هاشتاغ
بحث

واشنطن ودمشق.. تقلبات جيوسياسية

10/11/2025

واشنطن-ودمشق

شارك المقال

A
A


مازن بلال 


 دخول رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا إلى البيت الأبيض تحمل سمة رمزية، وذلك بصرف النظر عن أي ملف يمكن بحثه في واشنطن، فهي تغير من شكل العلاقة السورية دولياً ومن "الهوية السياسية" السورية، فمنذ الاستقلال كانت الولايات المتحدة منطقة خطرة للسياسيين السوريين، نظراً إلى طبيعة التناقض الإقليمي الذي نشأ منذ النصف الثاني من القرن العشرين على صراع المحاور.


 ما يحدث اليوم لا يرتبط بسوريا أو بسياساتها الدولية والإقليمية، فهو إعلان أمريكي بأن طبيعة الصراعات الشرق أوسطية تبدلت كليا بعد انتهاء "المحور" المعادي لـ"إسرائيل"، فاللقاءات الأمريكية – السورية التي كانت تُجرى على مستوى القمة في جنيف وفي دمشق كانت للتفاوض في الصراع العربي – "الإسرائيلي"، وتُجرى اليوم في واشنطن لبحث شرعية الوجود العسكري الأمريكي في سوريا ضمن إطار محاربة الإرهاب، فالموضوع الرئيسي الذي كان يشغل السياسة السورية منذ الاستقلال غائب من دائرة العلاقات الدولية لسوريا.


 عملياً فإن الاهتمام الأمريكي الحالي بالتعامل مع سوريا يُظهر طبيعة التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة، فهناك ملفان على الأقل تم شطبهما بالكامل من مسألة الأمن الإقليمي: الملف الأول يتعلق بنوعية السلام مع "إسرائيل" فزيارة الشرع إلى واشنطن تعبر عن هذه النقلة، فالسلام بمفهومه الذي تأسس بعد حرب 1973 انتهى عملياً، وكل التفاهمات بالمؤتمرات الدولية وخصوصاً في مدريد أصبحت من الذاكرة.


كان محور العلاقات الأمريكية – السورية يركز على "إسرائيل"، بينما اليوم يتخذ آلية جديدة خارج السلم ويقتصر على الترتيبات الأمنية، أما جوهر التحول فيرتكز إلى تثبيت "الشرق الأوسط الجديد" المستند إلى "تفاهمات" وليس إلى سلام بشروط واضحة.


انتهت بنظر الولايات المتحدة مسألة "مراقبة" الأنظمة أو "تغيير سلوكها"، فسوريا كانت الدولة الأخيرة التي خرجت من دائرة السياسات الأمريكية التقليدية، وأصبحت ضمن أمنٍ إقليمي لا يعتمد على السيادة المطلقة للدول؛ بل على التوازن النسبي الذي تفرضه طبيعة "التدفقات" الخاصة بالسوق الدولية، وما تنتجه من سياسات تجاه الدول الموجودة ضمن ممرات التجارة الدولية.


واشنطن تنظر إلى دمشق اليوم بوصفها عقدة جغرافية – سياسية أصبحت ضمن سياستها ومن الضروري إدماجها في شبكة التوازنات الجديدة، فالتعامل الأمريكي مع دمشق أصبح أداة لتثبيت الاستقرار الإقليمي، وليس وسيلة لفرض نموذج سياسي بعينه، وهذا التحول يطرح إشكاليات عميقة تتجاوز الثنائية التقليدية بين "الشرعية" و"النفوذ"، فالمعادلة الجديدة تترك سوريا أمام اختبار صعب في تعريف دورها في ظل انتهاء "استراتيجية المقاومة" مقابل بروز مصالح اقتصادية ومناطقية أكثر ضيقاً؟


اللقاء في البيت الأبيض يختزل لحظة مفصلية، ويظهر نهاية مرحلة طويلة، فهو إدراج سوريا في معادلة جيوسياسية لإدارة ملفات لا إلى بناء تحالفات، فواشنطن اليوم لا تبحث عن شركاء في الشرق الأوسط؛ بل عن نقاط استقرار مؤقتة في عالمٍ يتبدل بسرعة، والنظام السوري الجديد جعل سوريا تجد نفسها مرة أخرى في قلب هذه التحولات، ليس بوصفها لاعباً؛ بل ساحة اختبار مدى قدرة النظام الدولي على إنتاج شرق أوسط جديد بلا حروب كبرى، ولكن أيضاً بلا يقين سياسي.

اللقاء في البيت الأبيض يختزل لحظة مفصلية، ويظهر نهاية مرحلة طويلة، فهو إدراج سوريا في معادلة جيوسياسية لإدارة ملفات لا إلى بناء تحالفات.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025