هاشتاغ
بحث

المتحف وذاكرة سوريا المتعبة

14/11/2025

المتحف-وذاكرة-سوريا-المتعبة

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - نضال الخضري

 

 سرقة المتحف في سوريا لا يمكنها أن تعبر داخل مشهد عادي، فهي تعيد كل التصورات التي نختزنها من كتب التاريخ ومن الصور التي مرت بشكل اعتيادي ونخن نًحصل المعارف في طفولتنا، ثم صارت جزءا من تفكيرنا ومن الذكريات التي تعبر بنا نحو الماضي؛ عندما كانت زيارة المتحف الوطني جزء من الأنشطة المدرسية.


 عدد المسروقات أو مواصفاتها شأن سينتهي بنا إلى قضية جنائية، لكن ما سُرق فعلاً جزء من تكويننا، ومن فهمنا لأنفسنا، فمتاحفنا لا تحتوى على مقتنيات غريبة، ولا على مجوهرات لملوك وأباطرة مثل متحف اللوفر، بل تضم بقايا من حاولوا أن يجعلوا من سوريا عالما يرسم التنوع الخاص بأرض غنية بقدرتها على البقاء، ومن يسرق المتحف يكسر سلسلة من بقائنا، ومن الذاكرة التي تجمعنا اليوم على أرض ترسمنا ظلالا لتاريخ يجتمع داخل بقعة صغيرة في دمشق.


السرقة المادية الموصوفة تقودنا خارج خسارتنا الرمزية التي تتجاوز جدران المتحف، فحين تُنهب التماثيل، أو تُهرّب الرقوق الفخارية، أو تُكسر الألواح التي حملت أول أبجدية، لا نخسر قطعة أثرية، بل نخسر لغة كاملة من الذاكرة، ففي كل تمثال مفقود تتهاوى طبقة من الزمن، ويتآكل خيط من السردية التي نسجت هوية المكان.


لم يكن المتحف السوري مخزناً للآثار، بل فضاء للوعي الجمعي، فنرى فيها أنفسنا، وكل حجر في قاعاته يذكرنا بتراكب الحضارات التي أوجدتنا، وحين تضيع تلك الشواهد، يتشقق جدار الذاكرة، وتغدو البلاد أكثر عرضة للنسيان، فالسرقة استهدفت التاريخ، واللصوص شاركوا في اغتيال الرموز التي تحفظ تماسكنا، فالذاكرة الجمعية لا تُسرق دفعة واحدة، بل تُنزع ببطء حتى نجد أنفسنا نعيش في أرض بلا ملامح.


منذ سنوات الحرب الأولى، تحولت المتاحف والمواقع الأثرية في سوريا إلى ساحات مواجهة غير معلنة، بين من يرى في الحجر ذاكرة، ومن يراه مجرد غنيمة، ومع كل تمثال يُهرب أو فسيفساء تُنتزع، يُضاف جرح جديد إلى جسد البلاد المتعب، فالمتحف ليس حارسا للحجارة، بل أمينا على المعنى الذي يُستهدف اليوم في جوهره.


المشهد الأشد قسوة أن نرى المتحف، الذي صمد طوال سنوات الحرب، يُنهب اليوم ليجعل السرقة حدثاً يخترق الوجدان، ويعبر عن انهيار العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين الحاضر وما تبقى من الماضي في قلبه، فما يجمعنا ليس فقط الحاضر المشترك، بل التاريخ الذي جعل من هذه الأرض ملتقى للحضارات لا مقبرة لها، فالمتحف لا يعرض الماضي، بل يذكرنا بأن المستقبل لا يُبنى على الفراغ.


سرقة المتحف مرآة لما آل إليه الواقع من ذاكرة متعبة، تتعرض للتقويض، ويُسرق معها المعنى الذي كان يمنح السوريين ما يشبه الثبات في عالمٍ يتهالك، فرمزية الآثار تذكرنا بما سُرق من أنفسنا، وتفتح سؤالاً حول قدرتنا على أن نحكي حكايتنا كما كانت، لا كما يريد الآخرون أن تُروى.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025