هاشتاغ
بحث

متلازمة الـ 1200 دولار.. كيف تصنع شبكات السويق الهرمي جلادين من ضحاياها في الأرياف؟

05/05/2026

التسويق-الشبكي-سوريا

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص


في خضم أزمات اقتصادية طاحنة تبحث فيها الأرياف السورية عن أي منفذ للخلاص، تتمدد شبكات الاحتيال المالي كخلايا سرطانية تستهدف الشبان تحت لافتة التجارة الإلكترونية والأرباح "الدولارية".


ما يبدأ كعرض وظيفي مغرٍ لا يتطلب سوى أربع ساعات من العمل اليومي، ينتهي بتجريد الضحية من مدخراته التي تتجاوز الألف دولار أمريكي.


لكن الجريمة الحقيقية لا تتوقف عند حدود السلب المالي، بل تتجاوزها إلى هندسة اجتماعية خبيثة تعتمدها شبكات التسويق الهرمي كشركة "كيونت".


يُجبر الضحية المنهارة مالياً على الإيقاع بأبناء قريته وأصدقاء طفولته لتعويض خسارته في هذا النظام. هكذا يتحول النسيج الأهلي إلى ساحة تصفية حسابات، ويأكل الضحايا بعضهم البعض في محاولة يائسة لاسترداد أموالهم.

تشريح الفخ والتزوير الجغرافي

تعمل هذه الشبكات وفق مسار هندسي دقيق يستهدف فئة الشباب في العشرينيات والثلاثينيات من العمر.


وتستغل الشبكة افتقار هؤلاء الشبان للخبرة في تمييز النماذج الربحية المستدامة عن عمليات الاحتيال المنظمة.


ويتم اصطياد الضحية عبر إعلانات تروج لفرص عمل في التسويق الإلكتروني مع وعود بعوائد مالية سريعة.


لكن للبدء بهذا العمل، يُفرض على الشاب شرط وحيد يتمثل في شراء منتج من الشركة كعقبة دخول أساسية.


وتكشف وثائق مسربة حصل علىها "هاشتاغ" أن أحد الضحايا دُفع لإجراء تحويل مالي بقيمة 1084 دولاراً أمريكياً.


المفارقة الصارخة هنا تكمن في نوع المنتج المباع، إذ تم توريطه بشراء باقة إجازات سياحية تحمل اسم فوياجر بقيمة 1040 دولاراً، يضاف إليها 44 دولاراً كرسوم إدارة مخاطر.


وهنا يبرز السؤال المنطقي حول كيف يمكن لشاب في ريف سوري لا يملك ثمن تذكرة سفر أن يشتري خصومات لفنادق عالمية.


الأخطر من ذلك هو التزوير الجغرافي الذي تعتمده الشبكة للتهرب من العقوبات والمساءلة القانونية.


وتُظهر الإيصالات تسجيل الضحية السوري بعنوان لبناني وهمي ورقم هاتف لبناني وبريد إلكتروني عشوائي، حيث يأتي هذا الإجراء لتأمين غطاء قانوني زائف للعملية وللتحايل على حظر العمل في سوريا.


وبمجرد استلام الحوالة المالية، تنقلب الآية وتتبخر وعود العمل المستقل، فتُسحب كافة الذرائع التسويقية ليحل محلها الشرط الهرمي الوحيد الذي يجبر الضحية على استقطاب ضحايا جدد ليدفعوا كما دفع لكي يجني أي أرباح.

هندسة التنافر المعرفي وتمزيق النسيج الأهلي

الأزمة هنا لم تعد محصورة بين محتال مجهول يقبع خلف شاشة وضحية ساذجة، بل امتدت الكارثة لتفخخ العلاقات الاجتماعية في القرى حيث يعتبر رأس المال الحقيقي هو السمعة والعلاقات الأسرية.


فيجد الشاب نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، إما تقبل خسارة مبلغ ضخم يتجاوز الألف دولار، أو اختراق شبكته الاجتماعية من أصدقاء وأقارب لتوريطهم.


ولإسكات حالة التنافر والشعور بالذنب، يقنع المندوب نفسه بأنه يمنح فرصة عمل لأصدقائه، بينما هو في الواقع يرميهم في ذات الهاوية.


وعندما يكتشف الضحية اللعبة ويواجه المندوب الذي هو في الغالب صديقه أو ابن قريته، يبدأ الأخير بممارسة تلاعب نفسي عميق.


ففي تسجيلات صوتية ومحادثات "واتسأب" حصل عليها "هاشتاغ"، يحاول المندوب الذي يحمل اسم "ج. ص" إقناع ضحيته بأن الفشل يقع على عاتقه هو.


ويقول "ج" في إحدى رسائله بالحرف الواحد إن الضحية لم يتعرض للنصب وأن العمل نظامي ولكنه يتبلى على نفسه.


ومع مرور الوقت، تتسع رقعة الأزمة لتتدخل العائلات وتبدأ قطيعة اجتماعية وحالة من الغضب بين الأهالي، حتى يعترف ذوو بعض المندوبين سراً بأن أبناءهم وقعوا ضحية وتم غسل أدمغتهم.


لكن هؤلاء الأهالي يتوسلون التكتم خوفاً من الفضيحة الاجتماعية أو ما يُعرف شعبياً بمصطلح "التجريس".


اختطاف القانون وفخ الابتزاز العكسي

لحماية الهيكل الهرمي من الانهيار، تستخدم إدارة هذه الشبكات تكتيكات ردع قانونية استباقية لترهيب الضحايا مستغلة الجهل القانوني في الأرياف.


فعندما يستفيق الضحية ويطالب بماله مهدداً بفضح الشبكة، يُشهر المندوبون سلاح قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية السوري.


وفي إحدى المحادثات الموثقة، يهدد المندوب "ج" ضحيته بوضوح قائلاً له إن التشهير سيجلب له المتاعب وأنه سيتعرض للإهانة القانونية.


ويهدف هذا التهديد المباشر إلى شل حركة الضحية بالخوف من الملاحقة ودخول السجن، وهنا يقع العديد من الضحايا في خطأ قانوني مميت يتمثل في الابتزاز العكسي.


ففي بعض الحالات، يقوم بعض الشبان بكتابة منشورات تفضح المحتالين بالأسماء والصور، ثم يرسلون مسودة المنشور للمندوبين كأداة ضغط لإجبارهم على إعادة الأموال.


هذا التصرف الساذج يسلم المحتال دليلاً مادياً صريحاً على نية التشهير والابتزاز. بذلك، يُمنح المحتال الحق القانوني بتقديم شكوى استباقية تقلب الطاولة على الضحية وتجعله هو المذنب أمام القضاء.


أي غطاء تجاري يختبئ منظمو تلك الشبكات خلفه يعتبر قانونياً عقود "غبن فاحش" و"إذعان" تستوجب الملاحقة

الرأي القانوني والضربة المضادة

الخبير في قضايا الجرائم المعلوماتية المحامي طارق العبد، ينسف الحجج القانونية للشبكة، حيث يؤكد أن التهديد بالتشهير هو سلاح المحتال الأخير لمحاولة النجاة من المساءلة.


ويوضح العبد، في حديثه لـ"هاشتاغ"، أنه من الناحية القانونية، يعتبر القضاء النشر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل صدور حكم قضائي جريمة تشهير، حتى لو كان الطرف الآخر محتالاً بالفعل.


لكن هذا الأمر لا يسقط أبداً جريمة سلب أموال الغير بالخداع والاحتيال التي يعاقب عليها القانون بصرامة، بحسب العبد، الذي يشير إلى أن هذه الشبكات لا تمتلك أي تراخيص في سوريا لمزاولة التسويق الشبكي.


ويؤكد العبد أن أي غطاء تجاري يختبئ منظموا تلك الشبكات خلفه يعتبر قانونياً عقود "غبن فاحش" و"إذعان" تستوجب الملاحقة.


كما يفند العبد شائعة عدم قانونية تسجيلات الصوت، مؤكداً أن محادثات الواتسأب والتسجيلات تعتبر قرائن إلكترونية يُعتد بها تماماً.


يحدث ذلك عند تفريغها أصولاً من قبل فرع الجرائم المعلوماتية، بشرط أن تقدم للقضاء المختص وليس كمنشورات استعراضية على فيسبوك.


وبناءً على ذلك، فإن خارطة الطريق الوحيدة للضحية تبدأ بالتوثيق الصامت وأخذ لقطات شاشة لكل المحادثات والوعود والإيصالات دون حظر المحتال أو مسح أي رسالة.


تليها خطوة حاسمة تتمثل في إيقاف التفاوض والابتزاز العكسي فوراً، لأن التهديد بالنشر هو انتحار قانوني يخدم مصلحة الشبكة.


وتُختتم هذه الرحلة بالتوجه الصامت مع كافة الأدلة الرقمية والمالية إلى إدارة الأمن الجنائي وتقديم معروض رسمي بجرائم الاحتيال المالي عبر الشبكة.


وبمجرد فتح الضبط الرسمي، يسقط سلاح التهديد بالتشهير من أيدي المحتالين، ويبدأ القانون بطحن هيكلهم الهرمي المتهاوي.


ويختم العبد حديثه معتبراً أن هذا النظام الهرمي يتغذى على منشورات السوشيال ميديا ليظهر بمظهر الضحية، ولكنه يرتعد وينهار تماماً أمام الضبوط الجنائية الصامتة.

إمبراطورية الوهم الهرمي وشركة "كيونت"

عتمد التسويق الهرمي في جوهره على نموذج اقتصادي غير مستدام رياضياً، حيث تكون السلعة المباعة مجرد غطاء قانوني لعملية جمع الأموال السائلة.


وتتدفق الأرباح في هذا النظام من القاعدة نحو القمة، بحيث يُمول المشتركون الجدد أرباح المشتركين القدامى في أعلى الشبكة بشكل متسلسل ومستمر.


ومع استمرار العملية، يحتاج الهيكل إلى أعداد مضاعفة ومستحيلة ديموغرافياً من الضحايا الجدد لضمان بقائه، مما يؤدي حتماً إلى انهياره العضوي وإفلاس الغالبية الساحقة التي تشكل قاعدة الهرم.


وفي هذا السياق، تبرز شركة "كيونت" التي تأسست في أواخر التسعينيات في هونغ كونغ، والتي غيرت اسمها التجاري عدة مرات من "جولد كويست" إلى "كويست نت" للتهرب من الملاحقات القضائية.


وتُسوق الشركة لنفسها على نطاق عالمي ككيان رائد في البيع المباشر لمنتجات سياحية وصحية، لكنها واجهت اتهامات رسمية بالاحتيال المالي وتأسيس شبكات هرمية غير قانونية في عشرات الدول حول العالم.


وقد حظرت السلطات في العديد من الدول العربية والأجنبية نشاطها بشكل قاطع، بما في ذلك المملكة العربية السعودية ومصر والهند وإيران، وصدرت بحق وكلائها المحليين مذكرات توقيف بتهم الاحتيال وجمع الأموال بطرق غير مشروعة.


أما في الساحة السورية، فتستغل هذه الشبكات التصدعات الاقتصادية وغياب التنظيم القانوني الصارم للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود لتمرير نشاطها وتوسيع قاعدتها في اقتصاد الظل.


ويعتمد وكلاؤها الإقليميون على تقنيات التخفي الجغرافي وتسجيل الضحايا ببيانات خارجية لتجنب رصد تحركاتهم المالية من قبل الجهات الرقابية.


وبذلك، تجد القرى السورية المنهكة مالياً نفسها في مواجهة كيانات دولية عابرة للحدود، تمتص ما تبقى من مدخراتها السائلة وتترك خلفها مجتمعات ممزقة ومثقلة بالديون والنزاعات العشائرية والقانونية.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026