هاشتاغ - خاص
لم يعد قرار الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من أوبك وأوبك+ خطوة اقتصادية مرتبطة بحصص الإنتاج، بل تحوّل إلى مؤشر على أزمة أعمق تضرب بنية التحالف النفطي نفسه، في ظل حرب أعادت تعريف قواعد سوق الطاقة من الأساس.
فما يجري اليوم لا يتعلق بإنتاج النفط بقدر ما يتعلق بإمكانية تصديره، ولا بأسعار السوق بقدر ما يتعلق بأمن الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز ، الذي تحوّل من شريان طاقة عالمي إلى أداة صراع جيوسياسي.
إغلاق هرمز مزّق أوبك فعلياً من الداخل
هرمز.. اللحظة التي كسرت أوبك
في قلب هذه الأزمة، يبرز إغلاق مضيق هرمز كنقطة تحوّل مفصلية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر، بل أصبح سلاحاً.
في هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الإيرانية محمد صالح الفتيح أن "قرار إيران استخدام سلاح النفط، عبر إغلاق مضيق هرمز، ألحق أضراراً جسيمة بمنظمة أوبك التي كانت طهران نفسها من مؤسسيها في عهد الشاه".
ويضيف في تعليق لـ "هاشتاغ"، أن "إغلاق المضيق بالتزامن مع مشاركة إيران في صياغة قرارات أوبك وأوبك+ حول حصص الإنتاج قوض المبادئ التي قامت عليها هذه التحالفات، القائمة على تحقيق الاستقرار وضبط التنافس بين المنتجين".
ويتابع الفتيح: "من غير المنطقي أن تجلس إيران مع دول أوبك للتفاوض على حصص الإنتاج، في الوقت الذي تقوم فيه طهران والفصائل المرتبطة بها بتعطيل تصدير النفط لباقي الأعضاء"، معتبراً أن" إغلاق هرمز مزّق أوبك فعلياً من الداخل".
تكمن المشكلة في قدرة الناقلات على الخروج من مضيق هرمز وأي حديث عن بدائل سريعة هو طرح غير واقعي
الأزمة ليست في الإنتاج.. بل في التصدير
هذه القراءة تتقاطع مع ما يطرحه الباحث الاقتصادي يونس الكريم، الذي يرى أن جوهر الأزمة تغيّر بالكامل.
يقول الكريم لـ "هاشتاغ" إن "المشكلة لم تعد في حجم الإنتاج أو المعروض النفطي، بل في قدرة الناقلات على الخروج من مضيق هرمز"، مضيفاً أن "أي حديث عن بدائل سريعة للمضيق في ظل الحرب هو طرح غير واقعي حتى الآن".
هذا التحول يفسر، وفق تقارير وكالة رويترز، لماذا لم تؤدِ زيادة الإنتاج أو خفضه إلى استقرار السوق، إذ باتت المخاطر الجيوسياسية العامل الحاسم.
الإمارات تحملت كلفة عالية جداً على مستوى اقتصادها بالكامل
كلفة الحرب تضرب نموذج الإمارات
لكن التأثير الأكبر، وفق الكريم، لم يكن نفطياً فقط، بل اقتصادياً شاملاً. ويوضح أن "الإمارات تحملت كلفة عالية جداً، ليس فقط على مستوى البنية النفطية، بل على مستوى اقتصادها بالكامل، من التجارة إلى استقطاب الاستثمارات، خصوصاً في مراكز مثل جبل علي".
ويضيف أن "هذا خلق شعوراً متزايداً داخل الإمارات بأنها تدفع ثمناً كبيراً دون وجود مظلة خليجية حقيقية تدعمها، كما كان يُفترض في إطار منظومة موحدة".
هذه النقطة تعززها تحليلات بلومبرغ التي تشير إلى أن اقتصادات الخليج أصبحت أكثر هشاشة أمام اضطرابات سلاسل التوريد.
خلافات خليجية تكشف التصدع
في هذا السياق، يكشف الكريم عن بعد أكثر حساسية يتعلق بالخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي.
يقول إن "هناك تباينات واضحة بين السعودية والإمارات، سواء في آليات التصدير البديلة مثل ميناء ينبع، أو في التعاطي مع ملفات إقليمية مثل اليمن وسوريا"، مشيراً إلى أن "أبوظبي شعرت بأنها قُدمت تنازلات في بعض هذه الملفات دون مقابل".
هذا التباين، وفق تقديرات المجلس الأطلسي، يعكس تحولاً من العمل الجماعي إلى حسابات وطنية منفصلة داخل الخليج.
يحمل قرار الانسحاب الإماراتي بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن الاقتصادي
من السعر إلى الكمية.. تغيير المعادلة
اقتصادياً، تبدو الإمارات في طور إعادة صياغة استراتيجيتها النفطية. يؤكد الكريم أن "سياسة رفع الأسعار مقابل خفض الإنتاج لم تعد مجدية، خصوصاً في ظل كلفة الحرب"، مضيفاً أن "الإمارات باتت تميل إلى زيادة الإنتاج للاستفادة من الأسعار المرتفعة في المدى القصير".
وهذا يتقاطع مع تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية التي تشير إلى تحوّل بعض المنتجين نحو تعظيم الإيرادات الفورية بدل ضبط السوق.
رسالة ضغط تتجاوز النفط
وفقا للتحليلات، يحمل قرار الانسحاب الإماراتي بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن الاقتصادي.
في هذا الإطار، يرى الكريم أن "الخطوة تمثل رسالة ضغط دولي، مفادها أن استمرار الوضع الحالي في سوق الطاقة لم يعد مقبولاً، وأن التحالفات القائمة قد تنهار إذا لم يتم إيجاد حلول حقيقية".
بينما يذهب الفتيح أبعد من ذلك، معتبراً أن "ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة داخل أوبك، بل انهيار تدريجي لمنظومة قامت على الاستقرار، قبل أن تتحول إلى ساحة صراع".
تحول عميق
ما بين قراءة الفتيح التي ترى أن "هرمز مزّق أوبك"، وتحليل الكريم الذي يؤكد أن "الأزمة في التصدير لا الإنتاج"، يتضح أن انسحاب الإمارات ليس حدثاً منفصلاً، بل نتيجة مباشرة لتحول عميق في طبيعة سوق الطاقة. سوق لم تعد تحكمه الحصص فقط، بل الجغرافيا السياسية، ولم تعد تضبطه الاتفاقات، بل ممرات مائية يمكن أن تُغلق في أي لحظة.


