسمية عن الرئاسة أو وزارة الخارجية.
هذا الأسلوب فُسّر بأنه يعكس تحفظاً سورياً على بعض بنود الاتفاق، أو لأنه جاء تحت ضغط دولي، في توقيت شعرت فيه دمشق بتفوق سياسي وعسكري.
وزادت هذه التساؤلات بعد أن خلا الإعلان من أي توضيح حول شكل دمج المقاتلين الأكراد. ليعود المصدر الحكومي لاحقاً ليوضح أن "الدمج العسكري والأمني سيكون فردياً ضمن الألوية"، في إشارة فهم منها أنها رد على تفسيرات "قسد" من جهة، وإعادة تأكيد موقف دمشق برفض دمج التشكيلات الكردية القائمة ككتل مستقلة داخل الجيش السوري، وهو ما شكّل أول نقطة احتكاك جوهرية في تفسير الاتفاق.
ولا تبدو هذه التناقضات في تفسير الاتفاق جديدة على المشهد السوري، إذ لطالما رافقت التفاهمات السياسية السابقة قراءات متباينة سرعان ما انعكست على مسار التنفيذ.
هذه التصريحات تكشف فجوة واضحة بين رؤية دمشق التي تركز على الدمج الفردي الكامل، ورؤية "قسد" التي تميل إلى دمج يحافظ على البنية التنظيمية القائمة.
الدمج العسكري.. روايتان متناقضتان
مسؤول الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، عاد ليؤكد في تصريحات صحفية أن الاتفاق "ينهي مرحلة الانفصال"، وأن "قسد ستنضم بصفة فرقة مكونة من ثلاثة ألوية، انضماماً فردياً بعد دراسة دقيقة لكل عنصر". في المقابل، جاءت تصريحات مسؤولي "قسد" لتقدم قراءة مختلفة لطبيعة الاندماج. وأكد القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي في مقابلة مع قناة روناهي الكردية أن قواته "ستنظم نفسها على شكل ألوية في الجزيرة وكوباني"، مؤكداً أن القوات الحكومية "لن تدخل أي قرية أو مدينة كردية"، وأن إدارة هذه المناطق "ستبقى بيد سكانها وموظفيها المحليين".
هذا التباين تعزز بتصريحات صالح مسلم، عضو الهيئة الرئاسية لحزب "الاتحاد الديمقراطي"، الذي ذهب أبعد من ذلك حين قال إن "قسد لن تنضم إلى الجيش السوري كأفراد"، بل ستكون ضمن ألوية محددة في الحسكة وعين العرب، مع الإبقاء على الإدارات المحلية "على حالها". هذه التصريحات تكشف فجوة واضحة بين رؤية دمشق التي تركز على الدمج الفردي الكامل، ورؤية "قسد" التي تميل إلى دمج يحافظ على البنية التنظيمية القائمة.
هذه التناقضات تعكس مخاوف متبادلة، إذ تسعى دمشق لتكريس حضورها الأمني، فيما تحاول "قسد" ضمان عدم فقدان السيطرة الفعلية على الأرض.
الملف الأمني.. دمج أم إلحاق؟
لم يكن الملف الأمني أقل تعقيداً. فالمصدر الحكومي السوري أشار إلى أن الاتفاق يقضي بدخول "قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية"، دون توضيح ما إذا كان هذا الوجود دائماً أم مؤقتاً. في المقابل، شددت فوزة يوسف، عضو لجنة التفاوض عن شمال وشرق سوريا على أن وجود قوات الأمن الحكومية "مؤقت بهدف التنسيق لإتمام عملية الدمج"، مؤكدة أن "قوات الأسايش ستتولى حماية المناطق ذات الغالبية الكردية".
هذا التفسير دعمته إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، التي أكدت أن قوات الأسايش ستدمج ضمن وزارة الداخلية، على أن تنسحب القوات الحكومية لاحقاً.
هذه التناقضات تعكس مخاوف متبادلة، إذ تسعى دمشق لتكريس حضورها الأمني، فيما تحاول "قسد" ضمان عدم فقدان السيطرة الفعلية على الأرض.
المؤسسات الإدارية.. بين الخصوصية والاندماج
على المستوى الإداري، أكد محمد طه الأحمد أن الاتفاق ينفذ على مراحل متسلسلة تنتهي بدمج المؤسسات المدنية ضمن مؤسسات الدولة، وأنه "يلغي المسميات السابقة" ويطبق في الحسكة ما طبق في بقية المناطق السورية. هذا الطرح يوحي بإنهاء كامل لهياكل الإدارة الذاتية. إلا أن إلهام أحمد أكدت أن المؤسسات التربوية "ستحافظ على خصوصيتها"، مع تشكيل لجان مشتركة لمناقشة المناهج ولغات التدريس والتصديق على الشهادات.
مظلوم عبدي بدوره أكد أن "جميع موظفي المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية سيواصلون مهامهم"، ما يعكس محاولة طمأنة القاعدة المحلية بأن الدمج الإداري لن يعني إقصاءً أو تغييراً جذرياً مفاجئاً، وهو ما يتناقض جزئياً مع الخطاب السوري الرسمي الذي يتحدث عن إنهاء مرحلة كاملة من التنظيمات السابقة.
ترحيب ودعم دولي للاتفاق
وسط هذه التناقضات، حظي الاتفاق بترحيب دولي واسع. فقد وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الاتفاق بأنه "حدث تاريخي عميق"، يعكس التزام الحكومة السورية بـ"شراكة وطنية ونهج شامل" يمهد لإعادة بناء المؤسسات وبناء الثقة بين المكونات السورية.
فرنسا بدورها أكدت دعمها الكامل، حيث شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على دعم باريس "للتنفيذ الكامل للاتفاق"، فيما أعربت الدول العربية عن أملها بأن تقود هذه الخطوة إلى مزيد من الاستقرار لسوريا وشعبها.
الفجوة بين الطرفين قد تتحول سريعاً إلى نقطة صدام إذا لم تُدار بحذر. هنا يبرز دور الضمانات الدولية، ولا سيما واشنطن وباريس، كعامل حاسم لضمان حسن التنفيذ ومنع التعطيل.
ضمانات التنفيذ.. واشنطن وباريس
فيما يتعلق بالضمانات، كشف مظلوم عبدي أن الرئيس الأمريكي تحدث مع الرئيس السوري دعماً للاتفاق، وأن الرئيس الفرنسي أكد أنه سيكون الضامن السياسي له. وأعلنت الخارجية الأمريكية أن واشنطن "تبقى ملتزمة بدعم التنفيذ الناجح لهذه الاتفاقية التاريخية"، والعمل مع جميع الأطراف لتسهيل عملية اندماج سلسة وفي مواعيدها.
وقد أعربت إلهام أحمد عن شكرها للولايات المتحدة وفرنسا، معتبرة أن جهودهما شكلت "خطوة مهمة على طريق الاستقرار"، معربة عن الأمل بأن تلعبا "الدور الضامن لتحقيق عملية الدمج".
صالح مسلم لخص هذا الرهان بقوله إن الولايات المتحدة وفرنسا "ضامنان دوليان لتطبيق الاتفاق"، معرباً عن أمله في أن يطبق "بما يحقن الدماء"، لكنه لم يخفِ القلق حين أشار إلى أن "قسد تواصل اتخاذ التدابير الأمنية" في حال لم يتم التنفيذ.
رغم الزخم السياسي والترحيب الدولي، تبقى التفسيرات المتناقضة بين الحكومة السورية و"قسد" التحدي الأكبر أمام تنفيذ الاتفاق. فالفجوة بين الطرفين قد تتحول سريعاً إلى نقطة صدام إذا لم تُدار بحذر. هنا يبرز دور الضمانات الدولية، ولا سيما واشنطن وباريس، كعامل حاسم لضمان حسن التنفيذ ومنع التعطيل.
نجاح الاتفاق لن يُقاس بتوقيعه، بل بقدرة الأطراف، وبدعم دولي فاعل، على جسر التباينات والتناقضات في تفسيره، وتحويله إلى واقع عملي متماسك على الأرض.


