هاشتاغ - خاص
تفتح قرارات صادرة عن مسؤولين محليين في مناطق مختلفة من سوريا بابا مقلقا على مستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع، ليس بوصفها إدارة خدمات أو تنظيم شؤون عامة، بل باعتبارها وصاية أخلاقية فجة تتدخل في تفاصيل الحياة الخاصة للمواطنين تحت ذرائع دينية أو "قيمية".
اللافت أن هذه القرارات لا تأتي ضمن سياسة وطنية واضحة، ولا عبر أطر قانونية منسجمة، بل كإجراءات محلية متفرقة، أقرب إلى نماذج حكم ذاتي أخلاقي تُدار خارج أي مرجعية مركزية متماسكة.
البداية الأوضح كانت مع قرار صادر عن رئيس بلدية وادي بردى، تضمن منع ممارسات وأنشطة اجتماعية داخل مطاعم ومنشآت سياحية، بذريعة "منع الإخلال بالآداب العامة". القرار، بصيغته ومضمونه، لم يكتفِ بتنظيم الفضاء العام، بل تمدد مباشرة إلى الفضاء الخاص، واضعا المطاعم والحفلات العائلية والأنشطة السياحية في خانة الاشتباه الأخلاقي المسبق.
هذه السابقة لم تكن معزولة. فقد سبقتها إجراءات مماثلة في النبك، ثم تعاميم من اللاذقية، تتعلق بالموسيقى، والاختلاط، والأنشطة الترفيهية، والمكياج، وصولا إلى قرارات أخرى صدرت عن مجالس بلدية، مثل مجلس مدينة التل، تتدخل في طبيعة ما يُباع داخل المحال التجارية، بما في ذلك الملابس النسائية، وكأن البلدية تحولت إلى جهاز رقابة سلوكية لا جهة خدمات محلية.
المشكلة الأساسية في هذه القرارات لا تكمن فقط في مضمونها بل في آلية صدورها عن رؤساء بلديات أو محافظين دون إحالة واضحة إلى قوانين وطنية
قرارات محلية.. وسلطة بلا مرجعية
المشكلة الأساسية في هذه القرارات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في آلية صدورها. فهي تصدر عن رؤساء بلديات أو محافظين، دون إحالة واضحة إلى قوانين وطنية نافذة، ودون تنسيق معلن مع وزارة الإدارة المحلية، ما يطرح سؤالا جوهريا: هل بات لكل منطقة "نظامها القيمي" الخاص؟ وهل يُسمح لمسؤول محلي بفرض تفسيره الشخصي للأخلاق على مجتمع متنوع؟
بهذا المعنى، نحن أمام تفكك إداري مقنّع، حيث تُدار الأخلاق بقرارات محلية متناقضة، ويُترك المواطن رهينة مزاج المسؤول، لا لنص قانوني واضح. في منطقة يُمنع حفل داخل مطعم، وفي أخرى تُقام مناسبات مماثلة بلا مساءلة. هذه الازدواجية لا تعبّر عن "قيم المجتمع"، بل عن غياب الدولة بوصفها مرجعية قانونية واحدة.
الأخطر أن هذه القرارات تُرسل رسالة سلبية للسوريين في الداخل والخارج
الاقتصاد أول الضحايا
الضرر لا يقف عند حدود الحريات الشخصية. فالاقتصاد، ولا سيما القطاع السياحي والخدمي، هو الضحية المباشرة لهذه السياسات. سوريا بلد اعتمد تاريخيا على السياحة الداخلية والخارجية، وكانت المطاعم والمنتجعات وصالات المناسبات مصدر رزق لآلاف العائلات. حين تُعامل الأنشطة السياحية كاشتباه أخلاقي، تُضرب الثقة، ويُخنق الاستثمار، ويُدفع أصحاب الأعمال إلى الإغلاق أو الهجرة.
الأخطر أن هذه القرارات تُرسل رسالة سلبية للسوريين في الداخل والخارج: بلد غير مستقر تشريعيا، تُدار فيه الحياة اليومية بفرمانات محلية متغيرة، لا بقوانين واضحة. وبالتالي لا اقتصاد يمكن أن يتعافى في ظل هذا المناخ.
حين تُدار الأخلاق بقرارات بلدية ويُقاس السلوك بمزاج المسؤول لا نكون أمام دولة بل أمام سلطات متفرقة تُجرّب نماذجها على حساب الناس
الدولة ليست واعظا
منع الإخلال بالآداب العامة في الشوارع والأماكن المفتوحة مبدأ متعارف عليه في كل دول العالم. لكن الانتقال من التنظيم إلى الوصاية، ومن القانون إلى الأخلاق، هو انزلاق خطير. الدولة ليست واعظا، ولا البلديات مخوّلة بإعادة هندسة المجتمع وفق تصورات أيديولوجية ضيقة.
الأخلاق شأن اجتماعي وثقافي متغير، لا يُفرض بقرار إداري. وحين تتحول السلطة إلى "حارس فضيلة" ، فإنها تفقد دورها الأساسي: إدارة شؤون الناس، لا مراقبتهم. التجارب القريبة والبعيدة تُظهر أن فرض الأخلاق بالقوة لا ينتج مجتمعا أكثر تماسكا، بل مجتمعا خائفا أو منافقا.
ما يجري اليوم ليس دفاعا عن القيم، بل مصادرة لحق الناس في العيش الطبيعي، وتفكيك لفكرة الدولة نفسها. المطلوب وقف هذه القرارات فورا، وإعادة الاعتبار لمرجعية قانونية واحدة، تحمي الحريات، وتنظم الفضاء العام، دون أن تتحول إلى سلطة وصاية على حياة السوريين.
خلاصة القول أنه حين تُدار الأخلاق بقرارات بلدية، ويُقاس السلوك بمزاج المسؤول، لا نكون أمام دولة، بل أمام سلطات متفرقة تُجرّب نماذجها على حساب الناس. وهذا مسار لا يهدد الحريات فقط، بل يهدد ما تبقى من الاقتصاد، ومن فكرة العيش المشترك في سوريا.







